يعدّ الشيخ بوعمامة في المخيال الجزائري، أحد الرموز الوطنية من قادة المقاومات المسلّحة ضد الاستعمار الفرنسي، رفقة الأمير عبد القادر والمقراني والحداد وغيرهم من رجال المقاومة التي سبقت الثورة التحريرية. لكن الخصوصية التي يحوزها الشيخ بوعمامة دون غيره من قادة المقاومات، هي أنه قد وُلد في مدينة فقيق المغربية، وتوفي في العيون المغربية أيضًا؛ وبين ميلاده ووفاته في المغرب، عاش حياة كاملة في الجزائر يجابه الاستعمار الفرنسي ويحشد حوله القبائل والزوايا والفلاحين من أجل الثورة. فمن هو الشيخ بوعمامة؟ 

 أطول مقاومة ضد الاستعمار الفرنسي

تعد ثورة الشيخ بوعمامة أطول الثورات المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي منذ دخوله البلاد سنة 1830، إذ دامت هذه الثورة منذ أبريل (نيسان) 1881 إلى 1908، أي حوالي رُبع قرن، وذلك في منطقة الجنوب الوهراني في المنطقة الغربية للجزائر، لينتقل شيئًا فشيئًا نحو الصحراء بعد سنة 1881، وينحدر الشيخ بوعمامة من أسرة ذات شأن عالٍ في تلك المنطقة، وقد كان جدّه أحد كبار رجال الصوفية في عصره، كما كان ذا مال ونفوذ كبيرين، وصل صداهما إلى القصر الملكي المغربي عند مولاي رشيد، سلطان المغرب.

انتقل الشيخ بوعمامة إلى الجزائر، وبدأ حملة الحشد والدعوة إلى اتباع منهجه الديني والسياسي، ليصبح شيئًا فشيئًا أحد القيادات التي تحظى بسلطة لدى القبائل المستقرة في الغرب الجزائري، وإضافة إلى مراسلات الشيخ للقبائل والعروش المستقرة بشكل رئيسي في منطقة الغرب الجزائري للانضمام إليه، فإنه اعتمد أيضًا على الطرقية الصوفية لنشر دعوته وتوسيع نفوذه في المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك فقد اعتمد انتشاره في تلك الفترة التاريخية على المكانة الدينية والسياسية كأغلب القادة والزعماء المحليين في تلك المرحلة التاريخية؛ من خلال التركيز على رمزيته الدينية الروحانية باعتباره زعيمًا خارقًا للطبيعة في نظر الجماهير، له كرامات ومعجزات تدفع أنصاره إلى الإيمان بقواه الخفية والانصياع إليه وطاعته؛ وهي نفس الميزات التي طبعت الدعوة المهدية في السودان مثلًا (1881-1899)، والتي جابه من خلالها المهدي الاستعمار البريطاني بتجنيد المجتمع السوداني وحشده خلف قيادة شخص محمد أحمد المهدي الذي قال إنه المهدي المنتظر، وحضّ أنصاره على الجهاد والتضحية ضد الغُزاة الإنجليز؛ ويُلاحظ أن كلا الثورتيْن (ثورة المهدي في السودان وثورة الشيخ بوعمامة) انطلقتا في ذات السنة. 

ويشير عبد الحميد زوزو في كتابه «ثورة بوعمامة» إلى أن تقارير عسكرية فرنسية أشارت إلى شعبية بوعمامة الطاغية في أوساط القبائل الصحراوية، بالخصوص قبائل رزينة وحميان وترافي، كما كانت العديد من القبائل تُرسل إليه بالهدايا التي تُسمى «الزيارة»، وهي الودائع الدينية التي تُقدم عادة للزوايا والأولياء الصالحين؛ في مقابل وعود كان يُطلقها الشيخ بـ«التحرير من الاستعمار».

وكان بوعمامة في رسائله إلى هذه القبائل وتنقلاته بينها يدعو للخروج على سلطة فرنسا، كما يركّز على اقتراب «فرحة المسلمين» والاستعداد لهذا الموعد من خلال تجميع السلاح والبارود والذخيرة من أجل الحرب، حسب الوثائق الحربية الفرنسية، وحول قدرته على التأثير وأساليبه الصوفية، تقول التقارير الفرنسية عن بوعمامة بأن زوّاره «كانون يروحون عقلاء ويعودون مجانين» بسبب سطوته والغرائب المدهشة التي كانوا يرونها عنده، وهي المعروفة في الأوساط الصوفية بالكرامات والمكاشفات؛ مما صنع عنه هالة من الغموض والتقديس لدى أتباعه.

معركة مولاق.. أكبر مواجهة بين الشيخ الصوفي والاستعمار

أما شرارة الثورة المسلحة ضد فرنسا فقد انطلقت بعد مقتل ضابط فرنسي برتبة ملازم أول وأربعة من حراسه أثناء محاولة اعتقاله للطيب الجرماني، أحد المقربين من بوعمامة في أبريل (نيسان) 1881، وهو ما استدعى حشد القبائل المتحالفة مع بوعمامة، وقد كانت الموقعة الحاسمة بين بوعمامة والجيش الفرنسي تُعرف بموقعة «مولاق»، وذلك في 19 مايو (أيار) 1881 بالقرب من قصر الشلالة في جبال القصور؛ وقد اختلفت الاحصائيات حول أعداد القتلى والجرحى بين الطرفين، لكنها بلا شك كانت أهم معركة قتالية بين جيش بوعمامة والاحتلال الفرنسي، ثم تلتها رحلة من منطقة الصحراء إلى التلّ من أجل حشد القبائل للانضمام إلى ثورته وقطع خطوط التلغراف على الاستعمار الفرنسي. وتتّسم هذه المقاومة بالذات بشحّ المصادر حولها، بالخصوص باللغة العربية، رغم طولها الزمني الذي يبلغ ربع قرن تقريبًا.

 فرسان جزائريون 

ويذكر أبو القاسم سعد الله في كتابه «الحركة الوطنية الجزائرية» إن بعض الكتّاب قد اعتبروا الشيخ بوعمامة أنّه «عبد القادر الثاني» في إشارة إلى الأمير عبد القادر الذي قاد المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي بين سنتي (1832-1847)، بينما جادل البعض بأنه لا يحظى بنفس أهمية عبد القادر، إلا أنه تمتّع بسمعة عظيمة بين الجزائريين. 

وأشار إلى أنه نجح خلال ثورته في قتل القائد الفرنسي وينبرينر، وأن الصحافة الفرنسية قد قالت عنه: «إنه لم يحدث قبل بوعمامة أن زعيمًا ثائرًا يستولي على 300 أسير فرنسي وألف غرارة من الشعير والقمح وغيرها من الغنائم». 

وحول أسباب فشل مقاومة بوعمامة في صدّ الفرنسيين، يضيف سعد الله بأن الفرنسيين استطاعوا هزيمة بوعمامة بطريقتيْن: الأولى هي محاصرته في الأماكن البعيدة عن السكان ومنع تسرّب أخبار الثورة إلى الأهالي، أما الثانية فتفوّقهم في السلاح، خصوصًا المدفعية التي كانت تقلب الموازين الحربية في ذلك العصر، وتصميمهم على السيطرة على الصحراء.

ويضيف سعد الله بأن عامل القوة الذي كان لدى بوعمامة من قبل هو لجوؤه إلى الحدود المغربية عند الحاجة، لكن ذلك الوضع تغيّر بعد ازدياد النفوذ الفرنسي في المغرب والتنافس الأوروبي خلال ما عُرف بـ«أزمة المغرب أولى» حين تنافست كل من فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإسبانيا على الوضع الاستعماري للمغرب.

وحول هذه النوعية من المقاومات التي كانت تُقاد من طرف شخصيات تكتسب السلطة السياسية والدينية، يذكر سعد الله في ذات الكتاب إنها فشلت في تحقيق هدف طرد الفرنسيين من الجزائر، ولكنها مثّلت روح المقاومة المستمرة عند الجزائريين منذ الاحتلال، وكلها كانت تفتقد إلى النظام والحركة المنسقة، وكانت تعتمد على زعامة فردية، وفي جميعها كان الفلاحون الوطنيون هم الجيش الطائع للـ«مرابط» (الزعيم الديني). فقد كان الفلاحون يكافحون من أجل الوطن والإسلام وأرضهم المغتصبة وشرفهم المهان، ولكنهم كانوا ضحايا الخرافات والجهل والانقياد الأعمى إلى الجمعية الدينية عمومًا، وإلى المرابط خصوصًا، بحسب وجهة نظر سعد الله.

بقي الشيخ بوعمامة ينشط ضد الاستعمار الفرنسي وتفرّغ في آخر حياته لإلقاء الدروس الدينية والمواعظ إلى وفاته في أكتوبر (تشرين الأول) 1908، وقد كانت وفاته في مدينة العيون الواقعة قرب وجدة في المغرب، وتوضّح سيرة مقاومة الشيخ بوعمامة، زاوية غائبة عن النقاش في المنطقة المغاربية، وهي التداخل التاريخي والاجتماعي بين شعوب هذه المنطقة، بالخصوص بين المغرب والجزائر، إذ لعب شعب كلا البلدين دورًا محوريًا في تاريخ البلد الآخر، لا سيما المناطق الحدودية التي كانت تعرف تنقّلاً حرًا للأفراد بالإضافة إلى العديد من القبائل والأعراش والعلاقات العائلية الممتدّة بين الجانبيْن.

الشيخ بوعمامة باعتباره رمزًا ثوريًا في الجزائر، والذي وُلد وتوفي في المغرب، يجسّد فصلاً مغيّبًا من فصول العلاقة التاريخية المتشعبة والمتجذّرة بين البلديْن، والتي قد غطّت عليها إلى حد كبير القطيعة السياسية المتواصلة بين الحكومتيْن منذ أكثر من ربع قرن.

تاريخ

منذ 9 شهور
الإمام شامل.. شبيه «عبد القادر الجزائري» في داغستان الذي كدّر الروس

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد