يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة، هتافات شعبٍ، لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين، وخوف الطغاة من الأغنيات».

والارتباط بين الموسيقى والمقاومة في فلسطين له تاريخ طويل، يمتد من أغاني المقاومة قبل نكبة 1948 مثل «سجن عكا»، إلى موسيقى الهيب هوب الحديثة، مثل أغاني شب جديد وضبور.

فعلى مدار تاريخه الطويل تحت وطأة الاحتلال، لم يعدم الشعب الفلسطيني وسائل المقاومة، وكانت الأغنية أحد هذه الأسلحة التي لم يستطيع المحتل أن يمنعه عنها.

«طل سلاحي من جراحي، يا ثورتنا طل سلاحي»، «أنا صامد صامد، أنا صامد»، «الشعب الفلسطيني ثورة على الصهيونية، خدي يا ثورة وأعطيني، خدي دمي، وهاتِ انتصار»، «طالعلك ياعدوي طالع، من كل بيت وحارة وشارع، حربنا حرب الشوارع»، «أنا الأقصى يناديني، فتسمعه شراييني» وغيرها من أناشيد وأغاني المقاومة، التي يعرفها الفلسطينيون جيدًا، تغير شكلها لكن لم يتغير هدفها المقاوم، منذ أن كان يُغني للثورة الشعبية حتى الملثم صاحب الكوفية الذي أرعب تل أبيب.

في هذا التقرير نأخذك في جولة بين أروقة أغاني المقاومة الفلسطينية، التي أبدعها شعب مناضل، أذهل العالم.

الأغاني والمقاومة.. أغاني ما بعد عام 1967

عندما احتلت إسرائيل بقية فلسطين بعد حرب يونيو (حزيران) 1967، ظهر نوع من أغاني المقاومة للاحتلال، وعُرفت باسم الأغاني الملتزمة، ومن أهم الأسماء التي ارتبطت بفترة بداية السبعينيات مصطفى الكرد، وفرقة البراعم، يقول الكرد في أغنية «أعود منتصبًا»: «أعود أعود منتصبًا، أزمجر تحت سكينه، ويذبحني، ويفرمني، وثانيةً، أعود أعود منتصبًا».

ومصطفى الكرد موسيقي ولد في القدس عام 1945، وبعد احتلال 1967 خلق نوعًا جديدًا من الموسيقى الفلسطينية، وشارك في فرقة البلالين المسرحية في السبعينيات. أغاني الكرد السياسية كانت مستوحاة من البلدة القديمة في القدس، ومن تفاريد العود العربي الكلاسيكي، والأناشيد والإيقاعات الصوفية، وأيضًا نفذ الأغاني البزنطية، وموسيقى الأورجن الأوروبية والفلكور الفلسطيني.

مصطفى الكرد – مصدر الصورة مواقع التواصل الاجتماعي

بعد إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، دعمت المنظمة ماديًّا مجموعتها الرسمية الخاصة وهي فرقة «العاشقين» التي بدأت في الشتات الفلسطيني بدمشق، في مخيم اليرموك عام 1977، وأخذت تؤرخ الرواية الفلسطينية الفدائية، وقدمت الفرقة الغناء بجانب الرقص التعبيري.

كتب معظم أغاني الفرقة الشاعر أحمد دحبور، وهو من كبار منظمي الشعر المقاوم، وُلد في حيفا، ولجأ مع النكبة إلى لبنان، ثم سوريا، واستقر في مخيم النيرب للاجئين 21 عامًا.

اشتهرت كثير من قصائد دحبور بعد غنائها، مثل «والله لأزرعك بالدار»، و«صبرا وشاتيلا»، بينما وضع ألحان فرقة «العاشقين» الملحن حسين نازك، الملحن الفلسطيني، الذي أسس فرقة زنوبيا القومية الحديثة عام 1985، ووضع الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام السينيمائية، شارك في تلحين النشيد الوطني الفلسطيني في عام 2005.

فرقة صابرين.. مقاومة على الطريقة الفلسطينية

في أوائل الثمانينيات، سطعت فرقة «صابرين» ومغنيتها الرئيسية كاميليا جبران والملحن سعيد مراد، إذ اشتهرت آنذاك أغاني «30 نجمة»، و«عن إنسان»، وكاميليا تحتضن عودها الشهير مغمضة العينين، تغني لفلسطين، والحرية. جدير بالذكر أن الشاعر حسين البرغوثي، كتب الأغاني للفرقة. 

قدمت «فرقة صابرين» وجهًا جديدًا لأغاني المقاومة الفلسطينية من خلال مزج مبتكر للموسيقى الشرقية مع موسيقى الروك آند رول، والجاز، والبوب. واستمرت الفرقة «بتحاول تفتح طاقة.. تكسر باب الحديد» حتى انفصلت عنهم كاميليا جبران في عام 2002، ثم ظهر موسيقيون أُخَر اكتسبوا شهرة واسعة مثل، ريم البنا، وأمل مرقس، وأبدعوا في غناء أغاني المقاومة.

«ثوري ثوري ثوري»

لم تخلق الانتفاضة الأولى التي بدأت عام 1987 وانتهت باتفاقية أوسلو عام  1993، في البداية أنواعًا جديدة من الموسيقى، فصنع الموسيقيون أغاني تجمع بين الفلكور، والكلمات الجديدة، التي تدعو الناس للانتفاضة ضد الاحتلال.

وفي عام 1991 أنشئ أول كونسرفتوار (المعهد العالي للموسيقى) في فلسطين، وفي عام 1993 افتُتح المعهد الوطني للموسيقى، وسُمى لاحقًا معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى.

لكن بالتزامن مع ظهور حركة حماس، بدأت الأناشيد الإسلامية في الظهور، وواكب الانتفاضة الأولى فوج من الأغاني الثورية، مثل «ثوري ثوري ثوري»، و«حنا نوينا»، و«مهرة حرة»، و«بالنار خرجت». وإبان الانتفاضة الثانية أطلقت فرقة «الوعد» الإسلامية المقربة من حركة حماس ألبومها الشهير «استشهادات» لدعم الانتفاضة وانطلق الألبوم في عام 2003، وضم الاستشهاديات 1،2،3 وتضمن أغاني انتشرت بشكل كبير، مثل «إنا قادمون»، و«شدوا الرحال»، و«صاروخ القسام»، بحسب ما ذكرت المنتديات الفلسطينية.

أغاني المقاومة على موسيقى الهيب هوب

«مين إرهابي، مين إرهابي، أنا إرهابي؟ كيف إرهابي وأنا عايش ببلادي»

في أوائل الألفينيات ظهر تأثر الموسيقيين الفلسطينيين بأنواع جديدة من الموسيقى، وخاصةً موسيقى الراب والهيب هوب. والأخيرة حركة ثقافية اكتسبت شعبية واسعة في الثمانينيات، والتسعينيات، أما الراب فهو نمط موسيقي يشتمل على خطاب إيقاعي، متناغم، والتي استوحوها من مغنيي الراب الأمريكيين. تأسست أول فرقة راب فلسطينية عام 1999، وأخذت اسم «دام»، وأبطال الفرقة ثلاثة شباب من مدينة اللد، يغنون عن الصراع العربي الإسرائيلي، وعن الحرية.

ومن فرق الراب الفلسطينية الشهيرة أيضًا فرقة «كتيبة 5»، التي تأسست بين أبناء المخيمات في بيروت، وأبطال الفرقة خمسة من أبناء مخيم برج البراجنة، وهم: أسلوب، شاهد عيان، عبد الجبار، مولوتوف، الجزار، ويغني أعضاء فرقة «كتيبة 5» عن المخيمات وعن الصواريخ التي تشرق من غزة.

ومن فرق الراب الفلسطينية الأخرى فرقة «شارع فلسطين»، التي بدأت في عام 2004، وأعضاؤها من مخيم الديشة للاجئين في بيت لحم، ومن أشهر مطربات الراب الفلسطينيات، شادية منصور المعروفة باسم أول سيدة تغني هيب هوب عربي، ولشادية أغنية شهيرة عن الكوفية الفلسطينية، رمز المقاومة.

شب جديد وضبور.. الراب الفلسطيني يقاوم التفاصيل اليومية

«وانا نازل عقلنديا ودعتني وانا نازل عالمعبر ودعتني»

قلنديا اسم حاجز إسرائيلي عسكري يقع قرب بلدة قلنديا جنوب رام الله في الضفة الغربية، والذي يضطر الفلسطيني الذي يحمل جواز سفر السلطة الفلسطينية عبوره، عندما يدخل إلى فلسطين المحتلة، وهذه الكلمات جزء من أغنية «كحل وعتمة» التي يغنيها مغني الراب الفلسطيني من كفر عقب في القدس الشرقية ويقيم في رام الله؛ شب جديد، والذي اشتهر بعد ألبومه الأول «سندباد الورد» الذي صدر عام 2019.

يغني شب جديد بالعامية الفلسطينية عن أمريكا، ويلعن فرص تعليمه الضائعة بسبب الاحتلال، ويغني عن الحاجز الذي يعرقل حياة الفلسطينيين، ويقول: «مرحب فيك في أولاد القدس، بندبر حالنا نحل اللغز».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
لماذا يدعم «الجيل Z» القضية الفلسطينية أكثر من غيره؟

جدير بالذكر أنه في الأيام الأخيرة ومع اندلاع الأحداث في حي الشيخ جراح ومحاولة تهجير سكانه الفلسطنيين منه قسريًّا، وإحلال مستوطنين محلهم، تعاون شب جديد مع مغنى راب آخر فلسطيني يدعى ضبور في أغنية بعنوان «إن أن»، فيما أصدر ضبور أغنية فردية عن أحداث الشيخ جراح الأخيرة.

ويمكن القول بأن ضبور وشب جديد وغيرهم من مغني الراب الفلسطيني، يعبرون بواسطة أغاني المقاومة الخاصة بهم عن جيل جديد، كف عن البكاء حتى يرى الأجانب أنه يعاني، لكنهم – وعلى حد تعبير شب جديد – يمتلكون أيضًا حياة يومية بجانب المعاناة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد