هل تصبح «الطفرات الفضائية» وسيلة الصين الناجعة لمواجهة أزمة الغذاء العالمية؟

في وقت يعاني منه العالم من نقص الغذاء، خصوصًا مع زيادة التحديات البيئية والمناخية، يسعى العلماء باستمرار إلى إنتاج سلالات من المحاصيل الزراعية تتميز بزيادة إنتاجيتها وقدرتها على مقاومة الظروف المناخية المتغيرة، بما يسمح بإطعام العدد المتزايد من البشر على سطح الكرة الأرضية.

أحدث التقنيات المستخدمة في هذا المجال، هو إنشاء نوع مختلف من البذور، ليس عبر التلاعب فيها جينيًّا في المختبرات، ولكن عبر إرسالها إلى رحلة قصيرة في الفضاء الخارجي، حيث الجاذبية المنخفضة. تبرز الصين في هذا المجال بوضوح، ويمكنك أن تشاهد سنابل القمح تتمايل على مساحات واسعة في شمال شرق الصين، لكنه ليس قمحًا عاديًّا، بل قمحًا جرى تطويره في الفضاء الخارجي.

فما هذه التقنية؟ وماذا يحدث خلالها بالضبط؟ وما أنواع المحاصيل الزراعية الموجودة؟

الطفرات الفضائية

يطلق على عملية تنمية أنواع أو سلالات جديدة من المحاصيل الزراعية على متن المركبات الفضائية والمحطات الفضائية أثناء دورانها حول الأرض اسم «الطفرات الفضائية». إذ تتعرض المحاصيل الأصلية (بذورها على وجه التحديد) إلى الجاذبية المنخفضة، كما تكون عرضة للقصف بالأشعة الكونية نتيجة وجود هذه المحاصيل خارج الغلاف المغناطيسي الذي يحمي الأرض من الأشعة الكونية.

على الأرض، نحن محميون من تلك الأشعة الكونية عالية الطاقة بواسطة المجال المغناطيسي للأرض وغلافها الجوي السميك، لكن في المدارات خارج الكوكب، تتعرض المركبات الفضائية والأقمار الصناعية باستمرار لهذا الإشعاع، والذي يأتي في الغالب من الشمس.

Embed from Getty Images

هذه الظروف تؤدي إلى عملية تحور في النباتات، أو لنقل تحور في الحمض النووي في النباتات لنكون أكثر دقة. في حين أن بعض هذه الطفرات تترك النباتات غير قادرة على النمو، يمكن أن يكون البعض الآخر من هذه الطفرات مفيدًا. بعض السلالات الجديدة المتكونة تصبح أكثر صلابة وقدرة على تحمل ظروف النمو الأكثر قسوة، في حين تتسبب طفرات أخرى في إنتاج نباتات ذات قدرة إنتاجية أكبر، أو أسرع في النمو، أو تتطلب كميات أقل من المياه.

عند إعادة هذه السلالات إلى الأرض، تخضع بذور هذه النباتات لفحص دقيق، ثم يجري زراعتها لإنشاء نسخ قابلة للحياة لهذه المحاصيل. في عالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الزراعة بسبب تغير المناخ وسلاسل التوريد المعرضة للخطر، والتي أكدت الحاجة إلى زراعة المحاصيل بالقرب من مكان تناولها، يعتقد بعض الباحثين الآن أن التكاثر في الفضاء أو الطفرات الفضائية، قد تساعدهم على تكييف المحاصيل مع هذه التحديات الجديدة.

ماذا يحدث للبذور في الفضاء؟

ترسل البذور في رحلات تستمر من أربعة أيام فقط إلى عدة أشهر. في هذه البيئة غير العادية، يمكن أن يحدث عدد من التغييرات للبذور والنباتات. أولًا، يمكن للإشعاع الشمسي والكوني عالي الطاقة أن يدمر المادة الوراثية في البذور نفسها، مما يؤدي إلى حدوث طفرات أو انحرافات في الحمض النووي تنتقل إلى الأجيال القادمة.

يمكن أن تؤدي بيئة الجاذبية المنخفضة أيضًا إلى تغييرات أخرى. تظهر النباتات التي تنبت وتزرع في الجاذبية الصغرى تغيرات في شكل الخلية وتنظيم الهياكل داخل الخلايا نفسها.

في معظم الحالات، ينقل العلماء البذور إلى الفضاء ثم ينبتونها مرة أخرى بمجرد إعادتها إلى الأرض. بعد ذلك تفحص الشتلات بحثًا عن سمات مفيدة توفر ميزة على حساب أنواع سلالات المحاصيل التقليدية، إذ يبحث العلماء عن تغييرات تؤدي إلى زيادة حجم الفاكهة، وانخفاض متطلبات الري، وتحسين ملامح المغذيات، ومقاومة درجات الحرارة المرتفعة والمنخفضة أو المرونة ضد الأمراض؛ وفي بعض الحالات، يمكن أن تؤدي الطفرات النادرة إلى اختراقات كبيرة في غلة المحاصيل أو قدرتها على التكيف.

Embed from Getty Images

الصين والمحاصيل الزراعية

تجري الصين تجربة الطفرات الفضائية منذ عام 1987، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تستخدم هذه التقنية باستمرار، فمنذ ذلك الحين قامت الصين بالعشرات من المهمات الفضائية لنقل بذور المحاصيل إلى الفضاء الخارجي.

كان أول محصول ينتج بعد تنميته وتحوره في الفضاء هو سلالة من الفلفل الحلو تدعى «Yujiao 1»، وذلك في عام 1990. بالمقارنة مع أنواع الفلفل الحلو التقليدية المزروعة في الصين، فإن «Yujiao 1» ينتج ثمارًا أكبر بكثير وأكثر مقاومة للأمراض.

استطاعت الصين حتى الآن إنتاج أكثر من 200 نوع من المحاصيل المتحورة في الفضاء على مدار الثلاثين عامًا الماضية. المثال البارز هنا هو سلالة من القمح تسمى «Luyuan 502»، التي تتميز بأن لديها كثافة إنتاج للمحصول أعلى بنسبة 11% من سلالة القمح القياسية المزروعة في الصين.

كما تتميز السلالة المتحورة بقدرة أكبر على تحمل الجفاف ومرونة أقوى ضد آفات القمح الأكثر شيوعًا. هذا يعني أننا نملك سلالة قمح بإنتاجية عالية للغاية وقدرة على التكيف، ومن ثم يمكن زراعتها في العديد من المناطق المختلفة والظروف المناخية المختلفة.

بالإضافة إلى القمح، أنتج العلماء الصينيون الأرز والذرة وفول الصويا والبرسيم والسمسم والقطن والبطيخ والطماطم والفلفل الحلو، وأنواعًا أخرى من الخضراوات.

Embed from Getty Images

والصين رائدة في الطفرات الفضائية

هذه الريادة الصينية لم تأتِ من فراغ بالتأكيد. فقد مكن ظهور الصين بوصفها قوة فضائية عالمية في العقود الأخيرة من إرسال آلاف البذور إلى المدار. في عام 2006، شحنت الصين أكبر دفعة لها على الإطلاق بلغت أكثر من 250 كجم من البذور والكائنات الحية الدقيقة من 152 نوعًا على متن القمر الصناعي «شيجيان 8».

وكانت آخر عملية إرسال للفضاء في مايو (أيار) 2022، حين أرسلت 12 ألف بذرة، بما في ذلك عدة أنواع من العشب والشوفان والبرسيم والفطريات، وذلك في زيارة استغرقت ستة أشهر لمحطة «تيانخه» الفضائية الصينية جزءًا من مهمة فضائية مأهولة تدعى «Shenzhou 13».

بل وصل الأمر بالصينيين أنهم أرسلوا مجموعة من بذور الأرز في رحلة ذهابًا وإيابًا إلى القمر خلال المهمة «Chang’e-5» التي وضعت مركبة هبوط على سطح القمر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. ووفقًا لتقارير صينية، فإن بذور الأرز القمرية هذه أنتجت الحبوب بنجاح في المختبر بعد عودتها إلى الأرض.

جدير بالذكر أن الصين تمتلك برنامج فضاء قويًّا، يشتمل على الأقمار الصناعية القابلة للاسترداد، وكذلك المركبات الفضائية المأهولة، وهو ما يساعد على إرسال البذور إلى الفضاء حتى مرتين سنويًّا، واستخدام هذه المرافق الفضائية لتحسين المحاصيل.

Embed from Getty Images

ولماذا لا تنافس أمريكا الصين على الطفرات الفضائية؟

في العقدين إلى الثلاثة عقود الماضية، تحولت الولايات المتحدة على وجه الخصوص إلى تقنيات التعديلات الوراثية التي تمكن من إدخال قطع من الحمض النووي الأجنبي في جينوم النباتات في المختبر، بعدما كانت تعتمد على تقنية إنتاج الطفرات عبر الإشعاع النووي. هذه التقنية الأخيرة لا تزال مستمرة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

تخلي الولايات المتحدة عن تقنية الطفرات بالإشعاعات وعدم خوضها زخم الطفرات الفضائية يعود إلى أن قطاع الزراعة الصناعية في الولايات المتحدة يعطي الأولوية لعدد قليل من السمات الجديدة مثل مقاومة الحشرات ومبيدات الأعشاب. هنا، تعمل تقنيات التعديلات الوراثية بشكل جيد. لكن الوضع مختلف جدًّا في الدول الآسيوية.

يعمل المزارعون في تلك المناطق في بيئات متنوعة للغاية، ومن ثم، لن يكون تعديل سمة أو سمتين كافيًا لهم، بل يحتاجون إلى إنشاء سمات جديدة في النباتات تكون أكثر تعقيدًا. هم يحتاجون إلى سمات ترتبط بحالة المناخ مثل تحمل الحرارة والجفاف، أو القدرة على النمو في تربة فقيرة بالمغذيات أو التربة المالحة، وهذا لا يمكن تحقيقه باستخدام تقنيات التعديلات الوراثية.

Embed from Getty Images

لماذا الإشعاع الفضائي أفضل؟

والسؤال: ما فائدة إرسال البذور إلى الفضاء بينما يمكن فعل الشيء نفسه في مختبرات الإشعاع النووي على الأرض، خصوصًا وأن تكلفة الإرسال إلى الفضاء أعلى؟ في الحقيقة، توفر الرحلات الفضائية فوائد كبيرة وتعطي في كثير من الأحيان نتائج أكثر إثارة للاهتمام.

في الفضاء، تحدث الطفرات المفيدة بشكل أكثر تواترًا من تلك المتكونة نتيجة الإشعاع، وتكون شدة الإشعاع أقل بكثير، لكن البذور تتعرض لها على مدى فترة زمنية أطول بكثير. ومن ثم، يقل الضرر الواقع على البذور، وتمنح الفرصة لوقوع الطفرات أكثر.

اقتصاد

منذ 3 شهور
«أوبرة» الزراعة.. ماذا يعني تدخل شركات التكنولوجيا الكبرى في إنتاج الغذاء؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد