اكتشف البشر مدى أهمية حاسة الشم في الفترة الأخيرة؛ خاصة مع تفشي جائحة كورونا التي كانت تسلب المصاب بها حاسة الشم والتذوق. لكن العلماء كانوا مهتمين في عصر ما قبل كورونا، باستكشاف أهمية تلك الحاسة والدور الذي تلعبه في حياة الإنسان؛ ليس فقط فيما يخص الأمور الجسدية، بل فيما يخص علاقاته العاطفية والتأثيرات النفسية للروائح المختلفة في البشر!

من خلال العديد من الدراسات التي نشرت سابقًا والتي تربط بين حاسة الشم واختيارنا شريك حياتنا، أو الدور الذي تؤديه حاسة الشم في توطيد علاقتنا بأبنائنا، والسؤال هنا؛ لماذا تعد حاسة الشم مهمة إلى هذه الدرجة؟

ما سنناقشه في هذا التقرير هو دراسة حديثة تلقي الضوء على أهمية حاسة الشم في الجوانب النفسية والاجتماعية، والتي وصفها العلماء في الدراسة بأنها «أهم مما كنا نتخيل».

حاسة الشم لا تتدخل في اختيار شريك حياتك فقط

في أذهان البعض أن حاسة الشم تلعب دورًا مهمًّا في اختيار شريك حياتنا، وكلما كانت رائحة الفرد زكية، كان جذابًا، ولكن ما اكتشفه العلم حديثًا عن الدور الذي تلعبه حاسة الشم في تكوين علاقتنا بالآخرين؛ أكثر عمقًا من ذلك، فالأمر متعلق بتشابه الرائحة؛ وليس فقط بكونها رائحة جيدة أو سيئة؛ فما معنى ذلك؟

في دراسة حديثة نشرت تحت عنوان «Scent of a friend: Similarities in body odor may contribute to social bonding» أو «رائحة الصديق: أوجه التشابه في رائحة الجسم قد تساهم في الترابط الاجتماعي»؛ وجد الباحثون أن الإنسان يميل إلى تكوين صداقات مع أفراد لديهم رائحة الجسم نفسها، كما تمكن – الباحثون- من توقع جودة التفاعلات الاجتماعية بين الغرباء من خلال شمهم بجهاز ذكاء اصطناعي يطلق عليه «eNose».

بمعنى أن تلك التجربة كان لديها القدرة بتوقع مدى تقارب شخصين في المستقبل لم يتقابلا في حياتهما من قبل، من خلال شمهم بهذا الجهاز وتحليل مدى تقارب رائحتهما بعضهما من بعض.

فما هو جهاز «eNose»؟

مصطلح eNose  معناه «الأنف الإلكتروني»، وهو جهاز استشعار إلكتروني الهدف من اختراعه هو الكشف عن الروائح والنكهات لاستخدامها في الذكاء الاصطناعي، ومصطلح «الاستشعار الإلكتروني»  يشير إلى قدرة تلك الأنف على محاكاة حواس البشر ليكون لها القدرة على توقع رد فعل الإنسان عند شم الروائح.

ومنذ عام 1982  والعلماء يطوِّرون أجهزة للوصول إلى أفضل شكل لهذه التقنية، وقد نشرت أول دراسة شرعت في هذا الأمر في هذا العام -1982- تحت عنوان «Analysis of discrimination mechanisms in the mammalian olfactory system using a model nose» أو «تحليل آليات التمييز في النظام الشمي للثدييات باستخدام نموذج الأنف».

يعتمد هذا الجهاز بشكل أساسي  على أنظمة تعرف باسم «pattern recognition – التعرف إلى الأنماط»؛ وهو طريقة لتحليل البيانات من خلال استخدام خوارزميات التعلم الآلي؛ وهذا بغرض التعرف تلقائيًّا إلى الأنماط الموجودة في البيانات، ويندرج تحت بند تلك البيانات؛ النصوص المكتوبة والصور والأصوات وغيرها من الصفات المحددة.

على سبيل المثال؛ عندما تشتري هاتفًا جديدًا ويطلب منك أن تضبط خصائص الأمان في هاتفك من خلال قفل الهاتف وفتحة ببصمة الأصابع أو صورة وجهك أو صوتك؛ عندما تدخل تلك المعلومات للمرة الأولى للجهاز يخزنها، وفي كل مرة تفتح هاتفك بتلك البصمة؛ يستخدم جهازك الذكي خاصية التعرف إلى الأنماط؛ إذا وجد أن البصمة مماثلة يفتح الهاتف، وإذا وجد اختلافًا يرفض الفتح؛ ولذلك هي خاصية دقيقة للغاية من الصعب أن تخطئ.

«ليس الرائحة الزكية.. بل الرائحة الشبيهة»

تلك هي الخاصية المستخدمة في جهاز «eNose» الذي اعتمدت عليه الدراسة؛ فلو كان هناك شخصان غرباء مشتركين في هذه الدراسة، سيكون دور الأنف الإلكتروني شم الشخص الأول وتخزين بيانات رائحته كاملة؛ ثم شم الشخص الثاني ومقارنة البيانات وبدلًا من الرفض أو القبول على تطابق الرائحة؛ يعطي الأنف الإلكتروني مدى تقارب الرائحتين بعضهما من بعض.

وما لاحظه العلماء في الدراسة؛ أنه كلما رصد الأنف الإلكتروني تشابهًا أكبر بين الأشخاص؛ كانت فرصة تقاربهم على أرض الواقع أفضل؛ ليس بهدف العلاقات العاطفية؛ بل لمجرد التفاعل الاجتماعي وتكوين الصداقات، إذن ليس بالضرورة أن تكون «الرائحة الزكية» هي الأكثر جذبًا لنا في الطرف الآخر أيًّا كانت العلاقة؛ بل «الرائحة المشابهة».

علميًّا؛ من المعروف أن جميع الثدييات الأرضية باستثناء البشر؛ تستخدم حاسة الشم في التفاعلات الاجتماعية، وإذا كنت من محبي الحيوانات الأليفة واقتنيت كلبًا من قبل، أو حتى راقبت تصرفات الكلاب في الطرقات، ستجد أنه عند لقاء كلبين لأول مرة يشم كل كلب الآخر بعناية وبشكل معلن، قبل أن يقررا اللعب سويًّا أو الاختلاط، أو حتى الشجار بناءً على تلك الرائحة. وكان البشر حتى وقت قريب بعدون استثناء هذه القاعدة؛ حتى ألقت هذه الدراسة الحديثة الضوء على أن الإنسان قد يكون يمارس هذا التعارف بحاسة الشم ولكن بطريقة غير معلنة، وربما حتى دون وعي.

في هذا الإطار ألقت تلك الدراسة الضوء على ثلاث نقاط؛ الأولى هي أن هناك دلائل على أن البشر يشمون أنفسهم باستمرار سواء بوعي أو كأحد التصرفات اللاشعورية، والنقطة الثانية هي أن البشر كما يشمون أنفسهم لا شعوريًّا؛ فهم يفعلون المثل مع الآخرين، بالإضافة إلى ذلك من المعروف أن الأشخاص يميلون إلى أن يجمعهم بأصدقائهم ودائرتهم الاجتماعية؛ خلفيات وقيم متشابهة.

والنظرية التي طُرحت في هذه الدراسة أن الإنسان يشم رائحة الطرف الآخر في المقابلة الأولى، ويعمل المخ تلقائيًّا، بعملية التعرف إلى الأنماط نفسها، وكلما كانت رائحة الشخص مشابهة لرائحته؛ سيكون هذا الشخص مقبولًا في دائرته الاجتماعية.

ما التجربة التي أجرتها الدراسة؟

في هذه الدراسة أجرى الباحثون تجربة بمشاركة أزواج من الأصدقاء المقربين من الجنس نفسه، وجُمعت عينات لرائحة أجسادهم وتمرير تلك الروائح على جهاز «eNose» لرصد نسب التشابه بين روائح الأصدقاء المقربين، كما جمع فريق البحث عينات من أشخاص عشوائين ومقارنة نسب التشابهات العامة بين روائح أجساد البشر بالجهاز نفسه؛ ليكتشف فريق البحث أن نسب التشابه في بين أجساد الأصدقاء المقربين؛ تتشابه بشكل ملحوظ نسبيًّا عن التشابهات الموجودة في روائح الأشخاص العشوائيين المشاركين في التجربة.

تلك النتائج لم تكن كافية؛ لأنه كان على الباحثين استبعاد احتمالية أن الأصدقاء المقربين رائحتهم متشابهة نتيجة وليس سببًا، بمعنى أن يكون هؤلاء الأصدقاء لهم عادات غذائية متشابهة لوجودهم فترات طويلة معًا؛ ما يجعل رائحة أجسادهم تتشابه، وبذلك من الصعب الجزم بأن رائحتهم كانت متماثلة قبل أن تبدأ صداقتهم. ولهذا السبب جاء الجزء الثاني من الدراسة.

قرر فريق البحث جمع عينات من روائح مجموعة الأشخاص الغرباء بعضهم عن بعض تمامًا، وجمعوا بين هؤلاء الأشخاص المشاركين في التجربة في غرفة واحدة ليقوموا بنشاطات لا تتضمن الحديث أو تبادل الحوارات، ثم سُئل كل مشارك عن أكثر شخص شعر أنه يريد أن يشاركه تلك النشاطات العادية والتي تتخلل حياة الأصدقاء مثل اللعب أو تناول الطعام.

على الجانب الآخر كان جهاز «eNose» يؤدي دوره في رصد التماثل بين روائحهم، وبمقارنة نتائج الجهاز وإجابات المشاركين؛ وصلت نسبة التطابق إلى 71%، وأكدت تلك الدراسة أنها بناءً على تلك النتائج يمكن لهذا الجهاز من خلال الاستشعار الإلكتروني أن يتنبأ بدقة 71% باحتمالية توافق أشخاص غرباء ليصبحوا أصدقاء.

بعيدًا عن هذا الكشف العلمي والذي قد يساعد في بعض المشكلات الاجتماعية، فما الذي يعنيه هذا عن طبيعة استخدام حاسة الشم لدى البشر لتحديد دوائرهم الاجتماعية؟

في سياق نظرية التطور؛ هناك مناطق في جسم الإنسان يطلق عليها «بقايا التطور»؛ ويعد ضرس العقل والشعور بالقشعريرة من السمات التي تندرج تحت هذا التصنيف، والسؤال هنا؛ بما أن الدراسات التي أجريت على الحيوانات وخاصة الثدييات أكدت أن حاسة الشم  تؤدي دورًا رئيسًا في التعرف والتزاوج في عوالمهم؛ فهل – وفقًا لنظرية التطور- ممكن أن يكون هذا التحليل اللاشعوي الذي رصدته الدراسة في استخدام حاسة الشم في الإطار الاجتماعي؛ عنصرًا جديدًا ينضم لقائمة ما يعرف بـ«بقايا التطور»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد