نشرت وكالة «بي بي سي» الإخبارية تقريرًا عن الأجناس البشرية التي سبقت الإنسان الحديث، وأشارت إلى أن البشر الحاليين قد عاصروا منذ أكثر من 40 ألف سنة في أوروبا ثلاثة أنواع بشرية أخرى؛ أطلقوا عليهم مصطلح «البشر البدائيون». وتشير دراسة علمية نشرت عام 2011 إلى أن تلك الأنواع البشرية قد ظهرت قبل «الإنسان العاقل الأول» بأكثر من 100 ألف عام. فما هي الأجناس البشرية التي ذكرتها الدراسة؟ وكيف انتهى بهم الحال؟

أحفورية الإنسان المنتصب تُغيّر «شجرة العائلة البشرية»

عام 1996 نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» حدثًا علميًا غير شكل «شجرة العائلة البشرية» إلى الأبد؛ إذ أعاد العلماء فحص موقعين أحفوريين رئيسين على طول نهر سولو في جزيرة جافا الإندونيسية، هناك حيث اكتشفت آخر بقايا أحفورية لكائنات بشرية أولية عام 1930، فحص العلماء للمرةِ الثانية ما أطلقوا عليه «إنسان سولو»، وهو الإنسان المنتصب الأول، وأشاروا إلى أنه عاش هناك منذ 53 ألف وحتى 27 ألف سنة مضت.

كانت المقالة العلمية التي نشرت في مجلة «Science» حينذاك واعدة؛ إذ أشارت إلى أن الإنسان المنتصب قد عاش في منطقة جنوب شرق آسيا مدة أطول من أي مكانٍ آخر في العالم. بناءًا على تلك المعلومات فإن إنسان نهر سولو الذي تطور منذ 1.8 مليون سنة، قد نجا من الانقراض بعد حوالي 250 ألف سنة، وعاش في إندونيسيا جنبًا إلى جنب البشر المعاصرين، وكذلك البشر البدائيين.

(عندما عاش البشر الأوائل معنا جنبًا إلى جنب)

قبل نشر هذه الدراسة كان العلماء مدة عقدين من الزمان يعتقدون خطأً أن الأنساب البشرية تتطور بصورة بسيطة من نوع إلى آخر، في شكل قفزة نوعية، وأنه من المستحيل أن يتعاصر نوعان في المكان والزمان نفسه؛ إلا أن تلك الاكتشافات الأحفورية قد أثبتت معاصرة ثلاثة أنواع من البشر البدائيين للإنسان المعاصر، وقد عاشوا في أوروبا وغرب آسيا منذ حوالي 300 ألف عام وحتى 30 ألف سنة مضت؛ حيث قام البشر البدائيون بالظهور للمرة الأخيرة في جنوب إسبانيا.

تعد تلك المواقع الأحفورية في جافا الإندونيسية حتى اليوم آخر مستوطنة معروفة للإنسان المنتصب، حيث يقصدها الباحثون من أجل سبر أغوار حياة البشر البدائيين، وفي دراسة نشرت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي عثر الباحثون على بقايا أحفورية لحيوانات، بالإضافة إلى 12 جمجمة تعود إلى «الإنسان المنتصب»، وقد شرع العلماء في محاولة تأريخ طبقات الأرض المحيطة بالموقع من أجل عمل سجل دقيق في محاولة لتحديد عمر الإنسان البدائي الأخير.

تشير كيرا ويستاواي، الباحثة المشاركة في الدراسة، إلى أن عملية التطور هي عملية معقدة جدًا يمكننا أن ننظر إليها وكأنها لقاء بين أفراد العائلة والأجداد وأبناء العمومة، إلا أنها تخص «شجرة التطور البشري»، وتساعدنا على فهم الأنواع الأخرى والأسباب التي أدت إلى انقراضها، وفي تصريحٍ آخر للباحث المشارك في الدراسة، روسل سيتشون، يشير إلى أن الإنسان المنتصب كان أطول عمرًا بشكلٍ لا يصدق، ويعتبر من أنجح الأنواع البشرية التي عاشت على وجه الأرض، إلا أنه انقرض بسبب التغيرات المناخية، بحسبه.

ثلاثة أنواع من «أشباه البشر» عاشوا في فترة واحدة

قبل أن يهاجر الإنسان الحديث من أفريقيا، كان الإنسان المنتصب قد تمكن من استعمار العالم بضعة ملايين من السنين. تشير الدراسات العلمية إلى أن الإنسان المنتصب قد عاش في جافا إندونيسيا قبل حوالي 100 ألف عام، ما يعني أنهم كانوا يعيشون هناك قبل هجرة الإنسان العاقل من أفريقيا، وقد كانوا جميعًا متواجدين في الوقت نفسه الذي عاش فيه نوعان آخران من البشر يشبهان «الهوبيت»، وهو عرق خيالي من أشباه البشر قصار القامة.

(تقرير عن أنواع البشر)

بالعودة 30 ألف سنة إلى الوراء نجد أن البشر الحاليين قد عاصروا ثلاثة أنواع من أشباه البشر:

النوع الأول: الإنسان البدائي

عاش الإنسان العاقل قبل حوالي 200 ألف سنة، في الوقت ذاته عاش «البشر البدائيون» النياندرتال في أوروبا وغرب آسيا بسلام، بالرغم من ذلك انقرض الإنسان البدائي ونجونا نحن.

كان الإنسان البدائي يشبهنا إلى حدٍ كبير، إلا أن وجهه تميز بإطاراتٍ عريضة، وشعر حواجب كثيف، وقد عاشوا في العديد من جيوب أوروبا لأكثر من 300 ألف عام، وحتى 28 ألف سنة مضت. تشير الأدلة الأحفورية إلى أن القلة الأخيرة من البدائيين قد تمسكوا بالحياة وحاربوا من أجل البقاء في أماكن مثل «جبل طارق»، الشاهد حتى الآن على بقاياهم.

عام 2016، جرى اكتشاف أربعة كهوف كبيرة ذات أهمية في منطقة جبل طارق، والتي كشفت عن أن البشر البدائيين قد عاشوا في مجموعات صغيرة بالكهوف التي استوطنوها لأكثر من 100 ألف سنة، كما عثر على مجموعة من القطع الأثرية تشمل الأدوات التي استخدموها والأصداف وبقايا حيوانات.

علوم

منذ سنة واحدة
الاضطرابات العقلية سببها التطور البشري.. أي مستقبل ينتظر الأجيال القادمة؟

كان البدائيون يعيشون على المأكولات والثدييات البحرية، وقد استطاع الباحثون تحديد ذلك من خلال بقايا الكهوف التي أشارت إلى أنهم كانوا يصطادون الدلافين، طعامًا، هذا بالإضافة إلى اصطياد أكثر من 120 نوعًا من الطيور وعليها علامات أسنان تشير إلى أنها أُكلت، كان بعضها طيورًا جارحة من النسور والصقور، كما استخدموا أجنحتها كلباس وغطاءٍ للرأس.

عاش الإنسان البدائي في الكهوف التي تميزت بطقسٍ نموذجي بارد في الصيف ودافئ في ليالي الشتاء الباردة، إذ كانت الكهوف مكانًا مناسبًا للراحة والاختباء من الحيوانات المفترسة. لكن المثير للاهتمام حقًا هو أن حمضنا النووي ما زال يحتوي على بصمة البشر البدائيين، وهو ما حدده الباحثون بنسبة 20%.

النوع الثاني: إنسان دينيسوفا

عاش هذا النوع من البشر في آسيا، تحديدًا في وادي جبال ألتاي جنوب سيبيريا، قبل حوالي 200 ألف وحتى 46 ألف سنة، وقد بدأت الحفريات في كهوف دينيسوفا منذ 40 عامًا، إلا أنها لم تحتل صدارة وكالات الأنباء إلا عام 2010، وذلك عندما أعلن العلماء أن تحليل الحمض النووي للبقايا الأحفورية للعظام قد أشار إلى أنها لنوعٍ بشري غير معروف في الشجرة التطورية، وهنا أطلقوا عليه اسم: إنسان «دينيسوفا»، واعتبروه من أشقاء البشر البدائيين.

في الكهوف الحجرية القديمة عاش إنسان دينيسوفا جنبًا إلى جنب مع البشر البدائيين، وتشير بعض الدراسات إلى اختلاط النوعين معًا، خاصةً بعد هجرة النياندرتال إلى أماكن يسكنها الدينيسوفين، وقد اضطروا إلى التزاوج من بعضهم البعض. وقد تميزت حياة هذا النوع بالمصنوعات اليدوية من العظام والعاج.

تشير الأبحاث العلمية إلى أن التطور البشري قد نتج عن عمليات التهجين بين أنواع مختلفة من البشر؛ إذ اكتشفوا أدلة تشير إلى تهجين كلٍّ من البشر الأوائل والدينيسوفا والإنسان العاقل؛ مما يدل على التزاوج والاختلاط بين الأنواع المختلفة.

النوع الثالث: الهوبيت

في جزيرة فلوريس الإندونيسية، عاش نوع من البشر قصار القامة وذلك حتى 15 ألف سنة خلت، أطلق عليهم العلماء اسم «إنسان فلوريس»، في حين شبههم البعض بـ«الهوبيت»، وهو عرق خيالي لأشباه البشر قصار القامة.

يعتبر فلوريس أحدث الأنواع البشرية الأخرى التي عاشت على الأرض في الوقت نفسه الذي عاش فيه الإنسان المعاصر، كما كان انقراضهم متأخرًا أكثر من الأنواع الأخرى. كان الهوبيت يمتاز بقامته الأقل من متر، ووزنه الذي لم يزد عن 25 كيلوجرامًا. كما امتاز هذا النوع بحجم جمجمة صغير، تشبه جمجمة شامبانزي حديث الولادة.

عاش إنسان فلوريس في تلك الجزيرة الإندونيسية منعزلًا تمامًا عن العالم الخارجي، ربما لهذا كان تطوره عكس البشر ليصبح صغيرًا في الحجم. بالرغم من ذلك صرح بعض العلماء أن الهوبيت ليس بشرًا كما كان يعتقد سابقًا، وأن حجم الجمجمة وخلوها من الذقن يختلف تمامًا عن شكل وحجم جمجمة الإنسان إلا أن هذا قد يكون عائدًا إلى تطوره بطريقة مختلفة.

لماذا انقرضت كل الأنواع البشرية عدانا؟

حتى وقتٍ قريب كنا نشارك الكوكب مع البشر الأوائل الآخرين، يشير الباحث جون شيا، من جامعة ستوني بروك الأمريكية، إلى أن العديد من أنواع البشر قد عاشوا جنبًا إلى جنب في فترات زمنية واحدة، إلا أن أسلافنا كانوا يتغذون على النباتات بشكلٍ أساسي أكثر من الحيوانات، إلا أن أوروبا قد عانت حينها من تغيرات مناخية أجبرت البشر البدائيين من النياندرتال على الهجرة من مناطق الغابات والأشجار، إلى منطقة السافانا المفتوحة، والتي كانت في ذلك الوقت أكثر جفافًا.

أجبرت تلك الظروف البشر الأوائل على أن يصبحوا من آكلي اللحوم، لكن بقيت مشكلة واحدة، وهي أن الحيوانات التي كانوا يتغذون عليها، لم تجد من النباتات ما يشبع جوعها. وقد كانت تلك المنافسة على الطعام بشكلٍ أساسي سببًا في انقراض بعض الأنواع البشرية البدائية.

(عن انقراض الأنواع البدائية)

بالرغم من تلك الظروف المميتة نجح بعض البشر البدائيون في النجاة من التغيرات المناخية، وذلك حتى 30 ألف عامًا مضت؛ إذ يشير الباحثون إلى أن البشر الأوائل ممن عاشوا في تلك الفترة قد جرى تهجيرهم من قبل البشر المعاصرين، وذلك بعدما تعدى الإنسان الحديث على موطنهم الطبيعي متسببًا في انقراض الإنسان البدائي المنتصب.

أما الهوبيت فتشير أغلب الأدلة الجيولوجية إلى أن إنسان فلوريس قد انقرض نتيجة ثورة بركانية قضت على هذا النوع تمامًا في عزلته داخل الجزيرة الإندونيسية. بقى إنسان دينيسوفا، ويشير العلماء أنه لم يكتشف بعد الأسباب التي أدت إلى انقراضه نظرًا لقلة الأدلة العلمية.

علوم

منذ 3 سنوات
«نظرية التطور».. هل نحن مجبرون على الاختيار بين العلم والدين؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد