عُرفت الإمبراطورية الرومانية باعتمادها الاقتصادي على الغزو ونهب البلدان المفتوحة، ومع كل عملية احتلال جديدة كانت الثروات تتدفق على روما، وكان الوضع يعمل بسلاسة طالما كانت هناك أراضٍ يمكن الوصول إليها بسهولة، إلا أن الأمور كانت تتعقد دائمًا إذا تعرضت القوات الإمبراطورية للفشل، وكانت أبرز محطات الفشل التي واجهت الإمبراطورية تلك التي اختبرتها في شبه الجزيرة العربية.

فعندما أصبح «أوكتافيوس» الحاكم الأعلى للإمبراطورية الرومانية، عقب انتصاره على مارك أنطونيوس في معركة أكتيوم عام 31 ق.م، منح نفسه اسم «أغسطس قيصر» وحاول إدارة الشؤون الداخلية لبلاده بالحكمة والعدل، إلا أنه استمر في العمل وفقًا للإستراتيجية الرومانية للتوسع العسكري وتحويل البلاد المفتوحة إلى مصادر للموارد التي يحتاجها الرومان، وتحويل قطاع عريض من الشعوب المهزومة إلى عبيد.

افتتح أغسطس عصره بحملة عسكرية على شبه الجزيرة العربية،  كلف بها أيليوس جالوس حاكم مصر بين عامي 26 ق.م و24 ق.م فبنى جالوس نحو 80 سفينة حربية و130 سفينة لنقل جيشه المكون من 10 آلاف مقاتل، إلى أعماق شبه الجزيرة العربية التي يعلم الرومان عنها القليل.

فقد كان الرومان يقسمون شبه الجزيرة العربية إلى ثلاثة أجزاء: «Arabia Petraea» (الصحراء البترائية) في الشمال وتشمل شبه جزيرة سيناء وأجزاء من شاطئ البحر الأحمر ناحية الأردن، وهي المنطقة الوحيدة التي نجحوا في احتلالها، وعلى الرغم من أن روما لن تضم «البتراء» حتى 106م فإن المدينة كانت تحت النفوذ الروماني بالفعل، وكان أغسطس يأمل في استخدام مساعدة المدينة في السيطرة على الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية.

أما القسم الثاني فقد عرفه الرومان باسم «Arabia Deserta» (الصحراء العربية) وكانوا يرونها منطقة شاسعة من شأنها أن تُسقط أي غزو محتمل لأنها غير معروفة سوى لساكنيها، وأما المنطقة الأخيرة «Arabia Felix» في الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة (اليمن حاليًا)، وكانت ممالك هذه المنطقة آنذاك ثرية للغاية؛ إذ كانت تنتج العطور والبخور والبهارات والأحجار الثمينة، ويبادلون منتجاتهم بالذهب والفضة، لكنهم وفقًا لكتاب «العرب والأراضي العربية: من العصر البرونزي إلى مجيء الإسلام» للباحث روبرت ج. هويلاند لم يشاركوا ما تحصلوا عليه أبدًا مع الغرباء.

غزوة الاستيلاء على كنوز العرب.. كيف فشلت الحملة الرومانية على اليمن؟

المصدر:  The Byzantium blogger

ما فعلته «الخيانة» بجيش الرومان

جهز أيليوس جالوس حاكم مصر الروماني حملة عسكرية للذهاب إلى منطقة «أرابيا فليكس» في الجنوب، لإخضاع ممالكها للسيطرة الرومانية، مع الاستعانة بحلفاء روما الموجودين شمال شبه الجزيرة (مملكة الأنباط).

رصد المؤرخ اليوناني سترابو عملية بناء أيليوس للسفن الخاصة بالحملة في مدينة «كليوباتريس» (مدينة السويس حاليًا) ليقرر فور الانتهاء من بنائها، الإبحار بالسفن نحو ميناء «لوكي كوميه» (واحة عينونة محافظة الضباء في شمال غرب المملكة السعودية حاليًا) ليقابل حلفاءه النبطيين هناك وينطلق في رحلته البرية لاحقًا، لكن المشكلات بدأت من هنا.

تاريخ

منذ 11 شهر
مملكة الأنباط.. قصة الحضارة الغامضة التي ازدهرت في السعودية

فبعد أن ركب جالوس البحر واجهته رياح صعبة وتقاذفت الأمواج السفن الرومانية، وبشقِ الأنفس وصل القائد الروماني إلى مملكة الأنباط، وكان معه في هذه الرحلة «سيلايوس» الوزير النبطي الذي وافق أن يكون مرشدًا للحملة، بصفته من أهل شبه الجزيرة وأدرى بالطرق والدروب التي يسلكها التجار.

لم يكد جالوس يصل إلى الميناء النبطي حتى أصيب جزء كبير من جنوده بالمرض بسبب سوء التغذية، فاضطر إلى البقاء في المدينة حتى انقضى صيف وشتاء، وبحلول الربيع انطلقت الحملة إلى الصحراء، وتوقع جالوس أن يصل إلى المدن الثرية في الجنوب سريعًا بوجود سيلايوس بجانبه، لكن هذا لم يحدث.

المؤرخ سترابو كان يرى أن سيلايوس النبطي «خائن للإمبراطورية»، وهو أمر تُرجحه دراسات أحدث، فالطريق الذي أخذته الحملة استغرق ستة أشهر؛ إذ سلك بهم الوزير النبطي طريقًا مختلفًا عن الطريق الذي تسلكه القوافل التجارية، وربما حتى لا يعلم بها الرومان ويعودون بحملة أكبر ويقطعون طرق التجارة بين ممالك الجنوب وممالك الشمال.

لكن ذلك لا يعني أن الحملة الرومانية لم تقابل في طريقها أي مدن، بل وصلت الحملة إلى عدة مدن لكن بعد أشهر عديدة اتبع فيها آلاف الجنود الرومان «سيلايوس» عبر أكثر الأراضي الجافة والموحشة في شبه الجزيرة العربية، وفي هذه الظروف الحارة والجافة، كانت الإمدادات تنفد من الجيش الروماني، وخاصة المياه، وفشلت القوات في الحصول على المؤن في البيئة المحيطة لتجديد المخزون.

مرت الحملة بـ«مدائن صالح» في الشمال، وبعد ذلك واجهت رحلة صعبة خلت من المغامرات سوى مغامرة البقاء على قيد الحياة رغم قلة الموارد والمؤن، وصادفت القوات في طريقها عدة قبائل وقرى صغيرة لم تشكل أي تهديد عليها، بحكم أنها لم تكن مسلحة ولا مدربة بالشكل الكافي للتعامل مع الجيش الروماني، وعلى الرغم من انتصارات «جالوس» عليهم فإن ذلك لم يكن يعني له أي شيء، فمهمته لم تكن محاربة قبائل بدوية متنقلة، بل الوصول إلى «المدن الثرية» في جنوب الصحراء العربية.

وبعد طول عناء وصل «جالوس» ورجاله إلى «نجران» (جنوب السعودية)، وهناك بدأ شعاع الأمل يدب في نفس القائد الروماني، خاصة بعد أن أكد له «سيلايوس» أنهم على مقربة من «المدن الثرية»، وتأكدت صحة معلومات «سيلايوس» عندما وصلت الحملة إلى مأرب.

قرر جالوس محاصرة المدينة، لكن الحصار لم يدم لأكثر من ستة أيام، فقد أجبرهم تناقص إمدادات المياه على فكه، ورغم تأكيد «سيلايوس» بأنهم على مسيرة يومين من «مدن البخور» المغرية في اليمن، فإن «جالوس» أدرك أن الضرر الذي وقع على حملته أضعفها بشدة، فإذا لم تستطع قواته حصار مأرب لأسبوع، فكيف ستحارب تلك المدن البعيدة والتي لديها مقاتلون أفضل من البدو الذين حاربهم في طريقه.

أمر «جالوس» بإنهاء الحملة، وفي طريقهم للعودة كان رجاله يتساقطون واحدًا تلو الآخر، لكن لحسن حظهم فإن طريق العودة لم يأخذ منهم أكثر من شهرين، الأمر الذي جعل جالوس يدرك أن سيلايوس والنبطيين قد تلاعبوا به وبرجاله، وأنهم ليسوا الحلفاء الذين توقعهم أن يكونوا.

فقد كان الجيش الذي عبر به البحر إلى «مويوس هرومس» (منطقة القصير في صعيد مصر) أصغر بكثير من الجيش الذي غادر قبل أكثر من عام، وعلى الرغم من أنهم فقدوا سبعة رجال فقط في المعارك التي خاضوها ضد القبائل فإن المرض والجوع وارتفاع الحرارة أودوا بحياة أعداد كبيرة من جنوده.

لا كنز في هذه الرحلة

يعد معظم المؤرخين حملة جالوس فاشلة تمامًا، بل يرى فيها البعض بداية انكسار الهيمنة الرومانية وانكشاف أسطورة الفيالق الرومانية على الرغم من وجود حملات أخرى ناجحة بعدها، مثل سيطرة الرومان على مملكة الأنباط ذاتها لاحقًا، وكان فشل حملة عسكرية رومانية آنذاك بمثابة واقعة كبيرة تركت آثارها في جسد الإمبراطورية.

على الجانب الآخر، هناك من يرى للحملة جوانب مفيدة، فوفقًا لكتاب «العرب والأراضي العربية: من العصر البرونزي إلى مجيء الإسلام» فإن جالوس ادعى أنه انتصر في رسائله لأغسطس قيصر، وعند عودته تمكن من الإبلاغ عن عدد من الاكتشافات بناءً على رواية المؤرخ «بليني». تلخصت اكتشافات جالوس في:

1- البدو يعيشون على اللبن ولحم الحيوانات البرية.

2- باقي القبائل تستخرج الخمر من أشجار النخيل مثلما يفعل الهنود، ويحصلون على زيت السمسم.

3- الحميريون هم القبيلة الأكثر عددًا.

4- مملكة معين لها أرض خصبة وبها بساتين النخيل والأخشاب وتمتلك ثروة حيوانية.

5- القتبانيون والحضرميون، يتفوقون كمحاربين.

6- السبئيون هم الأكثر ثراءً لخصوبة غاباتهم وثرائها بالأزهار المستخدمة في إنتاج العطور، ومناجمهم الذهبية، وأراضيهم الزراعية المروية، وإنتاجهم من العسل والشمع.

7- العرب يلبسون العمائم دون حلق شعرهم، ويحلقون لحاهم لكنهم يتركون الشارب، ويترك البعض الآخر اللحية بدون حلاقة أيضًا.

File:Roman Empire full - Referenced.jpg

المصدر: wikimedia

نجح «جالوس» في إلقاء اللوم على سيلايوس أمام أغسطس قيصر، وبذلك استطاع الحفاظ على رأسه في مكانها، ولم يقابل المصير الذي واجه غيره ممن فشلوا في إثبات كفاءتهم لحاكم الإمبراطورية، لكنه في المقابل خسر منصبه حاكمًا لمصر.

وعلى الجانب الآخر أخفى أغسطس أخبار فشل هذه الحملة قدر الإمكان حتى يتجنب الأصوات المعارضة في روما، ومما سهل على أغسطس مهمته أن معظم الجنود في هذه الحملة كانوا من القوة المحلية الخاصة بمصر والقوات الاحتياطية وليسوا من الفيالق الرومانية القادمة من روما، ولعل محاولة أغسطس في إخفاء أمر الحملة ومصيرها ساهم في وجود مصادر قليلة تتحدث عنها، عكس باقي الحملات الرومانية، التي تجد سجلاتها في كل مكان.

لكن في جميع الأحوال، لم تستطع روما أبدًا فرض سيطرتها على المدن الثرية في جنوب شبه الجزيرة العربية، وربما الفضل في هذا الأمر يعود إلى دهاء سيلايوس أو إلى انعدام كفاءة أيليوس جالوس، أو إلى الصحراء، أو إليهم جميعًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد