«لا تزال سوريا تعتبر أضخم أزمة نزوح في العالم؛ إذ اضطر أكثر من 13 مليون شخص إما للفرار خارج البلاد أو النزوح داخل حدودها» *بوريس تشيشيركوف، المتحدث باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

في عام 2011 تعرض العديد من الأطفال في المرحلة الابتدائية بمدينة درعا جنوب البلاد للتعذيب، بعد أن خطّوا شعارات مناهضة للنظام السوري، وتحديدًا ضد رئيسه بشار الأسد، وكان إلقاء القبض عليهم من جانب أجهزة الأمن السورية، التي كان يقودها آنذاك ابن خالة الأسد، عاطف نجيب، بمثابة الشرارة التي أشعلت «الثورة السورية»، ولكن سرعان ما جرى كبح الاحتجاجات على يد قوات النظام، وتحولت الانتفاضة إلى حرب طلب فيها النظام تدخلًا عسكريًا من روسيا وإيران بشكل رسمي، وأسفر كل هذا عن تدمير المدن الكبرى، وإجبار نصف سكان سوريا على الفرار.

إذ لجأ أكثر من مليون سوري إلى أوروبا، بينما قَبع حوالي 5.6 مليون لاجئ سوري في مخيمات في لبنان والأردن وتركيا، وواجه العديد منهم صعوبات هائلة في العثور على عمل، وواجهوا عقبات لا تحصى في الحصول على الإقامة القانونية، وكانوا الأكثر تضررًا من البطالة الناجمة عن الأزمات الاقتصادية العالمية، مثل أزمة وباء «كورونا»، وكذلك الأزمات الاقتصادية في البلدان المضيفة لهم، ومع ذلك يعتبر الكثير منهم أنفسهم أفضل حالًا خارج سوريا، وهذا يقودنا إلى السؤال التالي: لماذا حين يعود اللاجئون السوريون إلى بلادهم لا يستقرون فيها، ويفضلون زيارتها فقط رغم تراجع الصراع العسكري؟

صراع على الأرقام.. حقيقة عودة اللاجئين السوريين

مع انخفاض مستوى القتال في سوريا بشكل ملحوظ في السنوات الثلاث الماضية، حيث يسيطر النظام السوري الآن على أكثر من 70٪ من مساحة البلاد، حاول النظام تشجيع اللاجئين علنًا على العودة إلى ديارهم، بينما بدأت عدة دول مضيفة بإعادة النظر في الحماية التي تقدمها للأشخاص القادمين من سوريا.

Embed from Getty Images

ففي لبنان حيث يواجه الكثير من اللاجئين هناك ظروفًا معيشية قاسية، وتمييزًا، مارست الحكومة ضغوطًا متزايدة على السوريين للعودة، ومع ذلك تظهر بيانات المفوضية أن 2841 لاجئًا سوريًا فقط عادوا إلى بلادهم خلال الأشهر الست الأولى من عام 2022، من أصل 839 ألفًا مسجلين لدى المفوضية.

ورغم عدم انقطاعه عن ارتكاب الانتهاكات بحق المدنيين داخل سوريا، حاول النظام السوري على مدى ثلاثة أعوام كان آخرها في 16 يونيو (حزيران) 2022، الترويج لعودة اللاجئين السوريين عبر عقد مؤتمر برعاية روسية أسماه «مؤتمر عودة اللاجئين».

وعلى الرغم من تزايد محاولات الهجرة من مناطق سيطرة النظام السوري، فإن رئيس الهيئة التنسيقية الوزارية للمؤتمر ووزير الإدارة المحلية والبيئة السوري، حسين مخلوف، صرح بأنّ عدد العائدين إلى منازلهم بلغ منذ عام 2018 أكثر من 2.5 مليون، ليصبح عدد العائدين داخليًا منذ بداية الحرب في سوريا 2011 أكثر من 5 ملايين، وعدد العائدين من الخارج أكثر من مليون، وفق تصريحه.

لكن الأرقام التي ذكرها مخلوف فندها المنسق المقيم للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سوريا، عمران رضا؛ إذ أوضح أنّ «مفوضية شؤون اللاجئين» سجلت عودة 320 ألف سوري من دول الجوار، وهو رقم أقل بكثير مما ذكره النظام السوري.

وكشف المكتب الإعلامي لمفوضية اللاجئين في الأردن لـ«ساسة بوست»، أن الأعداد التي وثقتها المفوضية حول عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم توضح عودة ما يقارب 319 ألفًا و865 لاجئًا سوريًا من جميع الدول التي يقيمون فيها، منذ عام 2016 حتى 31 مايو (أيار) 2022 بشكل طوعي، ولكن ليس بهدف الاستقرار؛ فمعظمهم فضلوا العودة إلى بلد اللجوء، أو انتقلوا إلى بلد آخر.

وذكر المكتب أنه على الرغم من استضافة الأردن لنحو 675 ألفًا و40 لاجئا سوريا، إلا أن حوالي 5994 منهم فقط عادوا من الأردن إلى سوريا عام 2021، في حين بلغ عدد العائدين خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي 1440 لاجئًا فقط، في حين أن قرابة 41 ألف لاجئ سوري عادوا الى بلدهم منذ العام 2018، وهذا الرقم لا يشكل سوى 5% من إجمالي للاجئين السوريين الموجودين في الأردن.

وفي تركيا التي تستضيف حوالي 3 ملايين و700 ألف لاجئ سوري، سجلت تراجعًا خلال عام 2022 بعودة السوريين إلى بلادهم، فعلى الرغم الضغط الذي يتعرض له اللاجئو السوريون هناك، لا سيما من طرف الأحزاب المعارضة التركية، التي تُحمِّل اللاجئين مسؤولية تدهور الأوضاع في البلاد، فقد سجلت المفوضية عودة نحو 11 ألف لاجئ فقط إلى سوريا منذ يناير (كانون الثاني) 2022 حتى بداية يونيو 2022، في حين وثقت المفوضية عودة 1089 لاجئًا سوريًا من العراق الذي يعيش فيه حوالي 260 ألف لاجئ سوري.

مع انفتاح الأجواء السورية للطيران العربي، وكان آخرها الكويتي الذي هبط للمرة الأولى منذ 10 سنوات في مطار حلب الدولي، يعود العديد من السوريين إلى البلاد، ولكن الهدف ليس العودة الطوعية، أو الاستقرار، وخاصة في مناطق التي يحكمها النظام، بل لأسبابٍ أخرى، فما هي؟

الخوف من معاقبة النظام السوري بعد الاستقرار في البلاد

«هل تعتقد أن النظام سينسى من وقف ضده على مر السنين، الآن هناك فرصة للزيارة لإلقاء نظرة على البلاد من قرب، كون المجتمع الدولي أعينه مسلطة على النظام، ولا يستطيع ارتكاب انتهاكات علنية» *بدر المرقبي، لاجئ سوري في الأردن لـ«ساسة بوست».

سواء في أوروبا أو في أي من الدول المجاورة لسوريا، يشعر معظم السوريين بالقلق من العودة في ظل وجود نفس النظام الذي كانوا يخشونه طوال حياتهم، لذا يتهم لاجئون التقاهم «ساسة بوست»، النظام السوري بالقصف العشوائي لمدن بأكملها، وفرض الحصار جوعًا، واحتجاز الآلاف من أعضاء المعارضة بشكل غير قانوني، وحتى إعدامهم، فهم يخشون الإقامة في البلاد حتى لا يعاقبوا على دعمهم للمعارضة أو معاملتهم كخونة لمجرد فرارهم من البلاد.

Embed from Getty Images

اللاجئون السوريون

وأظهرت النتائج الرئيسة لمسح أجرته «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين» التابعة للأمم المتحدة، حول تصورات العودة بين اللاجئين السوريين، في مصر، ولبنان، والأردن، والعراق، بين يناير وفبراير (شباط) 2022، أن 30% من اللاجئين السوريين لم يفكروا في العودة إلى سوريا طيلة بقائهم في الخارج.

فقد بينت نتائج هذا السؤال: «هل تنوي العودة إلى سوريا خلال الـ12 شهرا القادمة؟»، أن 92.8% من اللاجئين لا يريدون العودة، بينما 5.6% لا يعرفون إذا ما كانوا يريدون ذلك، في حين أكد 1.7% فقط نيتهم للعودة إلى سوريا.

أمّا نتائج السؤال الذي طرح على اللاجئين، «ما هي خططك بما أنك لا تنوي العودة إلى سوريا في الفترة المقبلة 12 شهرًا»، فكانت أن 77% أجابوا سأبقى في البلد الذي أنا فيه حاليًا، و16% أجابوا بأنهم سينتقلون إلى بلد آخر، في حين أن 6% من اللاجئين السوريين لا يعلمون ما هي خططهم.

ويقول بدر المرقبي، لاجئ سوري في الأردن، إن فلسفة العقاب التي طبعت في أذهان السوريين منذ أحداث «مجزرة حماة» عام 1982 – وهي الفترة التي قمع فيها الأسد الأب ثورة الإخوان المسلمين آنذاك – تحول دون فكرة العودة النهائية للبلاد، فحتى التقارير والتصريحات الرسمية للمنظمات الدولية لا تشجع على ذلك، وآخرها حديث ممثل تركيا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليب لوكلير، والذي صرح بأن «الظروف في سوريا غير مناسبة لعودة الكثير من اللاجئين طواعية».

وفي سبتمبر (أيلول) 2021 حذرت منظمة «العفو» الدولية، اللاجئين السوريين من العودة؛ إذ قالت في تقريرها المعنون بـ«أنت ذاهب إلى الموت»، فذكر التقرير أن «قوات الأمن السورية عرّضت السوريين الذين عادوا إلى ديارهم بعد أن طلبوا اللجوء في الخارج للاعتقال والاختفاء والتعذيب، بما في ذلك العنف الجنسي».

ووثق التقرير سلسلة من الانتهاكات المروعة التي ارتكبها ضباط المخابرات السورية في حق 66 عائدًا، بينهم 13 طفلًا، ومن بين هذه الانتهاكات، وثقت المنظمة خمس حالات توفي فيها معتقلون في الحجز بعد عودتهم إلى سوريا، بينما لا يزال مصير 17 شخصًا مخفيًا قسريًا مجهولًا.

عربي

منذ شهرين
«العصا لمن عصا»: هل تدفع السويداء الآن ثمن حيادها السابق مع النظام السوري؟

وأشار التقرير إلى أنه ربما تكون الأعمال القتالية العسكرية قد هدأت، لكن ميل النظام السوري للانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان لم يتوقف، فالتعذيب، والاختفاء القسري، والاحتجاز التعسفي، أو غير القانوني، الذي أجبر العديد من السوريين على طلب اللجوء في الخارج منتشر كما كان دائمًا في سوريا، وعلاوة على ذلك فإن حقيقة فرارهم من سوريا كافية لتعريض العائدين لخطر استهدافهم من طرف السلطات السورية.

وفي إحدى الشهادات التي سردها التقرير، قال ضابط المخابرات الذي اغتصب إحدى العائدات من لبنان، قال لها: «هذا للترحيب بك في بلدك، إذا خرجت من سوريا مرة أخرى وعدت مرة أخرى، فسوف نرحب بك بشكل أكبر»، إذ استخدم ضباط المخابرات التعذيب لإكراه المحتجزين على الاعتراف بجرائم مزعومة، أو لمعاقبتهم على ارتكاب جرائم لم يسمعوا بها من قبل، أو لمعاقبتهم على معارضة النظام.

ويبدو أن قناعة السوريون، ومنهم بدر المرقبي، بخطورة الاستقرار في سوريا لم تتغير، ففي يناير 2021، خلصت دراسة بعنوان «ما بين الاندماج والعودة واقع اللاجئين السوريين الجدد في أوروبا»، لمنظمة «اليوم التالي» – وهي منظمة سورية مقرها تركيا تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية – بأنه من أصل 1600 لاجئ أبدى 500 منهم رغبتهم في زيارة سوريا في حال سنحت لهم الفرصة، بالمقابل رفض ثلثا العينة العودة للاستقرار في سوريا، رابطين قرار العودة بتغيير سياسي في البلاد، وهو الشرط الأساسي للعودة لدى غالبية من يودون العودة.

القتل على «بيضة».. الحرب هدأت والسلام لم يبدأ بعد

«تخيل القتل بسوريا صار مشان بيضة، أو تخطف لمجرد إنك عايش في الخارج، أو تكون قاعد بالبيت ويجي أقرب الناس يسرقك» *عاطف الزعبي، مغترب سوري في الإمارات لـ«ساسة بوست».

إذا نظرنا في نصائح السفر إلى سوريا، فإن مكتب تنسيق المنظمات الأجنبية الفيدرالية «FCDO» التابع لوزارة الخارجية البريطانية، ينصح بعدم السفر إلى سوريا، ويدعو الأجانب لمغادرة البلاد بأية وسيلة عملية؛ إذ يشير المكتب إلى أن الوضع في سوريا لا يزال متقلبًا وخطيرًا، وحتى في تلك المناطق التي لا يملك فيها النظام أي نوع من السيطرة، خاصة في الجزء الشمال الشرقي والغربي من البلاد، التي تعد منطقة محظورة تمامًا للسياح.

Embed from Getty Images

إحدى المخاطر التي يتحدث عنها اللاجئون، هي تلك التي تتعلق بالأمان الداخلي، فعلى الرغم من سيطرة النظام السوري فعليا منذ عام 2018 على أجزاء واسعة من البلاد، وانحسار المناطق المعارضة له في الشمال الشرقي – المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد – والشمال الغربي – المنطقة التي تسيطر عليها المعارضة السورية المدعومة من أنقرة، إلا أن مستوى الأمان لا يزال شبه معدوم.

ويقول عاطف الزعبي، مغترب سوري في الإمارات لـ«ساسة بوست»: «في درعا وحدها تعرض العديد من اللاجئين العائدين إلى مناطقهم للاختطاف من أجل فدية مالية، إذ تعتقد العصابات هناك أن المغتربين في الخارج لديهم أموال كثيرة، مشيرًا إلى أن أحد أقاربه تعرض للخطف في ديسمبر (كانون الأول) 2021، بعد أيام من وصوله من دولة الإمارات، وأفرج عنه بعد دفع فدية قيمتها 100 ألف دولار».

وعلى الرغم من عدم توفر إحصاءات دقيقة لعدد المخطوفين في محافظة درعا، فإن حوادث الخطف تتكرر بوتيرة تصاعدية منذ سيطرة النظام وحلفائه على المنطقة، إذ قالت مصادر لـ«الجزيرة» إن «معظم أفراد عصابات الخطف كانوا مجنَّدين سابقين في مليشيات وأجهزة أمنية تابعة للنظام، وبعد تسريح بعضهم، وقطع رواتبهم، وانخفاض القوّة الشرائية لرواتب آخرين منهم، شكلوا عصابات مناطقية معتمدين على أسلحتهم التي تسلّموها عند انتسابهم إلى تلك الأجهزة».

وعطفًا على ذلك فإن ثقافة الخطف في سوريا، لم تعد تنحصر في العصابات فقط، فبحسب تقارير إخبارية فقد تحول الخطف إلى ظاهرة شائعة بين العائلة نفسها من أجل الحصول على الأموال، أشهرها ما حصل في دمشق، عندما ادعى شاب خطفه، لسرقة مبلغ 50 مليون ليرة سورية من والده.

لذا يقول الزعبي، الذي زار سوريا لمدة 15 يومًا في مايو 2022: إن عدم تفكيره بالاستقرار سببه المخاوف بشأن السلامة الجسدية التي تفاقمت داخل المجتمع نفسه في سوريا، مضيفًا: «يجب أن تضع في اعتبارك أنه على الرغم من وجود العديد من الحواجز التي يقيهما جيش النظام السوري على الطرق، فإن حركة المرور غير آمنة مع وجود الكثير من العوامل التي تؤثر على جودتها، فهناك احتمالات عالية للغاية أن يجري استهدافك من قبل مجموعات مسلحة من أجل السرقة».

كما أن للأخبار التي تسرد حوادث القتل دورًا في استبعاد فكرة الاستقرار، ففي نظر الزعبي «لا تبشر بالخير»، فالحادثة التي شهدتها قرية «هنيدة» بريف الرقة الغربي، في 17 يونيو 2022، تشير في رأيه إلى أن مستوى الجريمة عالٍ الخطورة بالنظر إلى أسبابها؛ إذ أقدم رجل على قتل عائلة بأكملها مكونة من أب وأم وثلاثة أطفال، بعد شجار بين أطفاله وأطفال العائلة الأُخرى، بسبب بيضة دجاجة.

وبالنظر إلى حوادث السرقة فقد زادت معدلاتها في سوريا مؤخرًا؛ إذّ سجلت منطقتا العباسيين والتجارة في دمشق عشرات حالات السرقة خلال أسبوع واحد في شهر فبراير 2022، كما استهدفت معظم العمليات السيارات، عبر خلع أقفالها، وسرقة مسجلات، ومرايا، وإطارات.

شبح الجوع يهدد الجميع

«المجازفة بالعودة الدائمة إلى سوريا يعني الانتحار، تخيل عائلة بلا معيل كيف ستعيش في دولة غلاء الأسعار فيها يومي، ولا يوجد دعم للمواطن» *مرام قاوقجي، لاجئة سورية في لبنان لـ«ساسة بوست».

الحقيقة الواضحة لجميع السوريين، أن الحرب هدأت في سوريا لكن البلاد لم تصل إلى حالة السلام، فأهم مقومات الحياة الاقتصاد لا يزال منهارًا بسبب الصراع المستمر، ونتيجة لذلك، ووفقًا للتقرير العالمي حول أزمة الغذاء، هناك أكثر من 12 مليون مواطن يعيشون حالة انعدام الأمن الغذائي في سوريا، وتُعرِّف منظمة الأغذية والزراعة انعدام الأمن الغذائي بأنه الافتقار إلى الوصول المنتظم إلى ما يكفي من الغذاء الآمن والمغذي للنمو الطبيعي والتطور وحياة نشطة وصحية.

وتقول مرام قاوقجي، لاجئة سورية في لبنان: إن «الحقيقة التي تكررت يوميًا على مدى السنوات القليلة الماضية في سوريا تقشعر لها الأبدان، فتخيل في العاصمة دمشق يستفيق الرجال والنساء منذ ساعات الفجر، من أجل الوقوف في الطوابير لساعات حتى يحين دورهم لتلقي بضعة أرغفة من الخبز أو كيلو من الأرز».

وفي هذا السياق قال مستشار السياسات لحالات الطوارئ الإنسانية في منظمة «أوكسفام» الإيطالية، باولو بيزاتي، إن «ستة من كل 10 سوريين لا يعرفون حرفيًا كيفية الحصول على الطعام – ففي المنطقة المحيطة بدمشق يبحث الأطفال عن شيء يأكلونه في القمامة، وللبقاء على قيد الحياة، وتقع العديد من العائلات في الديون، أو تقرر إرسال أطفالها إلى العمل، فضلًا عن تقنينها لعدد الوجبات، يعيش 90% من سكان البلد تحت خط الفقر، ووصل معدل البطالة إلى 60% والحد الأدنى للأجور الشهرية في القطاع العام هو 26 دولارًا»، وهذا المبلغ لا يغطي سوى 76.6% من الثمن اللازم للأسرة لتناول الخبز فقط.

اقتصاد الناس

منذ شهرين
الحرب في أوكرانيا والشقاء في سوريا.. كيف يتدبر السوريون أمورهم؟

فمنذ الأول من فبراير 2022 أعلنت حكومة النظام السوري استبعاد ما يقرب من 600 ألف أسرة من برنامج الدعم الخاص بها؛ أي ما يقرب من 3 ملايين شخص في المجموع (على أساس متوسط ​​خمسة أو ستة أفراد لكل أسرة سورية)؛ وهو ما أدى لتدهور الوضع المعيشي لهؤلاء الذين سقطوا من حسابات الدولة، ليأتي يوم 24 فبراير 2022، تاريخ بدء الحرب الأوكرانية؛ ليتسبب في رفع الأسعار بصورة أكبر.

وقبل قرار رفع الدعم، كان احتياج الأسرة السورية يتطلب نحو 200 ألف ليرة سورية (ما يعادل 79.6 دولارًا أمريكيًّا) شهريًّا لشراء السلع بما فيها المدعومة، لكن الآن تحتاج العائلة، لشراء السلع بأسعار غير مدعومة، إلى أكثر من 600 ألف ليرة سورية (ما يعادل 238.9 دولار أمريكيّ) للحصول على هذه العناصر نفسها، وفقًا للصحف الموالية للنظام السوري.

فقد كانت أزمة الحرب الروسية على أوكرانيا، سببًا في إعلان «برنامج الأغذية العالمي» التابع للأم المتحدة، في مايو 2022، أن الجوع في سوريا يبلغ مستويات تاريخية، والملايين على شفير الهلاك، فما يقرب من 90٪ من العائلات السورية تتبنى إستراتيجيات تأقلم سلبية للبقاء على قيد الحياة، عبر تقليل كمية الطعام الذي يأكلونه، وشراء أقل، والدخول في الديون لشراء الأساسيات.

وبحسب مرام، فليس الجوع فقط ما يهدد قرار استقرار السوريين في بلادهم، فمن خلال زيارتها لمدينة دمشق في يونيو 2022، والتي استمرت لأسبوع، فإن البنية التحتية غير مؤهلة للعيش، فالكهرباء تقطع في بعض المناطق لمدة 22 ساعة في اليوم، والمياه يصعب وصولها إلى البيوت بسبب انقطاع الكهرباء، وحتى تطبيقات الجوال التي تعد متنفس للناس مثل تطبيق «تيك توك» الصيني، لا تفتح بسبب ضعف الإنترنت، فضلًا عن مشاكل عدة من ضمنها أزمة النقل والمواصلات بسبب ندرة الوقود في محطات الوقود.

التغييرات الديموغرافية أثرت على النسيج المجتمعي

خلصت دراسة لمنظمة «اليوم التالي»، نشرت في يناير 2022، في إحدى نتائجها إلى وجود صلة مباشرة بين «اتفاقات المصالحة» التي فرضها النظام برعاية روسيا على المناطق التي سيطر عليها مثل درعا وحمص وريف دمشق، والتغيير الديموغرافي، إلى أن إخلاء بعض المناطق من سكانها كان هدفه تنفيذ خطط النظام الرامية إلى استبدال هيكل ديموغرافي جديد يتوافق مع تصورات حلفائه.

التغيير في النسيج المجتمعي وأثره على العودة المستدامة للاجئين السوريين، وفق حديث الباحثة في شؤون اللاجئين والمحاضرة في جامعة «كاربوك» التركية، لينا الزعبي، لـ«ساسة بوست» تعود أسبابه للدمار الواسع الذي تسببت به الآلة الحربية للنظام السوري، واضطرار العديد من السكان للنزوح داخليًا والإقامة في بيوت هجرها أصحابها إلى خارج البلاد، أو الاستئجار في محافظة أخرى، وهذا على مر السنوات السابقة، خلق عادات وتقاليد جديدة دخلت على أبناء المنطقة الأصلية.

وتشير لينا، في حديثها لـ«ساسة بوست»، إلى أن العديد من اللاجئين، وحتى المنحدرين من نفس البقعة الجغرافية، يبدون انزعاجهم من تغيير الهوية المكانية لمناطقهم، وسبب ذلك أن النسيج المجتمع في سوريا هو في الغالب قبلي وعشائري، فعلى سبيل المثال قرية المسيفرة في ريف درعا، والتي تبلغ مساحتها 168.43 كم²، كانت تقطنها 30 ألف نسمة من عائلات محددة، جميعهم أقارب وأنساب في ذات الوقت، ولكن بعد موجات النزوح خلال الأعوام السابقة، يعيش الآن في القرية التي حوالي 60 ألف نسمة من مناطق مختلفة من سوريا.

هذه الحالة، ومع عدم قدرة الملّاك على استعادة بيوتهم بسبب ندرة البيوت في سوريا وارتفاع أجرتها، أثرت على قرارات اللاجئين بالعودة والاستقرار، لا سيما أن سكان سوريا الحاليين ينظرون بريبة إلى الأشخاص العائدين، والسبب هو أن بعضهم يقيم في مساكن مهجورة معتقدين أن أصحابها لن يرغبوا في يوم ما العودة إليها.

وبالفعل قد لا يتمكن الكثير من السوريين من العودة إلى ديارهم لأسباب مختلفة، لكن في المحادثات التي أجراها «ساسة بوست»، يعرب الكثير منهم عن شوق عميق لبلدهم، وإلى أن تتحسن الأمور في يوم من الأيام، فإنهم يرغبون في العودة إلى وطنهم، ولكن لا أحد منهم يعرف متى قد يكون ذلك، إلا أن الشيء المتفق عليه هو العودة بزيارة خاطفة لزيارة من تبقى من الأهل، دون التفكير بعودة مستدامة في الوقت الحالي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد