ربما لا يعلو صوت الآن في جميع أنحاء العالم على صوت لقاحات كورونا وما يتعلق بها من آمال وتطلعات من جهة، ومخاوف ومشكلات من جهة أخرى. في الوطن العربي، بدأت تنتشر عملية التلقيح بشكل جدي في بعض الدول، وسط جدالات ونقاشات حول الأنواع الأفضل والآثار الجانبية لكل نوع من أنواع اللقاحات.

وزادت تلك الأخبار المرتبطة بالآثار الجانبية للقاح «أسترازينيكا» المرتبطة بحدوث الجلطات، من النقاش حول مدى الأمان المرتبط باللقاحات بشكل عام، وربما زادت من مخاوف البعض من التسرع والحصول على اللقاح دون انتظار ما ستظهره لنا الأيام حول الآثار الجانبية. في مصر على سبيل المثال، عكست وسائل التواصل الاجتماعي تلك المخاوف، وحاول البعض ممن تلقوا اللقاح تهدئة هذه المخاوف عبر نشر قصتهم.

ورغم أن عملية التطعيم مرت بسلاسة، فإن هؤلاء لم ينفوا بالفعل ظهور آثار جانبية عليهم، والتي يرون أنها طبيعية كونها مرتبطة بتنشيط جهاز المناعة في مواجهة فيروس كورونا، وبينما لا يستطيع الأطباء التنبؤ بالضبط بكيفية استجابة شخص ما للقاح فيروس كورونا، فقد حددوا بعض الأنماط بناءً على عمر الشخص وجنسه، وحالته الصحية والجرعة التي يتلقاها.

لذلك، نقدم في هذا التقرير معلومات عن تلك الآثار الجانبية، ليس فقط المرتبطة بكل نوع من أنواع اللقاحات المتوفرة (الصيني والبريطاني والأمريكي والروسي)، ولكن نقدم خريطة للاختلافات المتوقعة في الآثار الجانبية طبقًا للسن والجنس وغيرها من العوامل.

الآثار الجانبية الأكثر شيوعًا

التأثير الجانبي الأكثر شيوعًا لجميع اللقاحات المصرح بها هو الألم أو التورم في موقع الحقن. على سبيل المثال، فإن ما يقرب من 92% من المشاركين في التجربة السريرية للقاح «موديرنا» طوروا هذا التأثير الجانبي. أما في تجربة لقاح «فايزر»، أفاد 84% من المشاركين بظهور هذا الألم والتورم، وفي تجربة لقاح «جونسون آند جونسون»، فقد أفاد 49% بذلك.

تشمل الآثار الجانبية الشائعة الأخرى التعب والصداع، وآلام الجسم أو العضلات. أصيب حوالي 65% من متلقي اللقاحات في تجارب «فايزر» و«موديرنا»، و38% من متلقي لقاح «جونسون آند جونسون»، بالإرهاق.

الجرعة الثانية هي الأشد

بغض النظر عن نوع اللقاح، فإنها تشترك (عدا لقاح «جونسون آند جونسون») في وجود جرعتين يفصل بينهما قرابة أسبوعين. بشكل عام، يشعر الشخص العادي عادةً بمزيد من التدهور ومزيد من الأعراض الجانبية بعد الجرعة الثانية مقارنةً بالأعراض الجانبية للجرعة الأولى. بالنسبة للجرعة الأولى، ربما لا يلاحظ الشخص أي أعراض على الإطلاق.

وبالنسبة لأولئك الذين لم يصابوا بفيروس كورونا من قبل، تميل الآثار الجانبية إلى أن تكون أكثر عددًا وشدة بعد الجرعة الثانية. أصيب ما يقرب من ضعف عدد المشاركين في تجربة «فايزر» بقشعريرة وألم في المفاصل بعد الجرعة الثانية مقارنةً بالجرعة الأولى، وفي تجربة لقاح «موديرنا»، أصيب حوالي خمسة أضعاف عدد المشاركين بقشعريرة بعد الجرعة الثانية مقارنةً بالمشاركين بالجرعة الأولى. كانت الحمى أيضًا أكثر شيوعًا بين متلقي الجرعة الثانية من متلقي الجرعة الأولى في كلتا التجربتين.

الأعراض أشد في الجرعة الأولى للمصابين بكورونا

قد يعاني الأشخاص الذين أصيبوا بكورونا من المزيد من الآثار الجانبية بعد الجرعة الأولى. وجدت دراسة أمريكية أن الآثار الجانبية للقاحات مثل التعب والصداع والقشعريرة كانت أكثر شيوعًا بين الأشخاص الذين لديهم مناعة موجودة مسبقًا ضد فيروس كورونا، أكثر من الأشخاص الذين لم يصابوا من قبل. حوالي 73% من متلقي اللقاح الذين أصيبوا سابقًا بفيروس كوفيد-19 طوروا آثارًا جانبية بعد الجرعة الأولى للقاحات «فايزر» و«موديرنا»، مقارنة بـ66% من متلقي اللقاح الذين لم يصابوا بالعدوى من قبل.

السبب في ذلك هو أنك إذا كنت قد أصبت بالفعل بعدوى كورونا، فقد طور جهاز المناعة لديك ذاكرة من تلك العدوى. وبالتالي إذا تعرضت للعدوى مرة أخرى في أي وقت، فسيكون جسمك قادرًا بشكل أساسي على الاستجابة بسرعة وبقوة أكبر في المرة الثانية، من هنا ستبدو الجرعة الأولى للقاح بمثابة الجرعة الثانية لمن أصيب مسبقًا بكورونا، وتكون الأعراض أشد.

الأصغر سنًّا يشعرون بأعراض أشد من كبار السن

تتدهور أجهزتنا المناعية تدريجيًا مع تقدمنا ​​في العمر، مما يعني أن أجسام كبار السن لا تعمل بكفاءة كاملة للدفاع عنها ضد الميكروبات، بما في ذلك اللقاحات المختلفة. في المقابل، فإن الأفراد الأصغر سنًّا لديهم استجابة مناعية أقوى بكثير، لذا من المنطقي أن يكون لديهم أيضًا المزيد من الآثار الجانبية.

بعد جرعة واحدة من لقاح «موديرنا»، على سبيل المثال، أصيب 57% من الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 65 عامًا بآثار جانبية، مقارنة بـ48% ممن تزيد أعمارهم على 65 عامًا، وبعد الجرعة الثانية، أصيب ما يقرب من 82% من الأشخاص في المجموعة الأصغر سنًّا بآثار جانبية، مقارنة بحوالي 72% من كبار السن.

في لقاح «جونسون آند جونسون» ذي الجرعة الواحدة، أصيب ما يقرب من 62% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و59 عامًا بآثار جانبية، مقارنة بـ45% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 60 عامًا وما فوق.

الأعراض الجانبية في النساء أكبر من الرجال

في الولايات المتحدة، حللت مراكز السيطرة على الأمراض ردود فعل الأمريكيين على ما يقرب من 14 مليون جرعة من جرعات اللقاحات المستخدمة هناك، وتحديدًا لقاح «فايزر» و«موديرنا». أظهرت النتائج أن ما يقرب من 79% من حالات الآثار الجانبية للقاح التي أبلغ عنها المتلقون جاءت من النساء، على الرغم من أن 61% فقط من الجرعات أعطيت للنساء بشكل عام.

يوضح الأطباء هنا أن النساء يملن إلى التفاعل بقوة أكبر مع لقاحات شلل الأطفال والإنفلونزا والحصبة والنكاف أيضًا. وبالتالي، هناك ميل عند النساء لظهور الآثار الجانبية لكل هذه اللقاحات عليهن بصورة أكبر. كذلك، تظهر النتائج أن الآثار الجانبية تكون أكثر وضوحًا بالنسبة للنساء في فترة ما قبل انقطاع الطمث، مقارنة بالنساء بعد انقطاع الطمث.

يعتقد العلماء أن هذا الاختلاف يتعلق بمستويات هرمون الإستروجين، فالهرمون الذكري (التستوستيرون) يميل إلى أن يكون هرمونًا مثبطًا للمناعة، بينما يميل هرمون الإستروجين إلى أن يكون منبهًا للمناعة.

المصابون بحالات طبية عالية الخطورة أعراضهم أقل

لا يبني الأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة دفاعًا قويًّا ضد الالتهابات الفيروسية بشكل عام، لذلك فهم معرضون بشكل خاص للإصابة الشديدة بفيروس كورونا. لهذا السبب، يوصي الأطباء بشكل عام بتلقيح هذه المجموعات على الفور.

نقصد بهذه المجموعات أولئك الأشخاص الذين يعانون من نقص المناعة بشكل عام مثل كبار السن، أو مرضى السرطان وغيرها من الأمراض الخطيرة. هؤلاء من المحتمل ألا يظهروا استجابة مناعية قوية للقاح أيضًا. واستجابتك المناعية هذه هي التي تحدد بشكل أساسي الآثار الجانبية التي قد تظهر عليك. لذلك إذا كنت تعاني من نقص المناعة، فربما لا تعاني بالضرورة من العديد من الآثار الجانبية، ولكن لا يزال يتعين عليك تلقي التطعيم. من هنا، يجب أن توفر اللقاحات للأشخاص الذين يعانون من نقص المناعة بعض الحماية على الأقل من الإصابات الشديدة بفيروس كورونا، حتى لو لم يشعروا بأي آثار جانبية.

الاختلافات في الآثار الجانبية بين اللقاحات

كما ذكرنا سابقًا، هناك آثار جانبية تشترك فيها غالبية اللقاحات، مثل الألم في مكان الحقن، والشعور بالإرهاق، والصداع، وألم العضلات، والرعشة، والحمى، والإحساس بالغثيان. عادة ما تكون تفاعلات اللقاح الطبيعية هذه خفيفة وتهدأ بعد بضعة أيام.

بشكل عام علينا أن نعرف أن بعض اللقاحات الجديدة تختلف عن اللقاحات المألوفة لدينا مثل لقاحات شلل الأطفال والحصبة. نحن لا نتحدث عن الطريقة التقليدية المعمول بها في إنتاج اللقاح عبر حقن فيروسات ضعيفة أو ميتة، لكن هناك لقاحات تسمى لقاحات «mRNA»، التي تحتوي فقط على أجزاء من العوامل الممرضة للفيروس فقط وليس الفيروس بالكامل.

كذلك، هناك نوع آخر جديد من اللقاحات الذي يسمى «لقاح النواقل»، والذي يستخدم فيه فيروسات غير ضارة (مثل فيروسات البرد التي تؤثر فقط في الشمبانزي وليس الإنسان) كناقلات لإدخال البروتين السطحي الذي يحتوي على الجزء الممرض لفيروس كورونا (بروتين سبايك)، وبالتالي تحدث عملية تحفيز الاستجابة المناعية.

بالنسبة للقاح «سينوفارم» الصيني فهو من تلك اللقاحات التقليدية. بينما لقاحات «فايزر» و«موديرنا» هي من لقاحات «mRNA». وأخيرًا، لقاحات «جونسون آند جونسون» و«أسترازينيكا» و«سبوتنيك» الروسي هم من بين لقاحات النواقل. من هنا، نتوقع وجود بعض الاختلافات في الآثار الجانبية لهذه اللقاحات، نستعرض أبرزها:

لقاح «فايزر»

أصيب عدد قليل من المرضى برد فعل تحسسي شديد بعد عملية الحقن مباشرة، شملت إحمرارًا شديدًا بالجلد وضيق التنفس. حدثت 33 حالة وفاة في النرويج بعد أيام قليلة من الجرعة الأولى، جميعهم تجاوزوا 75 عامًا، وكانوا يعانون من أمراض كامنة شديدة. لا يزال المصنعون يحققون في الأسباب والرابط لكن دون دليل واضح حتى الآن.

لقاح «موديرنا»

ردود الفعل التحسسية الشديدة للقاح «موديرنا» نادرة، وفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها. إذ أصيب 10 أشخاص بصدمة حساسية شديدة من بين 4 ملايين جرعة أعطيت. عانى عدد قليل جدًّا من الأشخاص الذين تلقوا اللقاح من شلل العصب الوجهي. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه التفاعلات مرتبطة بالفعل بالمكون الأساسي للقاح.

لقاح «أسترازينيكا»

تسبب هذا اللقاح في ضجة كبيرة بسبب حدوث جلطات بعد تناوله. لكن بعد دراسات ومتابعة أعطت منظمة الصحة العالمية وهيئات الدواء الأوروبية تطمينات بعدم وجود ارتباط واضح بين اللقاح وهذه الآثار الجانبية، ليستأنف العمل به في أوروبا بعدما توقفت بعض الدول عن استخدامه مؤقتًا. بقية الأعراض تتشابه كثيرًا مع لقاح «موديرنا» و«فايزر».

لقاح «سبوتنيك» الروسي

منح هذا اللقاح موافقة دون انتظار تجارب المرحلة الثالثة. لذلك، كانت هناك تحفظات كبيرة في جميع أنحاء العالم حول اللقاح الذي طوره مركز أبحاث في موسكو. كما أعرب العلماء الذين راجعوا الدراسة عن قلقهم بشأن التلاعب المحتمل بالبيانات.

وفقًا لوزارة الصحة الروسية والأرجنتينية، سجلت في روسيا والأرجنتين تفاعلات التطعيم المعتادة فقط، مثل الصداع أو الحمى، حتى الآن. ولا توجد تقارير عن آثار جانبية خطيرة. لكن لا تزال التحفظات عليه مرتفعة، حتى بين الأطباء في روسيا.

لقاح «سينوفارم» الصيني

المدهش أن لقاح «سينوفارم» الصيني له آثار جانبية أقل من لقاحات «mRNA». وتظهر على المتلقين الآثار المعتادة للقاحات لكن بدرجة أقل حتى الآن، مع عدم وجود آثار جانبية أكثر خطورة أو تميزًا.

لقاح «جونسون آند جونسون»

تظهر النتائج حتى الآن أن لقاح «جونسون آند جونسون» هو اللقاح الأقل فيما يتعلق بظهور الآثار الجانبية. في جميع النواحي والأعراض، فإن هذا اللقاح ذي الجرعة الواحدة له آثار جانبية أكثر اعتدالًا، وأقل من الآثار الجانبية للقاحات الأخرى. يعتقد بعض الخبراء أن هذا سببه هو الجرعة الواحدة.

لكن يبدو أن لقاح «جونسون آند جونسون» في المقابل، هو أقل فعالية بشكل عام. إذ تشير التجارب السريرية إلى أن اللقاح فعال بنسبة 66%، بينما تصل فعالية لقاحي «فايزر» و«موديرنا» مثلًا إلى نسبة 90%.

صحة

منذ شهرين
كيف ترفع قدرة جسمك على الاستجابة للقاح كورونا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد