يُنتج سنويًّا نحو 400 مليون طن من النفايات البلاستيكية على مستوى العالم؛ الأمر الذي يمثل مشكلة بيئية خطيرة تؤثر بالغ الأثر في صحة كوكبنا. ويخلق هذا الوضع حاجة ماسة إلى حلول لمكافحة كمية البلاستيك التي تُنتج، ومعالجة ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية الموجودة حاليًّا.

وفي هذا الصدد، اكتشف فريق من الباحثين الأستراليين حلًّا محتملًا لمشكلة النفايات البلاستيكية، فما هو؟ وكيف يمكن أن يُحدث تطورًا فارقًا في مجال إعادة التدوير؟

الديدان الخارقة تتغذى على البوليسترين

اكتشف فريق من الباحثين بجامعة كوينزلاند الأسترالية حلًّا محتملًا يأتي من مصدر غير متوقع، وقد يكون أداة مفيدة في التخلُّص من البوليسترين، الذي يعد أحد أنواع البلاستيك الأكثر شيوعًا في عدد من المنتجات الاستهلاكية، مثل أدوات المائدة والتغليف، وغيرها من المنتجات، والمعروف أيضًا بصعوبة تحلله بسبب تركيبته الجزيئية الفريدة. وبذلك يمكن الحد مما يسببه البوليسترين من تلوث للمسطحات المائية، وتهديد للحياة البحرية، أو لدفنه في مطامر النفايات، إذ إن إعادة تدويره ليست متاحة بسهولة.

Embed from Getty Images

ويكمن هذا المصدر في نوع من الديدان، هي يرقات خنفساء تسمى «زوفوباس موريو»، ويطلق عليها اسم «الديدان الخارقة»، والتي يمكن أن يبلغ حجمها بعد النمو خمسة سنتيمترات، ويجري تربيتها لتكون غذاءً للزواحف والطيور أو حتى للبشر في بعض الدول مثل تايلاند، والمكسيك.

وتتجلى أهميتها في إنزيماتها المعوية التي يمكنها هضم البوليسترين، الذي تمزقه بأفواهها، ثم تتغذى عليه وتمرره للبكتيريا الموجودة في أمعائها. وقال الدكتور كريس رينكي، أحد الباحثين المشاركين في الدراسة، إن هذا الاكتشاف قد يُحدث تطورًا فارقًا في مجال إعادة التدوير.

ديدان الـ«زوفوباس موريو»: مصانع إعادة تدوير مصغرة

أجرى الدكتور كريس رينكي وفريقه من كلية الكيمياء والعلوم البيولوجية الجزيئية في جامعة كوينزلاند تجربة بحثية، نُشرت مؤخرًا في مجلة «مايكروبيال جينوميكس»، قاموا فيها بتغذية الديدان الخارقة بأنظمة غذائية مختلفة على مدى ثلاثة أسابيع، مع إعطاء مجموعة منها البوليسترين، ومجموعة ثانية النخالة، ومجموعة ثالثة لم تعط شيئًا.

وقال رينكي: «وجدنا أن الديدان الخارقة التي تتغذى على نظام غذائي من البوليسترين لم تنجُ فحسب، بل شهدت زيادة طفيفة في الوزن»، موضحًا أن هذا يشير إلى أن الديدان يمكنها أن تستمد الطاقة من البوليسترين، وذلك على الأرجح بمساعدة ميكروبات الأمعاء.

مجتمع

منذ 8 شهور
مترجم: 10 حقائق شائعة غير صحيحة حول إعادة تدوير البلاستيك

وأوضح رينكي أن «الديدان الخارقة يمكن أن تحيا على نظام غذائي قائم على البوليسترين وحده، حتى إنها تكتسب بعض الوزن مقارنة بمجموعة الديدان التي جرى تجويعها؛ مما يعني أن الديدان يمكن أن تكتسب طاقة بتغذِّيها على البوليسترين».

وقد عثر فريق البحث على إنزيمات في أمعاء الديدان الخارقة لها القدرة على تفكيك مركبي البوليسترين والسترين، وهما أساسيان في تصنيع حاويات النقل، ومواد العزل، وأجزاء من السيارات، وغيرها، ووصف رينكي هذه الديدان الخارقة بأنها «معامل إعادة تدوير مصغرة».

عزل الإنزيم من الديدان الخارقة.. هكذا  يمكن التخلص من النفايات البلاستيكية

استخدم الباحثون تقنية تسمى «التقنية الميتاجينومية metagenomics» للعثور على عديد من الإنزيمات التي لديها القدرة على تحليل البوليسترين والسترين. ويطمح الباحثون إلى أن ينجحوا في عزل الإنزيم الأكثر تأثيرًا في هضم مكونات البلاستيك؛ والتمكن من تصنيعه على مستوى واسع، واستخدامه في مصانع إعادة التدوير، ويأمل الفريق أن تحفز عملية إعادة التدوير الحيوية هذه إعادة تدوير النفايات البلاستيكية، وتقليل مكبات النفايات.

ويقول دكتور رينكل «في هذه الحال، سيجري تمزيق البلاستيك بآليات ميكانيكية قبل استخدام الإنزيم المسؤول عن التحلل لإنتاج مواد أكثر قيمة مثل البلاستيك العضوي (البيوبلاستيك)».

وقالت جياروي صن، المؤلفة المشاركة في البحث، إنهم يهدفون إلى زراعة بكتيريا الأمعاء الموجودة في أمعاء الديدان في المختبر، واختبار قدرتها على تحليل البوليسترين. وأضافت: «يمكننا بعد ذلك النظر في كيفية الارتقاء بهذه العملية إلى المستوى المطلوب لإنشاء مصنع إعادة تدوير بأكمله». ومن جانبه علق الدكتور رينكي بأن هناك العديد من الفرص لاستغلال التحلل البيولوجي للنفايات البلاستيكية، وقال «فريقنا متحمس للغاية لدفع العلم لتحقيق ذلك».

الديدان الخارقة قد تخلصنا من نفايات الطعام أيضًا

أكملت الديدان الخارقة التي غذيت بالبوليسترين دورة حياتها بالفعل وأصبحت خنافس بالغة، ولكن من ناحية أخرى، كشفت الاختبارات عن أن أمعاءها تفتقر إلى التنوع الميكروبي، وأنها تضم عناصر قد تسبب الأمراض. الأمر الذي يعني أن الحشرات يمكنها الاكتفاء بالتغذي من البوليسترين، لكنَّ هذا النظام الغذائي ليس مغذيًا، وقد يؤثر في صحتها.

إحدى الطرق للتغلب على هذا، هي تزويد الديدان الخارقة بنفايات الطعام أو المنتجات الحيوية الزراعية؛ لتستهلكها إلى جانب البوليسترين، الأمر الذي قد يكون «وسيلة لتحسين صحة الديدان، وحل مشكلة الكميات الكبيرة من نفايات الطعام في الدول الغربية»، وفق مؤلف الدراسة.

ما الجديد الذي تقدمه هذه التجربة عن غيرها؟

سبق وقد نجح العلماء في مناطق مختلفة من العالم في استخدام البكتريا والفطريات في تفكيك البلاستيك، حتى بات من المعروف أن أكثر من 90 كائنًا دقيقًا، بما في ذلك البكتيريا والفطريات، تعمل على تحليل المواد البلاستيكية. لكن يظل جدوى استخدامها واسع النطاق على المستوى التجاري محل تساؤلات.

Embed from Getty Images

أيضًا اكتشفت أبحاث سابقة أن بعض يرقات الخنافس يمكنها هضم البوليسترين، لكن هذه الدراسة تتقدم عليها خطوة إضافية، وفق ما قالت الباحثة في الجامعة الوطنية الأسترالية، كولين جاكسون، التي تقول إن «هذه الدراسة تسلك طريقًا طويلًا تجاه فهم كيفية عمل البكتيريا والإنزيمات في أمعاء اليرقات على مستوى الخلايا».

وتضيف «هذا الأمر مهم جدًّا لفهم هذا النوع المختلف من إعادة التدوير واستخدامه. إن تعميم الدراسة على نطاق واسع يعد دومًا تحديًا كبيرًا تتجلى آثاره في مجال تفكيك البلاستيك على مستويات ضخمة، وتساهم إسهامًا عظيمًا في حل الأزمة الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع تكلفة إنتاج البلاستيك الجديد».

ويعتزم العلماء إجراء أبحاث إضافية لتحديد الإنزيمات الأكثر فاعلية، والعمل على تحسينها من خلال هندسة الإنزيمات، واستخدام هذه الإنزيمات في إنشاء مصانع إعادة تدوير تُحاكي ما تفعله اليرقات من تمزيق البلاستيك أولًا ثم التخلص منه.

علوم

منذ سنتين
«قصة حب سامة».. كيف بدأت العلاقة بين البشر والبلاستيك؟

المصادر

تحميل المزيد