لم تكن أفريقيا الوسطى تجذب اهتمام الكثير القوى الاستعمارية حتى بدايات القرن الماضي، إذ كانت تفتقر إلى الأهمية الإستراتيجية، فضلًا عن كثافتها السكانية القليلة (يقطنها اليوم أقل من 5 ملايين نسمة على مساحة تقارب 620 ألف كيلومترًا مربعًا)، غير أنها قد صارت منذ عام 1910 جزءًا من «أفريقيا الاستوائية الفرنسية»، وهي المنطقة الخاضعة للسيادة الفرنسية في وسط أفريقيا، وبعدما نالت هذه المنطقة استقلالها عام 1960، عرفت باسم «جمهورية أفريقيا الوسطى».

خريطة أفريقيا الوسطى- المصدر: جوجل

وسط أجواء الاستعمار الفرنسي ولد جان بيدل بوكاسا عام 1921، في منطقة بوبانغي جنوب غرب البلاد، وتلقى تعليمًا في بعض مدارس الإرساليات التبشيرية، ولما كان ينتمي إلى عرقية «مباكا» التي احتفظت بروابط وثيقة مع المستعمرين الفرنسيين، فقد انضم للقتال إلى جانب الجيش الفرنسي عام 1939 مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وأبلى بلاء حسنًا في مساعدة الفرنسيين خلال حرب الهند الصينية.

وعندما نالت أفريقيا الوسطى استقلالها عن فرنسا عام 1960، وبسبب خلفيته العرقية وكفاءته العسكرية عينه الرئيس دافيد داكو قائدًا لجيش الجمهورية الوليدة، وهو القرار الذي سيدفع داكو -والبلاد بأسرها- ثمنه غاليًا بعد سنوات قليلة.

لا تأمن مكرَ الفرنسيين.. ولو كنت رجلهم الوفي

لم يكن دافيد داكو بعيدًا تمامًا في البداية عن هوى الفرنسيين، فقد كان الخيار المفضل لهم لقيادة أفريقيا الوسطى بعد موت الزعيم الحقيقي لحركة الاستقلال بارثيليمي بوجاندا، والذي توفي في حادث تحطم طائرة قبيل شهور قليلة من تحقيق حلمه باستقلال البلاد رسميًّا عن فرنسا.

غير أن داكو لم يكن طوع بنان الفرنسيين تمامًا كما تصوروا أول الأمر، إذ عمد إلى نسج علاقات مع الصين على غير هوى باريس، وفي ظل فشل حكومة داكو داخليًّا، وعجزها عن السيطرة على التردي المتسارع في الملف الاقتصادي، إذ كانت البلاد تواجه شبح الإفلاس، دعمت فرنسا انقلابًا للإطاحة بداكو، وهي الطريقة التي ستدمنها فرنسا لاحقًا للتعامل مع كل التحديات التي تواجهها في القارة السمراء.

في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً، ليلة رأس السنة 1965، انتشرت قوات تابعة لبوكاسا ورفيقه السابق في حرب الهند الصينية ألكسندر بانزا في وسط العاصمة بانغي، حيث استولت على السلطة في انقلاب أفريقي كلاسيكي تمامًا، ليبدأ بذلك عهد بوكاسا الذي أدرك خطأ سلفه.

سارع بوكاسا إلى تقديم القرابين للفرنسيين فقطع العلاقات مع الصين، وطرد مجموعة كبيرة من المستشارين الصينيين في البلاد، ولسنوات طويلة.

احتفظ الرئيس الجديد بعلاقة حميمة مع الفرنسيين وبخاصة فاليري جيسكار ديستان والذي سيصل فيما بعد إلى سدة الرئاسة في باريس، إذ كان ديستان ضيفًا متكررًا على أفريقيا الوسطى، حيث يرافق بوكاسا في رحلات صيده، وكان ديستان يصفه بأنه أحد أفراد عائلته.

بوكاسا مع الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان – المصدر cnews

أتاح «انبطاح» بوكاسا أمام الفرنسيين فرصة حكم البلاد 14 عامًا من غير أن يعكروا صفوه، لكنه في الوقت ذاته لم يمنحه حصانة من مؤامراتهم وقت الحسم!

فالرجل الذي بدأ عهده بمجموعة من الإصلاحات والإنجازات فتحسنت الأوضاع الاقتصادية وتطورت المرافق في العاصمة؛ سرعان ما حول البلاد إلى ديكتاتورية كلاسيكية تتركز فيها سلطات شبه إلهية في يده وحده.

فتك بوكاسا بمعارضيه، بل وبمن شك في ولائهم من مؤيديه وفي مقدمتهم بانزا نفسه والذي اتهمه بتدبير انقلاب ضده، فاعتقله وعذبه قبل أن يقتله، ولم يعد يثق برجاله فأقنع الفرنسيين بإرسال قوات لحراسته وحمايته، تمامًا كما اقتنعوا -ظاهريًا على الأقل- بالموافقة على خطته «الهزلية» بتحويل البلاد إلى إمبراطورية، وإعلان نفسه إمبراطورًا عام 1976، بل وأمدوه ببعض المال اللازم لإقامة حفل تنصيبه.

تمادى بوكاسا في غيه، فعمد إلى خصخصة الشركات الحكومية ونقلها لحسابه الخاص، تحولت البلاد بأسرها إلى ملكية خاصة له أو لعائلته، حتى أنه أصدر قرارًا أن يرتدي كل أطفال المدارس والجامعات زيًا رسميًا موحدًا، على أن يكون المورد «الوحيد» لهذا الزي مصنع مملوك لزوجته الإمبرطورة كاثرين.

وعندما امتلأت الشوارع بالطلاب الغاضبين من القرار «الغريب»، لم يبال الإمبراطور بها، وأصدر أوامره باعتقال بعض الأطفال وإيداعهم سجن نجاراجبا، وقد كان بعضهم لا يتجاوز الثامنة من العمر. لاحقًا وجد نحو 100 من هؤلاء مقتولين وعلى أجسادهم آثار الضرب والتعذيب والرجم، أو الاختناق في زنزانتهم الضيقة.

هزت حادثة الأطفال الرأي العام المحلي والعالمي، ووجد الفرنسيون أن حليفهم صار عبئًا خالصًا عليهم لا عونًا لهم، وزاد من غضبهم عليه الانهيار الاقتصادي التام الذي صارت عليه دولته، فقد أفسد الرجل تجارة الماس في بلاده، ولم يعد قادرًا على دفع رواتب موظفيه المدنيين، أو العسكريين الذي صاروا خطرًا داهمًا يهدد الاستقرار في المنطقة وثرواتها.

حركت فرنسا قواتها للسيطرة على العاصمة بانغي بينما كان في زيارة إلى ليبيا، فقامت بعزل بوكاسا وإلغاء إمبراطوريته، وأعادت تنصيب داكو رئيسًا على البلاد. نعم، لم تخطئ قراءة الاسم، «داكو» نفسه الذي انقلبوا عليه قبل أعوام، لقد تجرع بوكاسا من الكأس نفسه، وكان عليه أن يقضي فترة من عمره يقاسي مرارة المنفي في كوت ديفوار قبل أن ينتقل إلى فرنسا.

بوكاسا.. أو «الإمبراطور» غريب الأطوار

لطالما كان جان بيدل بوكاسا حريصًا على الظهور بمظهر المتفرد والمتميز، فكثيرًا ما ظهر بالزي الرسمي، حاملاً رتبة «الفيلد مارشال»، تزين صدره النياشين والأوسمة، لكنه كان يحلم يومًا أن يقتنيه أو أن يوصف به.

ولا يبدو أن بوكاسا قد أخطأ هدفه تمامًا إذ أنه تميز عن غيره من ديكتاتوريي أفريقيا، ونجح في دخول التاريخ بالفعل، باعتباره أكثر الحكام غرابة في القارة السمراء، كيف لا وهو الذي جال بخاطره أحيانًا أن يمتلك قنبلة ذرية، وقرر اعتناق الإسلام لإرضاء القذافي قبل أن يرتد عنه بعد توتر العلاقات معه، ومن يمكن أن يوصف بغرابة الأطوار إذا لم يكن بوكاسا؟

أكثر لحظات بوكاسا جنونًا كانت إعلانه تحول بلاده إلى الإمبراطورية، وتسمية نفسه بوكاسا الأول، وتنصيب ابنه وليًا للعهد، ساعتها أدرك العالم بأسره مدى الاضطراب الذي عصف بعقل الرجل.

كان حفل تنصيب بوكاسا إمبراطورًا حفلاً أسطوريًا كرنفاليًا بمعنى الكلمة، ارتدى زيًا شبيهًا بزي نابليون، أحاط به جنود يرتدون أزياء كأزياء فرسان القرن التاسع عشر. كل شيء في هذا الحفل كان يشي بأن الرجل قد فقد صوابه، الخيل والعربات والملابس المبطنة بالفراء والعرش والتيجان والمرصعة بالجواهر والخمور والكافيار والموسيقى، كل شيء.

وفي بلد من أفقر بلدان العالم، يعاني من الإفلاس، ربما كانت تكلفة إقامة حفل كهذا تتخطى إجمالي الدخل القومي للبلاد لمدة عام.

بوكاسا وزوجته وابنه

بوكاسا وزوجته وابنه متوجين بتيجان الإمبراطورية- المصدر

أما أكثر الاتهامات غرابة التي وجهت لبوكاسا، وأكثرها شيوعًا كذلك، وإن لم يتوفر قط دليل دامغ على صحتها، فكانت اتهامه بأكل لحوم البشر، وأنه كان يحتفظ في ثلاجته بلحوم بشرية يهديها أحيانًا إلى ضيوفه!

وتعود جذور هذا الاتهام إلى صور فوتوغرافية نشرتها مجلة «Paris-Match» الفرنسية، تظهر فيها ثلاجة جثث أطفال المدارس المقتولين، واتهم بوكاسا بأنه يحتفظ بهم كلحم بشري في ثلاجته لالتهامهم، وهو ما نفاه الأخير لاحقًا في حديثه للإعلام بعد عزله مؤكدًا أن أجساد الموتى موجودة في ثلاجة المشرحة، وأن هذه مجرد ادعاءات إعلامية.

كما يُتهم بوكاسا بأنه كان يقتل معارضيه بأساليب وحشية، فيلقيهم للأسود والتماسيح في حديقة حيوانات تابعة له، كما كان يأمر بضرب السارقين بالمطارق والسلاسل حتى الموت أمام عينيه. 

«لعلك لم تلحظ هذا، لكنك قد أكلت للتو لحمًا بشريًّا» *عبارة منسوبة -غير مؤكدة – لبوكاسا وجهها إلى وزير فرنسي حضر حفل تنصيبه

كرس بوكاسا حياته في المنفي لإحراج الفرنسيين الذين أطاحوه من منصبه، وقد ظل مؤثرًا في مقاليد السياسة حتى بعد عزله، فبعد أن كشف للجمهور عن هدايا من الماس تلقاها الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، أدت تلك الفضيحة إلى حرمان الأخير من الفوز بولاية رئاسية جديدة، الأمر الذي يمكن اعتباره «انتقامًا» من بوكاسا ضد من أمر بعزله.

لكن مفاجآت بوكاسا وطباعه الغريبة لم تتوقف إذ قرر في عام 1986 العودة إلى بلاده ليواجه اتهامات عدة بالقتل وإخفاء الجثث والخيانة والاختلاس، حكم عليه على إثرها بالإعدام (تمت تبرئته من تهمة أكل لحوم البشر بعدما لم تتوفر على تلك التهمة أدلة كافية)، قبل أن يخفف الحكم ثم يطلق سراحه عام 1993، قبل أن توافيه المنية عام 1996.

سياسة

منذ 3 سنوات
«روبرت موجابي».. ماذا يحدث للديكتاتور حين يتجاوز التسعين؟

دارت الزمن ليعود بوكاسا إلى دائرة الضوء مجددًا بعد وفاته، بعدما قاد فرانسوا بوزيزيه انقلابًا في أفريقيا الوسطى عام 2003، ليصبح بعدها رئيسًا لبلاد عام 2005، وقد عمد بوزيزيه إلى «رد الاعتبار» لبوكاسا، ومنح زوجته وسام الشرف، وأصدر قرارًا «يعيد بموجبه كل الحقوق ويسقط كل التهم الموجهة إلى بوكاسا».

معتبرًا إياه «أحد بناة الأمة»، كان ذلك في إطار احتفالات البلاد باليوبيل الذهبي للاستقلال وقد أثار هذا القرار الكثير من الانتقادات الدولية والحقوقية التي اعتبرته تسامحًا مع الانتهاكات الوحشية التي قام بها بوكاسا بحق معارضيه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد