قد نظن أن ما يحدث بعيدًا عنا بسنوات ضوئية في الفضاء ليس له تأثير فينا على كوكب الأرض، ولكن هذا غير صحيح، فالكون بأكمله عبارة عن نسيج كبير متماسك ما إن يقع شيء في طرفه؛ سريعًا ما يصل تأثيره إلى باقي النسيج الممتد بلا نهاية نعرفها حتى الآن.

ولذلك منذ أن بدأ البشر في استكشاف الفضاء؛ أدركوا أن الطقس الفضائي مهمًّا للبشر تمامًا مثل أهمية الطقس على كوكب الأرض؛ وذلك لأن الطقس الفضائي له توابع تترك بصمتها على كوكب الأرض، وفي هذا التقرير نخبرك عن أهم مظاهر الطقس الفضائي والتي لها تأثير لا يمكن تجاهله، في كوكب الأرض وفي البشر بالتبعية.

العاصفة الشمسية.. ما هي؟

استخدم العلماء  مصطلح «الطقس الفضائي» أول مرة في خمسينيات القرن العشرين، وأصبح يستخدم بشكل شائع في التسعينيات، وهو  فرع من فيزياء الفضاء وعلم الملاحة الجوية المرتبط بالظروف الزمنية المتغيرة داخل النظام الشمسي، بما في ذلك الرياح الشمسية، وتعد العاصفة الشمسية واحدة من ظواهر الطقس الفضائي.

العاصفة الشمسية أو العاصفة الجيومغناطيسية أو كما يطلق عليها البعض «آكلة لحوم البشر»؛ هي نوع من أنواع الطقس الفضائي شديد التأثير في الفضاء والأرض في الوقت ذاته، وهو يحدث حين تطلق الشمس بلازما درجة حرارتها عالية جدًّا على شكل توهجات ورياح، ويصفها العلماء أيضًا بأنها عبارة عن انفجارات هائلة من الطاقة المغناطيسية التي تنبعث من الشمس، وعلميًّا تعد العاصفة الشمسية هي اضطراب مؤقت في مجال الكرة الأرضية.

وتعد العاصفة الشمسية من الظواهر الفلكية التي يمكن أن تسبب عند وقوعها مشكلات في الطاقة الكهربائية على الأرض، ومع أن تلك الطاقة المغناطيسية المنبعثة من العاصفة الشمسية لا تصل جميعها إلى كوكب الأرض، فإن أي جزء ولو كان بسيطًا يصل منها للأرض؛ يمكن أن يتسبب في أضرار كبيرة على الشبكات الكهربائية، ووفقًا لمركز التنبؤ بالطقس الفضائي التابع للولايات المتحدة الأمريكية، فإن سرعة تلك العواصف الشمسية قد تتراوح ما بين 250 إلى 3 آلاف كيلومتر في الثانية.

«آكلة لحوم البشر».. كيف يؤثر الطقس الفضائي في الأرض؟

«آكلة لحوم البشر» هو الاسم الذي أطلقه العلماء على العاصفة الشمسية التي تعرض لها كوكب الأرض في نهاية عام 2021، وقد وصف العلماء هذه العاصفة بوصف غريب حين قالوا إن الشمس تخرج فقاعات وكأنها تتجشأ من حين للآخر، وتكون تلك الفقاعات – كما حدث في عاصفة «آكلة لحوم البشر» – عبارة عن سحابة من غاز البلازما تزن مليار طن مع حقول مغناطيسية.

لذا يمكن القول إن الشمس أطلقت مغناطيسًا هائلًا في الفضاء على بعد 150 مليون كيلومتر من كوكب الأرض، وبما أن الأرض لها مجال مغناطيسي خاص بها، فتداخل المجالين معًا – الشمسي والأرضي- هو ما يخلق العاصفة الجيومغناطيسية على كوكب الأرض، والتي يكون من شأنها تعطيل ما يقف في طريقها من شبكات كهربائية، والاتصالات وإمدادات المياه على الأرض والتدفئة، لفترة تتراوح بين عدة أسابيع وعدة أشهر، كما سيتعرض أطقم الطائرات والركاب إلى الإشعاع، وتتسبب في حوادث خطيرة للأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة الجوية والبحرية.

وتلك المخاطر ليست بعيدة عن واقعنا اليومي، فعلى سبيل المثال يمكن ذكر «حادثة كارينجتون» والتي وقعت في عام 1859، والتي سببتها عاصفة شمسية عطلت أجهزة التلجراف في أوروبا وأمريكا الشمالية، وجدير بالذكر أيضًا ما يعرف بتوهج «هالوين» في الشمس، والذي وقع في عام 2003 وتسبب في أضرار في عدد من  الأقمار الصناعية، وعطل عمل شبكة الهواتف والإنترنت في ذلك الوقت.

وكلنا نعلم أن بعد أي عاصفة أرضية من العواصف التي اعتدنا عليها؛ يظهر قوس قزح لينير السماء بألوانه الزاهية، وكذلك العاصفة الشمسية لها وجه آخر يظهر على الأرض، وهو ما يطلق عليه الشفق القطبي، حين تظهر في السماء ألوان ساحرة تبدو من عالم آخر.

«Radio Blackout».. توابع العاصفة

يبدأ تغير الطقس الفضائي من العواصف الشمسية، ولكنه لا ينتهي عندها، فهناك الكثير من التوابع التي تحدث للأرض بسبب هذه العاصفة، فعند حدوث تلك العاصفة الجيومغناطيسية، تنطلق الأشعة السينية والأشعة فوق البنفسجية في الفضاء وتجد طريقها إلى الأرض.

ولذلك يطلق أحيانًا على تلك العاصفة «توهجات شمسية» بسبب توهج الأشعتين في الفضاء، ويتسبب تأثير الأشعة السينية للتوهج الشمسي على الغلاف المتأين للأرض في فقدان سريع لقدرته على عكس موجات الراديو بعيدة المدى، ما يؤدي إلى ظاهرة يطلق عليها العلم «Radio Blackout»، أو «Radio blackout storm».

هذا النوع من العواصف يتولد عن الطاقة الكهرومغناطيسية، في الغالب، وبأطوال موجية غير مرئية للعين البشرية، ومن المرجح أن تحدث بعد التوهج الشمسي، ويستغرق تاثيرها ثماني دقائق فقط للوصول إلى الأرض من الشمس.

ومن ثم فإن التأثيرات الناتجة من هذا النوع من الأحداث تكاد تكون فورية، والطاقة الكهرومغناطيسية المنبعثة من التوهجات تعطل الغلاف الجوي العلوي للأرض – في المنطقة التي تنتقل فيها إشارات الاتصال – ويمكن أن تسبب تعتيم الإشارة، ويتمثل أحد مخاطر انقطاع الراديو في أن أجهزة الراديو غالبًا ما تستخدم للاتصالات في حالات الطوارئ.

أضرار بقيمة تريليوني دولار .. ما هي عاصفة الـ«G5»؟

أنشأت الإدارة الوطنية للمحيطات (NOAA) نظام قياس لتصنيف العواصف المغناطيسية التي تصل إلى الأرض وتأثيراتها المحتملة، وجرى تصنيف العواصف وفقًا لتأثيرها من «G1» والتي تعد تأثيراتها ثانوية في كوكب الأرض، وحتى «G5» وهي أعلى درجة تأثير عرفت للعواصف المغناطيسية على الأرض.

وفي تصريح له؛ أوضح بيوش ميهتا، الأستاذ المساعد في الهندسة الميكانيكية وهندسة الطيران في جامعة «ويست فيرجينيا» أن «من المرجح أن تؤثر G5 في أي شيء وكل شيء نعرفه عن تأثير الطقس الفضائي»، بمعنى أن تأثيرات العاصفة من هذه الدرجة قد تكون مدمرة.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن تنهار بعض أنظمة شبكات الطاقة بالكامل مما يتسبب في انقطاعات واسعة النطاق، وبالتزامن مع ذلك، قد تواجه أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية صعوبات لأيام، بالإضافة إلى ذلك، يمكن رؤية الشفق القطبي من مناطق بعيدة جنوبًا مثل فلوريدا وجنوب تكساس، وهذا وفقًا للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA).

ولحسن الحظ، تعد عواصف «G5» نادرة ولكن عندما تحدث، فمن المحتمل أن تسبب أضرارًا جسيمة، وتندرج الحادثة «كارينجتون» التي وقعت في عام 1859؛ تحت بند هذا النوع من العواصف –G5- والتي تسببت في تعطل أنظمة التلغراف في أنحاء العالم، بل اندلاع حرائق في بعض محطات التلغراف أيضًا.

ويوضح ميهتا: «عندما حدث ذلك لم يكن لدينا الكثير من البنية التحتية للتكنولوجيا»، بل كان لدينا فقط خطوط  تلجراف، ولم يكن هناك خطوط كهرباء، ولذلك إذا تعرضت الأرض الآن لعاصفة من هذا النوع؛ من المقدر أن تتسبب في أضرار بقيمة تريليوني دولار، ولا أحد يعرف متى يمكن لتلك العاصفة أن تزور الأرض مرة أخرى، ولذلك ينصح الخبراء بأن نكون مستعدين ونحسن قدرتنا على التنبؤ بموعد حدوثه.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
فيدروف.. الفيلسوف الزاهد الذي أطلق أحلام رواد الفضاء

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد