93 عاما من الصراع والإبداع هي حياة ستانيسلاف شوكالسكي البولندي أو ستاش الأمريكي التي شكلت واحدًا من أعظم العقول الفنية في القرن 20، فقدمت لنا الإبداع والنرجسية والسريالية تمشي على قدمين.

غفل عنه العالم وضاعت أعماله بين صفحات حرقت وسرقت من كتاب التاريخ، نحات ورسام سريالي بولندي، قضى حياته رحالا بين أمريكا وبولندا، لقب بـ«مايكل أنجلو القرن التاسع عشر»، وصنف «أعظم نحات في العالم»، بل «نبي وطني ورمز قومي» لبولندا في الثلاثينات.

شوكالسكي

صورة لشوكالسكي بجوار منحوتة من منحوتاته – مصدر الصورة ويكيبيديا

شيدت له بولندا متحفًا كبيرًا لعرض أعماله، وقام بإنشاء آثار معمارية ضخمة بتكليف من الحكومة البولندية، دمر طيران «هتلر» كل أعماله في الحرب العالمية الثانية ومعها سيرته المهنية والتاريخية بأكملها، وأصبح مرجعًا لـ«الجماعات اليمينية المتطرفة» في القرن 21 ببولندا؛ ما أثار الجدل والنقاش حول تاريخه وطريقة تفكيره ونظرياته الغريبة وقوميته المتطرفة بالرغم من تراجعه عنها بعد ذلك.

عمل شوكالسكي في استوديوهات هوليود رسامًا ونحاتًا مع الكاتب الشهير «بين هيكت» الذي دائمًا ما وصفه بالعبقري في كتابته، كما عمل في العديد من مهن الرسم التجاري والكتب المصورة لتأمين معاشه، ولولا ضياع أعماله كان من الممكن أن يعيد كتابة تاريخ الفن الحديث في العالم، وخاصة الفن السريالي.

رائد المدرسة السيريالية المنسي.. رحلة البحث عن «شوكالسكي»

ابحث عن شوكالسكي باللغة العربية في محرك البحث «جوجل» فلن تجد أي نتائج عنه تقريبًا، عدا إعلان عن فيلم وثائقي أضيف عام 2018 علي منصة «نيتفلكس»، وإن بحثت عنه بالانجليزية فلن تجد أي صفحات عنه قبل عام 2018، حتى صفحة «ويكيبيديا» الخاصة به أضيفت عام 2019. لم يدرج اسمه في سجلات السريالية باعتباره رائدًا أو مبدعًا، لم يُحتف بأعماله، وطمس تاريخه وإبداعه عن وعي وعدم وعي من العالم.

ظل حبرًا جافًا على قصاصات جرائد في الثلاثينات لم يقرأها أحد، وكأنه لم يولد قط في التاريخ، حتى قرر الممثل «ليوناردو دي كابريو» أن ينتج فيلمًا وثائقيًا عن حياة النحات «شوكالسكي» الذي كان صديق والده «جورج دي كابريو»، وجرى عرض الفيلم عام 2018 على شبكة «نيتفلكس».

يعد هذا الفيلم هو التسجيل الوحيد لـ«شوكالسكي» نفسه، والمصدر الوحيد الذي وثق حياته وتحدث عن رحلته المليئة بالصراع في فيلم رائع بعنوان «Struggle: The Life and Lost Art of Szukalski» والذي يحمل اسم منحوتة شهيرة له: «صراع».

إحدى رسوماته السيريالية – مصدر الصورة موقع شوكالسكي

أعاد الفيلم تسليط الضوء على حياة النحات الغامض وإبداعاته الفنية المبهرة صعبة التقليد، والتي بدورها قد تجعلنا نعيد النظر في تاريخ المدرسة السريالية، خاصة أنه سبق في أعماله السريالية الرائعة الرمز الشهير للمدرسة السريالية في العالم الرسام الإسباني «سلفادور دالي» وغيره من السرياليين.

بداية الصراع والإبداع

ولد شوكالسكي في بولندا عام 1893، وبدأ رحلة الصراع والإبداع مبكرًا، رغم أنه أصيب في الطفولة بعاهة لازمته مدى الحياة، فبسبب حبه الشديد لمشاهدة قرص الشمس ورسمه، أصيب بحرق في القرنية سبب له ضررًا كبيرًا، عاش على أثره بقية حياته شبه فاقد للبصر بنقطة سوداء في وسط عينيه.

هاجر مع عائلته إلى شيكاغو عام 1907 في سن الثانية عشر، كانت أسرته فقيرة وعمل والده حداد بمصانع شيكاغو، ورغم ذلك استطاع «شوكالسكي» الالتحاق بمعهد شيكاغو للفنون في سن الثالثة عشر، وبسبب موهبته الاستثنائية في النحت نصح المعلمين أسرته أن تعيده إلى أوروبا لدراسة النحت في المدارس العريقة.

مات والده والداعم الوحيد له في حادث سير، حينها قام «شوكالسكي» بعمل غير مألوف، قام بتشريح جسد والده بنفسه؛ فتعلم علم التشريح؛ الأمر الذي ساعده في معرفة تكوين الجسم البشري واحتراف النحت، وحين سئل عن كيفية معرفته بتشريح الجسم البشري بشكل دقيق واحترافي نحته، قال: «أبي هو من علمني» في إشارة إلى حادثة موت والده وتشريحه، وفي عام 1910 التحق بأكاديمية «كراكوف» لفن النحت في بولندا.

طرد من أكاديمية كراكوف عام 1913 لعدم التزامه بقواعد النحت من النماذج واستخدام مخيلته بدلًا عنها، فعاد إلى أمريكا والتحق بمعهد شيكاغو مرة أخرى لإنهاء دراسته، وبدأ مسيرته الفنية في معارض منتظمة منذ عام 1914، والتي قوبلت بالرفض بسبب مناهضتها للإمبريالية البريطانية، وهي فكرة لم تكن تجد رواجًا في أمريكا في هذا الوقت، لكنها كرمت باعتبارها فنًا عظيمًا يستحق التقدير، وانتشرت المعارض وتعليقات المتخصصين والنقاد والجمهور وتعالت الصيحات في الجرائد بـ«عبقرية فنان»، تزوج من ابنة طبيب مشهور في شيكاغو تدعى «هيلين ووكر» عام 1922؛ مما حسن من وضعه الاجتماعي والمادي.

مثل بولندا بأعمال فنية حصدت العديد من الجوائز في معرض باريس للفنون والديكور عام 1925، وزارها أكثر من مرة في العشرينات، وأقام عدة معارض عرفه من خلالها البولنديين وعظموه كرمز لبلادهم، حتى إنه أنشأ طائفة فنية قومية تضم مجموعة فنانين بولنديين يستوحون الإلهام من الأساطير الوثنية البولندية القديمة سميت جماعة «هورن هارت».

 كان لهم زي موحد، قمصان تحمل رموز أسطورية رسمها «شوكالسكي»، وكانت لهم آراء سياسية أختلف عليها الكثيرون، وفي عام 1929 قدم شوكالسكي رسومات لمشاريع وتماثيل ضخمة تكون رمزًا لبولندا ووافقت الحكومة البولندية علي الكثير منها، عاد لأمريكا في الثلاثينات وانفصل عن زوجته الأولى «هيلين» عام 1932، وتزوج من «جوان» عام 1934، والتي قضى معها 50 عامًا من حياته.

عرف بنقده الحاد لكبار الفنانين مثل «مايكل أنجلو» و»بيكاسو» الذي قال عنه إنه أفشل رسام في العالم، وسماه «بيج أس هول» ، كان نرجسيًا بدرجة كبيرة، ولم يلتزم يومًا بالقواعد الفنية، حتى أنه قام بضرب وطرد ناقد فني حاول نقد أعماله مرة وقال «لا يحق لأي شخص في العالم نقد أي عمل فني»، رغم نقده هو المستمر للفنانين الآخرين طوال مسيرته، كان يرى أن الفن يجب أن يكون متطرفًا لأقصى درجة دون قواعد أو حدود، كان يعظم الفكرة ويعمل وفقًا لذلك وقال «إن العمل الفني دون فكرة واضحة ليس له قيمة حقيقية، ولا يعد فنًا من الأساس».

تحقيق الحلم: بولندا تعترف بـ«شوكالسكي» أعظم فنان حي!

ظل حلم «شوكالسكي» أن يصبح أيقونة بولندا ورمزها الوطني من خلال أعماله الفنية القومية التي تعبر عن عظمة بولندا وشعب السلاف أمر يشغله حتى الممات، وفي عام 1935 ابتسم الحظ لـ«شوكالسكي» وبطلب وتمويل رسمي من الحكومة البولندية جمع «شوكالسكي» كل أعماله الفنية ورحل مع زوجته «جوان» إلى وارسو في بولندا ليكمل مشاريعه الفنية الضخمة التي ترمز لتاريخ بولندا، افتتحت له الحكومة متحفًا كبيرًا في وارسو، عرضت فيه كل أعماله السريالية الرائعة من لوحات وتماثيل، سمي متحف «شوكالسكي» الوطني.

إحدى منحوتات شوكالسكي في متحفه الوطني – مصدر الصورة موقع شوكالسكي

أقام العديد من المشاريع الضخمة، منها المقر الرئيس للحاكم العام في بولندا، والذي أصبح متحفًا الآن، ونصب تذكاري قومي يسمي «بوليساو» ومباني حكومية كثيرة، والعديد من المشاريع التي كانت قيد التنفيذ، منها تماثيل ضخمة بحجم ثلاثة طوابق للميادين في بولندا، أثار فنه الجدل والنقاش في أوساط بولندا حتى أعجب بفنه الملايين.

صار حديث العامة والصحافة عن عظمة وإبداع فن «شوكالسكي»، وصفه البولنديين بـ«أعظم فنان حي على وجه الأرض»، وجعلت أفكاره منه فنانًا قوميًا، ورمزًا وطنيًا، بل «نبيًا للقوميين» الذين يحبون بلادهم، والذين عرفوا لاحقًاا باليمين المتطرف حين طغى حب بولندا لديهم على أي شيء آخر في الحياة.

مع بروز نجم «شوكالسكي» في المجتمع البولندي وجد هو وجماعته أنهم بحاجة لوسيلة تعبير عن آرائهم القومية وإيصالها للجمهور، وهنا ظهرت صحيفة «كراك» التي صدر منها 12 عددًا، والتي وصفت بأنها «صحيفة يمينية متطرفة» تروج لأفكار غير إنسانية، منها اضطهاد اليهود، ونبذ المعاقين والمهاجرين، ومناهضة رجال الدين الكاثوليكي، وتدخلهم في السياسة، وازدراء الشيوعيين!

تحقق حلم «شوكالسكي» أخيرًاا، وأصبح رمزًا لبولندا في العالم، وصارت أعماله الفنية تملأ قاعات بولندا وذاع صيته في جميع أنحاء أوروبا في الثلاثينات حتى لقبوه بـ «مايكل أنجلو القرن الـ20»، وينسب له رسم الشخصية البولندية الإسطورية «كوبرنيكوس العظيم» الذي يعبر عن شعب السلاف الأصلي.

بعد أن ذاع صيته طلبت منه الحكومة الألمانية قبل أن تتورط بالحرب النازية أن يقدم مشروع رسم تمثال «لهتلر» لتعظيم القائد، ووافق «شوكالسكي» وقدم رسمًا أوليًا تمثال يصور «هتلر» على شكل راقص باليه له أنف خنزير بشارب ويرتدي تنورة، وتم الرد عليه بأن اللوحة جميلة، ولكن لا يمكن تنفيذ الفكرة في ألمانيا، ولم تدم أيام السلام طويلًا حتى تورطت أوروبا في الحرب النازية، وبدأ فصل جديد في حياة النحات البولندي الأشهر.

هتلر يدمر تاريخ «شوكالسكي».. الموت والبعث من جديد

دٌمرت أعماله، وانتهت أسطورته في مشهد سينمائي درامي بقي فيه «شوكالسكي» يومين تحت أنقاض متحفه في وارسو عقب قصف الطائرات الألمانية بولندا في بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939، وكأن طياري «هتلر» يعاقبونه على الرسم القديم الساخر للزعيم!

طال الخراب أيضًا اغلب التماثيل والمباني التي صنعها في بولندا، وجرى إنقاذه من الموت، وحطمت كل أعماله، وسرق ما تبقى منها على يد الألمان وضاع أثره وانتهى تاريخ «شوكالسكي» الفني. في لمح البصر دمرت أعماله ودمرت أفكاره اليمينية والقومية إلى الأبد.

هرب لأمريكا في الأربعينات مع اسم جديد «ستاش» بدون أعمال فنية وبدون مجد أو مال أو وطن، هرب بقناعات وأفكار مختلفة تدعم المهاجرين واليهود ونبذ القومية المتعصبة التي أبادت أوروبا، بدأ في العمل باستوديوهات هوليود في رسم ونحت المناظر الطبيعية، وينسب له رسم المناظر الطبيعية وشخصية «كينج كونج» الشهيرة في فيلم سينمائي قديم.

قدم «شوكالسكي» خلال مسيرته أكثر من 180 منحوتة ومئات اللوحات والرسومات والمشروعات التي ضاع معظمها، وبعض المجلدات والكتب عن البشر والأعراق واللغات والرموز من خلال دراسة الفنون بشكل شخصي من كل حضارات العالم، وبعد توقفه عن النحت أهتم بأسرار التاريخ البشري وأنتج نظريته «الزيرماتزمية».

وهي عمل علمي زائف، وعمل فني رائع يشرح فيه أصل البشر وصراعهم مع مخلوقات «اليتي أو بيج فوت»، يؤرخ لحياة البشر على الأرض التي انطلقت من جزيرة القيامة في تشيلي بعد الطوفان العظيم، وتضم النظرية أيضًا اكتشاف لغة موحدة من الرموز القديمة  كانت البشرية تستخدمها في الماضي.

ظل يعيش حياة لا يعرف فيها أحد أنه نحات بولندا العظيم. أكمل عمله في صمت وأنهى بضعة أعمال فنية فريدة عرضت في منزله، حتى قابله «جونز براي» جامع تحف وأعمال فنية في أوائل السبعينات وبدأ في تسجيل وتوثيق أعماله الفنية على أشرطة فيديو دون هدف، فقط بسبب إعجابه بفن «شوكالسكي»، ثم قام بطباعة كتابين عن فن ونظريات شوكالسكي الأول عام 1980 بعنوان Behold the Protong والثاني بعنوان Inner Portraits عام.

1982 حظيت هذه الكتب بقبول شديد لدى الجمهور في هوليوود، فيما سجّل «جونز» 200 ساعة فيديو مع «شوكالسكي» أظهر فيها نرجسية وعبقرية وفنًا نادرًا حقيقيًا، وهي ما حولها «ليوناردو دي كابريو» بعد ذلك إلى الفيلم الوثائقى «صراع» والذي لقي صدىً كبيرًا في الأوساط الفنية ويعرض على منصة «نيتفلكس» حاليًا.

شوكالسكي.. نبي اليمين المتطرف في القرن 21

اتهم «شوكالسكي» في الثلاثينات بسبب ترويجه للأفكار اليمينية القومية، بمعاداة السامية والتطرف ضد المهاجرين والكنيسة والشيوعيين، وهي أفكار غيرها «شوكالسكي» تمامًا بعد الحرب العالمية الثانية، فأصبح شخصًا آخر بعد أن اختبر بنفسه ما فعله اليمين المتطرف في أوروبا من مذابح ودمار على يد النازيين.

لكن في تلك الأيام تنتشر العديد من الجماعات اليمينية المتطرفة في أوروبا عامة وبولندا خاصة والتي تستغل فن «شوكالسكي» وتأخذ من أعماله وأفكاره أيقونة لقيام بولندا قومية قوية ضد الأعراق والأجناس الأخرى والمهاجرين، بل يعتبرونه نبي حركتهم اليمينية، يحملون صوره في الاحتجاجات ويرتدون قمصان جماعته «هورن هارت».

شعار المطرقة برأس نسر – مصدر الصورة ويكيبيديا

يرفعون رسوماته خاصة المطرقة برأس نسر التي كانت من المفترض أن تعبر عن عظمة بولندا الأسطورية القديمة، كي يعبروا عن الكراهية والخطر الجديد المحدق بالعالم، وهو أمر كان ليكرهه «شوكالسكي» بشخصيته الجديدة، لو رآه أو علم بأنه سيكون سببًا في حدوثه.

فتات.. هذا ما تبقى من أعمال «شوكالسكي»

لم يتبق أي من أعمال «شوكالسكي» قبل الحرب العالمية الثانية، فقد وصلنا عنها فقط بعض الصور الفوتوغرافية القديمة ضعيفة الجودة لأعماله في بولندا جُمعت في أرشيف كبير بعنوان الأعمال الأولى لـ«شوكالسكي» من عام 1913 وحتى عام 1930 وهي محفوظة في المتحف البولندي الأمريكي.

 وهناك كتابان يحتويان على رسومات له صدرا في عام 1980 وعام 1982، وهناك بعض الأعمال الفنية المعروضة في معرض لاجونا الأمريكي عام 2000، إلى جانب أعمال ذي القدم الكبيرة المعروضة في كنيسة «سيب جينيوس» بأمريكا، ويمكن رؤية أغلب أعماله في المعرض الدائم لأعماله المعرض البولندي الأمريكي في شيكاغو.

 قضى «ستاش» أو «شوكالسكي» حياته رحالة في عالم الأحلام الضائعة، بين حلم الرمز الوطني البولندي الذي دمره هتلر في الثلاثينات والاربعينات، وحلم الحرية الأمريكي بعد صدمة القومية المزيفة، وأخيرًا استغلال اليمين المتطرف له لإقصاء العالم دون رغبة أو قصد منه بعد موته.

المصادر

تحميل المزيد