هل يمكن أن تتخيل كوكب الأرض بدون شمس؟ في هذه الحالة سيكون كوكبًا بلا حياة؛ فالدور الذي تلعبه الشمس في استمرار الحياة على الأرض دور محوري، حتى إن بعض الكائنات البحرية التي تعتمد على الشعاب المرجانية، مصدرًا للأكسجين، تعاني طوال الليل لأن الأعشاب لا تحصل على القدر الكافي من أشعة الشمس فلا تنتج الأكسجين، وعندما يشرق النجم الساطع، تتنفس الكائنات البحرية وتمد الأرض بالحياة.

قديمًا وقبل ظهور الأديان الإبراهيمية كما نعرفها الآن، استطاع الإنسان بفطرته أن يدرك أهمية هذا النجم الساطع في السماء، الذي كان يعد لغزًا بالنسبة له في الوقت نفسه، ولذلك ظهرت الكثير من العبادات الطبيعية التي تجعل منه رمزًا للإله، في هذا التقرير نأخذك في رحلة لأكثر من ثقافة قديمة قدَّست هذا النجم الساطع، بل إن بعضها بنى معابد خاصة لها.

1- مصر القديمة: «الشمس تجلٍّ إلهي»

عثر مؤخرًا علماء الآثار على كشف أثري قيل إنه الأهم منذ ما يقرب من 50 عامًا، وهو «معبد الشمس» عند المصريين القدماء، والذي يُعتقد أنه واحد من ستة معابد جرى تشييدها في عصر الأسرة الخامسة بمصر القديمة، لكن لم يُعثر سوى على اثنين منها فقط، ليكون هذا الكشف الحديث هو الثالث الذي يجري العثور عليه. ويعد معبد الكرنك في مدينة الأقصر أحد أشهر معابد الشمس.

يعد الإله رع من أهم الآلهة في الديانة المصرية القديمة، وهو يرمز للشمس. وبالنسبة لبلد مثل مصر تعتمد على الزراعة في كل شيء، فقد كان النجم الساطع مصدرًا للحياة؛ ولذلك كانت ضمن عبادة المصريين القدماء، وكان هناك معابد للشمس بوصفها نوعًا من تقديم الاحترام والثناء لهذا الكيان الذي يشرق في السماء ويمنح الأرض الحياة.

صالة الأعمدة في معبد الكرنك بالأقصر

انتشر بناء معابد الشمس في الأسرة الخامسة بمصر القديمة أي منذ ما يقرب من 4500 سنة، وبنيت هذه المعابد بغرض التواصل مع «الآلهة» التي اعتبرت هذا النجم في ديانة مصر القديمة تجليًا وتجسيدًا لها، ولذلك كان على الملك أن يقدم قرابين من أفضل وأغلى الأشياء في هذه المعابد حتى يقدم الشكر والولاء للشمس.

وبعد بناء المعبد كان يُبنى طريق موصول بين قصر الملك والمعبد، وكان هذا الطريق في بدايته مسقوفًا ومظلمًا، ثم يكون بلا سقف ومنيرًا، وبهذا يكون طريق الملك من منزله للمعبد رمزًا لرحلته الروحية من الظلام إلى النور، ومن الفساد للعدل تمامًا كرحلة الشمس اليومية من جوف الليل إلى ضوء النهار.

الشمس ودورة حياة الإنسان

يعد الإله أو المعبود رع من أقدم المعبودات وأكثرها شهرة، ومن أهم خصائصه أنه كان المعبود الخالق الذي خلق نفسه بنفسه، كما أنه – وفقًا للديانة المصرية القديمةالمسئول عن تعاقب الفصول والفيضان، وكان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالملك، ويظهر هذا واضحًا في الأسرة الرابعة والخامسة حين ظهر لقب «ابن رع» ضمن الألقاب الملكية، وفي الأسرة الخامسة بالذات كان هناك اعتقاد سائد بأن الملك هو الابن الجسدي لرع، ولذلك انتشرت هذه المعابد في هذه الفترة.

آمن المصريون القدماء بأن الشمس قوة خفية تعكس قدرة الخالق، وفي الوقت نفسه تتشابه مع الإنسان في دورة حياته الكاملة، ففي الصباح ووقت الشروق تكون مثل الإنسان وهو وليد، بينما في فترة الظهر تكون مثل الإنسان في شبابه شديدة وقوية، أما وقت الغروب فتكون ضعيفة، وفي نهاية دورتها مثل الإنسان عندما يشيخ، ولذلك كانوا يجسدون الشمس تُولد من رحم ربة السماء «نوت» وكأنها طفل يخرج للحياة من رحم السماء، وهذا الرسم يمكن أن تراه بوضوح على سقف معبد دندرة.

وكانت الشمس ركيزة قوة في تفكير المصريين القدماء، فعلى سبيل المثال اختيارهم لمكان الحياة والموت، فهي تشرق من الشرق ولذلك اختار المصريون شرق البلد التي يعيشون فيها لتكون مكان المعيشة، بينما تنتهي وترحل أو «تموت» من الغرب، ولذلك خصصوا غرب البلاد للمقابر، وحتى الآن إذا ذهبت إلى الأقصر، لتزور مقابر الملوك يجب أن تذهب إلى «البر الغربي» حيث مقابر المصريين القدماء.

2- الهند: معبد الشمس «كونارك»

كانت الهند القديمة من الحضارات التي قدست الشمس وعبدتها للدرجة التي دفعتهم لبناء معبد لها، ويتجلى هذا التقديس للشمس في ثقافتهم في معبد كونارك، وهو معبد هندوسي أقيم لإله الشمس «سوريا» يرجع تاريخه إلى القرن الثالث عشر في كونارك بالهند. بني المعبد منذ نحو عام 1250، وهو أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو.

شاهد جولة مصورة من داخل معبد الشمس كونارك في الهند:

و«كونارك» كلمة سنسكريتية مكونة من مقطعين، الأول هو «كونا» وتعني الزاوية والثاني هو «أركا» وتعني الشمس، وقد سميت المدينة الموجود بها المعبد والمعبد نفسه بهذا الاسم بسبب موقعهما الجغرافي من الشمس، والذي يجعل الشمس تبدو وكأنها تشرق من زاوية واحدة.

يعود تاريخ منطقة كونارك وعبادة الشمس إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وقد بُنِي المعبد في القرن الثالث عشر ميلاديًّا للدلالة على استمرار ثقافة تقديس الشمس لدى الهندوس، والتي تتجسد في إله الشمس الهندوسي سوريا، وقد بناه الملك الهندي نارسيمها ديفا الأول في العام 1244م بغرض عبادة الإله سوريا، واختير هذا المكان بالذات بسبب وصفه في العديد من النصوص الهندوسية القديمة بأنه المقر المقدس لـ«سوريا».

رسم يجسد الإله «سوريا»

هناك العديد من الرموز المعمارية في بناء المعبد، فالمعبد نفسه صمم على شكل عربة ماموث يركبها الإله سوريا وتجره سبعة خيول، وتظهر 24 عجلة للعربة، والرقمان 7 و24 لهما عدة تفسيرات، فالبعض يقول إن الرقم 7 يرمز لأيام الأسبوع السبع، بينما يرى البعض الآخر أن السبعة خيول تمثل مكونات الضوء السبعة، والبعض ينظر إلى الرقم على أنه رقم سحري فى الثقافة الهندية بشكل عام.

3- سكان أمريكا الشمالية الأصليون: «رقصة الشمس»

رقصة الشمس كانت واحدة من أهم الاحتفالات الدينية لدى السكان الأصليين في أمريكا الشمالية وكندا، وهي مناسبة كانت تجتمع فيها كل قبيلة مرة واحدة في أواخر الربيع أو أول فصل الصيف، وتعزف الموسيقى وترقص في طقوس هدفها التواصل مع قوى الكون والأرض، والأهم: الشمس، بغرض طلب القوة والبصيرة من قوى الطبيعة، وأيضًا اختبار قوى المحاربين الشباب في القبيلة والذين يغرسون في جلودهم دبابيسَ مربوطة في الأشجار لاختبار شدة بأسهم والدماء تنهمر من أجسادهم، وفي نهاية الطقس وقت شروق الشمس يدخنون غليونًا من التبغ احتفالًا بتجلي «الروح العظمى للشمس»، وفقًا لمعتقداتهم القبلية.

رسم تخيلي يجسد رقصة الشمس

أصول رقصة الشمس لدى سكان أمريكا الشمالية الأصليين غير معروفة، وهذا لأنها من الموروثات الشفهية للقبائل منذ أزمنة قديمة جدًّا، وبحلول القرن التاسع عشر بدأت بعض القبائل في أماكن مختلفة تضيف بعض الاختلافات المحلية للطقس، لكن ظلت الشمس وتقديم القرابين والتضحيات غير البشرية هي الأساس في هذا الطقس الديني.

هذا الطقس يكون له منظمون مسئولون عنه، ويقضون طوال العام تقريبًا في تحضير الملابس وتزيين الخيول، وتجهيز التضحيات التي ستقدم للشمس أثناء الرقصة، كما أن التدريب على الرقصة يعد من أهم التحضيرات التي يعمل عليها الراقصون المشاركون في أداء الطقوس، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية وكندا أصدرا قوانين تحظر رقصة الشمس، لإجبار السكان الأصليين على استيعاب الثقافة الأوروبية؛ فإنه حتى اليوم لا تزال العديد من القبائل الأمريكية الأصلية تقيم احتفالات الشمس، وبعضها يكون مفتوحًا للجمهور بغرض تثقيف الأجيال الجديدة من السكان الأصليين حول الثقافة القديمة لشعوبهم.

4- الرومان: «إله الشمس لا يُقهر»

«Sol Invictus» هي كلمة باللاتينية تُنطق «سول إنفكتوس»، وهي واحدة من الأساطير الرومانية قبل انتشار المسيحية، وتعني حرفيًّا «إله الشمس الذي لا يُقهر». كان سول إنفكتوس لقبًا دينيًّا لثلاثة آلهة مستقلة بعضها عن بعض في الإمبراطورية الرومانية، هي «إيل جبل»، و«ميثراس أو ميثرا»، و«سول». وكان يحتفل الرومان في يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) من كل عام احتفالًا خاصًّا بإله النجم الساطع، وكان اسم عيده «ميلاد إله الشمس الذي لا يُقهر».

معابد الشمس

رسم تخيلي لمعبد الشمس الروماني

يعد هذا الإله أحد أشهر آلهة الإمبراطورية الرومانية وأكثرها شعبية، خاصة بين الجنود، ويعود ظهور عبادة هذا الإله إلى القرن الثالث حين انهارت الإمبراطورية الرومانية للعديد من الأسباب السياسية والاقتصادية والصحية أيضًا التي تجسدت في غزو الطاعون للبلد، فقرر وقتها الإمبراطور أورليان الذي انتصر على الملكة زنوبيا أن يختار إلهًا جديدًا يوحد كافة الشعوب تحت راية الحكم الروماني بعد التشتت الذي أصاب الإمبراطورية، ووقع اختيار الإمبراطور على إله الشمس، ولذلك بنى له معبدًا ضخمًا في «Campus Martius» وسط روما.

والآن في عصرنا الحاضر؛ نخشى حرارة هذا النجم الساطع فيما يتخوف العلماء من الاحترار العالميوهم محقون فى تخوفاتهم لكن الشمس لم توجد في الكون لتعذب البشر بل لتمدهم بالحياة، والثقافات القديمة التي سردنا بعضًا منها وليس كلها قد أدركت بفطرة الإنسان ضرورة وجود هذا النجم الساطع للحياة على كوكب الأرض.

تاريخ وفلسفة

منذ أسبوعين
مترجم: كيف كان شكل الحب والجنس والزواج عند المصريين القدماء؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد