ربما سمعت عن حملات تبرع لأطفال مصابين بمرضٍ نادر، تصل تكلفة علاجه إلى ملايين الدولارات، بحقنة من الأغلى في العالم، حقنةُ «زولجينزما»، التي تعالج مرضَ الضمور العضلي الشوكي، الذي يفقدُ المصابون به خلاياهم العصبية الحركية والخلايا العصبية في النخاع الشوكي، ومع الوقت يفقدون القدرة على الحركة.

فما هذا المرض النادر الذي يصيب الأطفال وما أعراضه وأسبابه؟ وكيف يمكن الوقاية منه؟ وما سبب كلفته الباهظة؟

ما هو سبب الإصابة بمرض الضمور العضلي الشوكي؟

«الضمور العضلي الشوكي» هي حالة وراثية تكون العضلات فيها ضعيفة وتسبب مشاكل في الحركة. والضمور العضلي الشوكي مرتبط بالكروموسوم رقم «5»، وتقع الإصابة به لسببٍ واحد معروف وهو نقص بروتين يُسمى «SMN»، وهو المسئول عن بقاء الخلايا العصبية الحركية، وينقص هذا البروتين بسبب طفرة أو خلل في نسختي جين «SMA1».

وتكون معظم البروتينات المصنوعة من جينات «SMA1» كاملة الطول وتعمل بشكل عاديّ، ولكن عندما تقع طفرات ينتجُ القليل من بروتين «SMN» أو لا يُنتج على لإطلاق. ويمكن تعويض هذه الخسارة جزئيًا عن طريق وجود جينات «SMN2» المجاورة، والتي تشبه جينات «SMN1» بنسبة 99%، ويختلف عدد نسخ جينات «SMN2» من شخص لآخر، ولكن معظم البروتينات المصنوعة من جينات «SMN2» قصيرة وليست وظيفية، وكلما زاد عدد نسخ جين «SMN2» لدى الفرد، كلما كانت وظيفية بروتين الـ«SMN» فعالة أكثر، وعلى ذلك فكلما تأخر المرض في الظهور، كلما كانت أعراضه ومساره أخف.

ما هي أعراض الضمور العضلي الشوكي؟

أعراض الضمور العضلي الشوكي هي:

  • ضعف الذراعين، والساقين.
  • مشاكل في الحركة مثل صعوبة الجلوس، أو المشي أو الزحف.
  • ارتعاش أو اهتزاز العضلات.
  • مشاكل العظام والمفاصل مثل انحناء العمود الفقري بشكل غير طبيعي.
  • مشاكل في البلع.
  • صعوبات في التنفس.

Embed from Getty Images

طفلٌ مصاب بمرض الضمور العضلي الشوكي

ما هي أنواع الضمور العضلي الشوكي؟

يختلف مستوى أعراض المرض من شديدة إلى خفيفة، بناءً على مقدار بروتين الـ«SMN» الوظيفي الموجود في الخلايا العصبية، التي تسمى بالخلايا العصبية الحركية.

النوع صفر من الضمور العضلي الشوكي ويُسمى «SMA0»، يتميز بضعف في حركة الجنين أثناء الحمل، وبعد الولادة يظهر على الطفل الضعف الشديد، ويصاب 60% من المُصابين بهذا النوع، ومن أعراضه عدم تحفّز المريض للمنبهات القريبة منه، ويعاني من شلل في الوجه، ومن عيوب خلقية بالقلب، وغالبًا يموت هؤلاء الأطفال في سن ستة شهور، وأحيانًا في وقت مبكر، مثل الشهر الأول.

أما النوع الأول أو «SMN1»، فيظهر على الطفل في سن ستة شهور، يعاني فيه الطفل من ضعف عام في العضلات، وضيق في التنفس، وهو أخطرُ ما في هذا النوع، وغالبًا ما يواجه صعوبةً في البلع، ولا يستطيع الجلوس دون مساعدة، ومن المحتمل أن يفشلَ نموهم.

أما النوع الثاني فهو عندما يبدأ المرض في الظهور على الطفل بين الشهر الثالث والخامس عشر، قبل أن يتمكن الطفل من الوقوف أو المشي بشكل مستقل، ويكون ضعف العضلات أكثر في الأطراف السفلية من الجسم، ولا تتأثر به عضلات الوجه والعين.

Embed from Getty Images

أما الأنواع المتأخرة، وهما النوعان الثالث والرابع، فهي خفيفة وتظهر عند البالغين، وتُسبّب مستويات مختلفة من الضعف العضلي.

يُصاب بالنوع الثالث 30% من مرضى الضمور الشوكي، وتظهر الأعراض عادةً بين سن 18 شهرًا وحتى مرحلة البلوغ. ويستطيع المصابون به الحركة بمفردهم، ولكن تصعب عليهم بعض المهام مثل صعود الدرج. وبمرور الوقت يفقد الكثيرون منهم القدرة على الوقوف والمشي، ويبدأون باستخدام الكرسي المتحرك، ويعاني معظمهم من تشوهات في القدم، وأيضًا ضعف عضلات الجهاز التنفسي. أما النوع الرابع من ضمور العضلات الشوكي فنسبة المصابين به 5%، ويمكن لهم التحرك بشكل عادي.

أنواع أخرى من ضمور العضلات الشوكي

هناك أنواع لضمور العضلات الشوكي غير مرتبطة بالكروموسوم «5» ولا بنقص بروتين «SMN»، ويكون سببها خللٌ في جينات مختلفة على كروموسومات مختلفة، وتختلف الأنواع الأخرى من المرض في شدتها وضررها على العضلات.

ومن هذه الأنواع الضمور العضلي النخاعي المُصَاحَب بضيق التنفس، والمعروف أيضًا باسم الضمور الشوكي القاصي، هو شكل نادر من ضمور العضلات، وينتج عن عيوب في جين «IGHMBP2»، ويعاني هؤلاء الأطفال من ضيق شديد في الجهاز التنفسي، وضعف العضلات.

كيف يشخّص ضمور العضلات الشوكي؟

هناك اختبارات يمكن إجراؤها للتحقق مما إذا كان الطفل مصابًا بهذا المرض، أو إذا كان الوالدان يمكن أن يُنجبا طفلًا مصابًا بالمرض، وهناك ثلاثة أنواع للاختبارات:

1- اختبارات قبل الحمل

المشكلة الجينية التي تسبب ضمور العضلات الشوكي تنتقل إلى الطفل من والديه، فلا يمكن أن يصاب الطفل إلا إذا امتلك كلا الوالدين عيبًا في أحد الجينات. ولكن حامل الجين المَعيب لا يصاب بالمرض وإنما يكون مجرد ناقل له، ولذا من المهم النظر في التاريخ الطبي للعائلة، ومن الضروري استشارة الطبيب إن كان لدى العائلة طفلٌ مصاب بالضمور، أو أحدُ أفراد العائلة الممتدة.

ويُجرى لهذه الغاية اختبار جينيّ للتأكد من سلامة جينات الوالدين، وفي حال وجود احتمال إنجاب طفل مصاب بالمرض، يكون أمام الوالدين خيارات، منها: الحمل، ثم إما الانتظار لمعرفة ما إذا كان الطفل سيولد مصابًا بالمرض أم لا، أو إجراء اختبارات أثناء الحمل، للتعرف مسبقًا إذا ما كان سيولد بالمرض.

خيارٌ آخر هو التشخيص الجيني قبل تخصيب بويضات الأم، إذ تُختبر الأجنة الناتجة في معمل طبي مخصص، ويُتأكد من سلامتها قبل أن تُوضع في الرحم.

2- اختبارات أثناء الحمل

إذا كانت الأم حاملًا وتتوفر احتمالية إصابة الطفل بالمرض، فيمكن فيمكن إجراء اختبارات للتحقق، والاختباران الرئيسان هما: أخذ عينة من المشيمة لاختبار خلاياها، وعادةً يتمّ هذا في الأسابيع 11-14 من الحمل، وثانيًا اختبار السائل السلوي، أو السائل الأمنيوسي، ويُختبر عادةً خلال الأسابيع 15-20 من الحمل، ويمكن أن يزيد هذان الاختبارن من احتمالية الإجهاض.

3- فحوصات بعد الولادة

إذا كان الطفل أو الفرد يعاني من أحد أعراض المرض، فيمكن إجراء تحليل دم وراثي للتأكد من وجود الإصابة، أو إجراء اختبار جيني، ويرصدُ هذا الاختبار مشكلة جين «SMN1»، وفي بعض الأحيان تُطلب اختبارات إضافية مثل تخطيط كهربية العضل.

ما هو علاج ضمور العضلات الشوكي؟

لا يوجد علاج نهائي لمرض ضمور العضلات الشوكي، وتعتمد العلاجات المتاحة اليوم على نوع الضمور وأعراضه، ويخضع المرضى لعلاج طبيعي ويستخدمون أجهزة مساعدة مثل دعامات تقويم العظام، والعكازات، والمشايات، والكراسي المتحركة. وتتوفّر أيضًا علاجات أخرى مثل العلاج المعدل للمرض، هذه الأدوية المعروفة تجاريًا باسم «Spinraza» تحفّز إنزيم الـ«SMN»، وهو مخصصٌ للأطفال بين عامين إلى 12 عامًا، ويُحقن في النخاع الشوكي، وهناك دواء «Evrysdi» ويُستخدم للبالغين والأطفال الذين تعدوا الشهرين، ويؤخذ عن طريق الفم.

وأخيرًا العلاج باستبدال الجينات واستخدام حقنة «الزولجينزما»، المصنفة الحقنة الأغلى في العالم، ويبلغ ثمنها 2.1 مليون دولار تُحقن عن طريق الوريد، ويستبدل هذا العلاج جين «SMN1» المعيب بجين طبيعي.

حقنة «الزولجينزما» الأغلى في العالم

يمتلأ الإنترنت بمناشدات من حول العالم لآباء يجمعون التبرعات لأبنائهم للحصول على حقنة «الزولجينزما»، وتنتشر المناشدات لشركة «نوفارتس»، الشركة المنتجة للعقار، للضغط عليها لتخفيض سعره، فما هذه الحقنة، ولماذا تبلغ كلفتها هذا المبلغ المهول؟

يُحقن الطفل بحقنة «الزولجينزما» لمرة واحدة فقط، ويفضَّل أن يكون الطفل تحت سن العامين، ويصل الجين الجديد إلى وجهته، ويحلُّ محلَّ وظيفة الجين المفقود أو غير العامل.

فما السبب في ارتفاع ثمن الحقنة؟ تُجادلُ الشركة المُصنعة للدواء أنّ هذا بسبب الكلفة الكبيرة لابتكار دواء جديد وتطويره ليصبح جاهزًا لدخول السوق وللاستعمال البشري، وترى أن أثره جذريٌّ على الأُسر التي يعاني أحد أطفالها من المرض، ومن ثمّ فهو يستحقُ الكلفة العالية.

ولكن حتى الآن لا يُعرف كم كانت كلفة إنتاج الدواء، والذي عملت على تمويله مؤسسات عامة وجهات خيرية أمريكية مختلفة، بتبرعات من أفراد عاديين، ثم لاحقًا تُوبع تطويره بأموال استثمارية، ومن الجدير بالذكر أن شركة «نوفارتس» لم تطوّر الدواء بنفسها، بل اشترته من شركة أدوية أمريكية أخرى.

علوم

منذ 3 سنوات
«دع الفقراء يموتون إذًا».. «بيزنس» الأمراض النادرة وأغلى الأدوية في العالم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد