تظل القرود وسلوكياتها على قائمة اهتمام علماء الحيوان، في محاولة لفهم هذا الكائن الذي يتشابه مع البشر في الكثير من التصرفات والشكل الخارجي أيضًا، وهذا الاهتمام تحول لدى البعض منهم إلى شغف وسعي محموم وراء الكشف عن الحياة الخاصة التي يعيشها الشمبانزي والذي يعد هو الأقرب للبشر في فصائل القرود.

بعض علماء الحيوان حاولوا العيش بالقرب من مجموعات أو أسر للشمبانزي في بيوتها الخاصة، ونجحوا في ذلك، خاصة عالمة الحيوان جين جودال، والتي استطاعت تكوين علاقات قوية بين أكثر من مجموعة من القرود، ولكن التجربة التي نتحدث عنها في هذا التقرير تختلف عن تجربة جين مع القرود، فهذه التجربة كانت قائمة على الملاحظة أكثر من الرغبة في الانخراط بالأحداث أو إقامة علاقة ودية مع الشمبانزي.

علوم

منذ شهرين
كيف تشيع الحيوانات جنائز موتاها؟

تلك التجربة التي استمرت 25 عامًا لغرض واحد فقط، وهو الكشف عن الحياة السرية لقطيع من الشمبانزي في أوغندا، وأطلق على تلك التجربة «مشروع نجوجو» ونجوجو هو اسم القطيع المعني بالدراسة التي استمرت ربع قرن وهو أكبر وأقوى قطيع للقرود عرفه علماء الحيوان حتى الآن وأكثرهم أيضًا، فمع بداية التجربة كان القطيع يتكون من 142 شمبانزي وحين انتهاء التجربة كان قد اقترب من 300 قرد. فما الذي كشفته تلك السنوات من الملاحظة عن الحياة السرية للشمبانزي؛ هذا ما نقصه لكم في هذا التقرير.

«لا مكان للثوار»

«عندما تفكر كيف يمكن لهؤلاء القتلة أن يكونوا مسالمين ومدربين؛ يجعلك تدرك أن الشمبانزي كائن معقد، مثله مثل الإنسان بالضبط»، هكذا تحدث واحد من العلماء المشرفين على تلك التجربة، معلقًا على حادثة هي الأكثر دموية بين قطيع الشمبانزي المعني بالملاحظة.

في هذا القطيع الأدوار كانت محفوظة ولا يمكن التعدي عليها، فهناك زعيمًا لهذا القطيع، هو الأقوى جسديًا والأشد بئسًا فيهم، باقي أفراد القطيع يقدمون له فروض الولاء والطاعة، ولا يجرؤون على تخطيه، ومثل البشر هناك أيضًا الذراع الأيمن لهذا الزعيم.

وفي هذا القطيع كان القرد الثاني في المكانة مشاغبًا، يرى أن زعيمهم ربما لا يستحق تلك السلطة، وأن الزعامة تليق عليه أكثر، فهو الذي يقوم بكل الأعمال للزعيم على كل حال، بينما يجلس الزعيم يراقب سير الأمور من بعيد، ولذلك لاحظ العلماء المشرفون على التجربة أن هذا الشمبانزي على وشك أن يشن انقلابًا ضد الزعيم.

لغة الجسد في عالم القرود مهمة للغاية، فهي المؤشر الأول لرغبات تلك الحيوانات وما تنوي فعله، ولذلك بدأ القرد الثاني في القطيع بتغيير لغة جسده تجاه الزعيم، ومن أهم تلك العلامات التي لاحظها القرد الأول أن تابعه يدير ظهره له مرارًا وتكرارًا، وتلك الحركة الجسدية تعتبر إهانة للزعماء حتى في عالم البشر، ولذلك عندما يخرج أحد من مقابلة ملك عادة ما يسير للخلف حتى لا يدير ظهره للملك نظرًا لكونها تعتبر نوعًا من أنواع الإهانة.

مع الوقت أصبح واضحًا للزعيم أن رجله الثاني ينوي التمرد عليه، ولكن هذا القطيع كان مخلصًا لزعيمه، وفي مشهد هو الأكثر غرابة كما وصفه العلماء المشرفون على التجربة، اجتمع مجموعة من القطيع، خاصة المقربين من الزعيم، وكان واضحًا لهم أن هناك خطة قد تم وضعها. بعد هذا الاجتماع بوقت ليس طويل، وقعت تلك الحادثة الدموية، عندما اجتمع الأفراد الأقوياء في القطيع برئاسة زعيمهم، وضربوا هذا المتمرد بأيديهم حتى الموت.

صديق الثائر الحزين

ما تأكد منه العلماء الذين أقاموا بجوار هذا القطيع 25 عامًا، هو أن لكل قرد شخصيته المستقلة، وبالملاحظة الدقيقة يمكن لأي إنسان بسهولة معرفة تلك الشخصية وتحليلها، الشمبانزي هير كان القرد المحبوب من قبل فريق العلماء، وكان ودودًا غير محب للانخراط في مشاكل القطيع، كان قردًا متأملًا كما وصفه العلماء، والأهم أنه كان الصديق المقرب لهذا القرد الذي قرر التمرد على زعيمه.

في حادثة قتل المتمرد، لم يشارك هير في الضرب والقتل، بل كان يتأمل المشهد من بعيد حزينًا، وبعد انتهاء الاعتداء على الشمبانزي المتمرد، حاول هير مساعدته، ولكن ما تعرض له القرد كان أقوى من أن ينجو منه. وقبل تلك الحادثة، كان هير شامبانزي اجتماعي وسط قطيعه، وكان يحب أقرانه، ولكنه بعد هذا المشهد القاسي الذي شهده، أصبح أكثر عزلة، ولم يجد في نفسه الرغبة للتواصل مع القطيع كما سبق، وأكد العلماء أن ما كان يعانيه حالة من الاكتئاب والبحث المحموم عن صديقه الفقيد.

https://www.youtube.com/watch?v=ANvzW_Uaaxw

شاهد مجموعة من الشمبانزي في تنزانيا تتمرد على زعيمها.

كان القرد المتمرد قويًا، ولكنه كان فردًا واحدًا في جماعة؛ زعيمها قرر أن يدافع عن مكانته بشراسة، والفرد الوحيد الذي كان في صف هذا المتمرد هو القرد الوفي هير، والذي لم يكن في استطاعته تقديم أي مساعدة لصديقه الذي عاش في صحبته سنوات طويلة.

ولكن ليست كل محاولات التمرد على الزعيم في عالم الشمبانزي فاشلة، فقد استطاع مجموعة من العلماء من قبل توثيق حالة جماعية من التمرد على زعيم قطيع من الشمبانزي في غابات تنزانيا، حيث استلقى زعيم القطيع على الأرض بينما التف حوله مجموعة كبيرة من القرود، يضربونه ويصرخون فيه، ولكن كان من الواضح أن الغرض من هذا الضرب هو التوبيخ أو إيقافه عند حده وسلب سلطاته منه، واكتفوا ببعض قطرات الدماء التي سالت من وجهة، ولم يجدوا داعيًا لقتله، ولذلك وصف العلماء القائمين على ملاحظة قطيع الشمبانزي في أوغندا، بأنه القطيع الأكثر عدوانية ودموية الذي تمت ملاحظته من قبل البشر.

آكلو لحوم القردة

لسنوات طويلة ظن علماء الحيوان أن النظام الغذائي للشمبانزي نباتي تمامًا، حتى جاءت جين جودال وأثبتت بالتوثيق أن الشمبانزي لا يحب الفواكة والبذور والحشرات فقط، بل هو يحب اللحوم أيضًا، موضحة أن 6% من قائمة غذائه تحتوي على اللحوم.

وهو الأمر الذي لاحظه فريق عمل التجربة من العلماء، أنه فيما يتعلق بالقطيع موضوع البحث في أوغندا، كان اللحم يحتل ما يزيد عن 6% من قائمته الغذائية، وهو من الأدلة التي استعانوا بها لإثبات أن هذا القطيع هو الأكثر دموية بين القطعان التي عرفها البشر حتى وقت انتهاء التجربة وعرض نتيجتها عام 2017. في هذا القطيع يستهدف الشمبانزي القرود الأصغر ويصطادها بغرض الطعام، وهو ما أطلق عليه العلماء «Cannibalism» في عالم القرود أو الكائن الحي الذي يأكل من نفس لحوم جنسه.

في قطيع أوغندا موضوع البحث، كان على الشمبانزي الذي يأتي دوره في الصيد، أن يشارك فريسته مع باقي أفراد المجموعة، فتجدهم ملتفين في دائرة حول الشمبانزي الصياد، بينما هو يقطع بيده القرد الفريسة ويفرق قطعًا من جسده على باقي أفراد القطيع، كما يقسم الأب الدجاجة على مائدة الطعام لدى البشر.

ذكاء خارق.. فلماذا لا يثورون على البشر؟

ما تأكد منه فريق البحث المشرف على تلك التجربة التي استمرت ربع قرن، هو أن الشمبانزي حيوان يتمتع بذكاء خارق مقارنة بباقي الحيوانات، ففي هذا القطيع المعني بالدراسة كانت هناك حروب دائمة مع أي قطيع مجاور على الحدود ومناطق السيطرة، ولأجل تلك الحروب والصراعات كان أفراد قطيع الشمبانزي لديهم المهارة الكافية لصنع الأسلحة من أغصان الشجر وتشذيبها لتكون مدببة وجاهزة للقتل.

علوم

منذ سنتين
ليس كل الأطباء بشرًا! كيف تمارس الحيوانات «المثقفة» مهنة الطب؟

واستخدامها للأسلحة ليس المهارة الوحيدة التي لاحظها العلماء، بل إن لديهم القدرة على استخدام الأدوات بشكل عام، ومن خلال سنوات الملاحظة تأكد أنهم يستخدمون ما يقرب 350 أداة من الموجودات في الطبيعة من حولهم بغرض تسهيل حياتهم اليومية ونشاطاتهم.

فهم يستخدمون أفرع الشجر في حث الحشرات على الخروج من مخابئهم بغرض الحصول على الطعام، ويستخدمون الصخور كأداة للدق على الفواكه التي تحتاج إلى تقشير أو كسر لقشرتها الخارجية، ويستخدمون ألياف الأشجار كإسفنجة لامتصاص المياة ومن ثم الشرب منها، والكثير من الأدوات الأخرى والتي يمكن مشاهدتها في المقطع التالي.

السؤال الذي طرحه العلماء حول الشمبانزي، سواء من خلال تلك التجربة أو قبلها، هو إذا كان هناك مجتمع من الحيوانات يفهم الدرجات الاجتماعية ويحافظ عليها، ويفهم لغة الجسد، ويتواصل فيما بينه ويضع خططًا، سواء كان من أجل الخير، أو الشر، كما اتفق القطيع على قتل المتمرد، مجتمع لديه القدرة على استخدام الأدوات للطعام والحرب وتسهيل الحياة، فلماذا لا يتطور هذا المجتمع ويشكل خطرًا على البشر، خاصة وأن الشمبانزي حيوانًا قوي وشرس في نفس الوقت إذا أراد ذلك، فلماذا لا يصنع هذا المجتمع أسلحة ويقرر توسيع منطقة نفوذه؟

الإجابة الأكيدة لهذا السؤال بالنسبة لهؤلاء العلماء، ومن خلال التوثيق والملاحظة، هي أن كل المهارات التي يتعلمها القرد أو الشمبانزي هي مجهودات فردية، يولد القرد ويكتشف العالم من حوله ويحاول تسخير أكبر قدر ممكن من الأدوات لراحته، ولكنه ليس لديه القدرة على تمرير تلك المعرفة المكتسبة لأي قرد آخر، ربما القرد المجاور له يحاول تقليده ويكتسب تلك المعرفة بالمحاكاة، ولكن مرة أخرى ستتوقف تلك المعرفة بمجرد وفاة من اكتشفها، فالقرود ليس لديهم القدرة على تعليم بعضهم البعض بشكل ممنهج، وتمرير المعرفة فيما بينهم، وربما يكون هذا هو السبب الرئيس في أن القرود لا زلت تعيش بين الحيوانات، بالرغم من الذكاء الشديد الذي تتمتع به.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد