في مطلع مايو (أيار) 2022 أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تحضير بلاده لمشروع يتيح العودة الطوعية لمليون لاجئ سوري إلى بلادهم، وجاء ذلك خلال مشاركته عبر رسالة مصورة في مراسم تسليم منازل مبنية من الطوب في إدلب السورية.

وفي بداية يونيو (حزيران) 2022 لوّح أردوغان أمام البرلمان التركي بشن عملية عسكرية على بلدتين في شمال سوريا تستهدف مقاتلين أكرادًا تعتبرهم أنقرة «إرهابيين»، وكان قد شدد بالاتفاق مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في أواخر مايو 2022 على ضرورة إنشاء «المنطقة الآمنة» على طول الحدود السورية-التركية.

واقترحت تركيا إنشاء «المنطقة الآمنة» في الشمال السوري لأول مرة في مايو 2013، وذلك خلال زيارةٍ للرئيس رجب طيب أردوغان إلى واشنطن، وذلك بهدف توفير ما تعتبره «ملاذًا آمنًا» للاجئين السوريين، وكذلك بهدف حماية حدودها من التهديدات الأمنية التي تمثلها «وحدات حماية الشعب» التابعة لقوات «سوريا الديمقراطية» المدعومة أمريكيًا، وحسب تصريحٍ للرئيس التركي، في مايو 2022، فإن نحو 500 ألف سوري عادوا إلى «المنطقة الآمنة» التي وفرتها تركيا منذ إطلاق عملياتها في سوريا عام 2016.

وفي هذا الصدد يقول الصحافي السوري بتلفزيون سوريا المعارض، عمر الحريري، لـ«ساسة بوست»: «مع انشغال أمريكا وروسيا بالحرب في أوكرانيا، وهي الحرب التي ألقت بظلالها على الواقع السوري وغيّرت الكثير من عناصر المعادلة في سوريا، بفعل انسحاب جزء من القوات الروسية، أصبح المجال مفتوحًا لأنقرة لفرض سياستها في شمال سوريا، بعد أن كان تنفيذ هذه السياسات مقتصرًا على مخرجات مؤتمرات (آستانا) و(سوتشي) التي يجتمع فيها كلٌّ من إيران، وروسيا، وتركيا».

إذ أتاحت التطورات – الحاصلة حاليًا على الساحة الدولية – لتركيا المضي قُدمًا في «المعركة الوشيكة» في الشمال السوري، كما سمحت التطورات نفسها لرئيس أردوغان بتنفيذ أهدافه، سواء على المستوى المحلي لكبح جماح غضب الشارع التركي من وجود السوريين داخل بلادهم الذي تغذيه بعض أحزاب المعارضة التركية.

كما يرغب الرئيس التركي في تحقيق انتصارٍ عسكري على القوى الكردية السورية التي تتهمها أنقرة بأنها تهدد أمنها القومي، خاصة بعد أن رفعت الولايات المتحدة الأمريكية في 11 مايو 2022 العقوبات عن شمال سوريا، ومن ضمنها المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في الشمال الشرقي للبلاد، وهو ما يمنح القوى الكردية قوةً اقتصادية سرعان ما سيجري ترجمتها سياسيًا وعسكريًا، ولكن كيف ينظر السوريون إلى هذه المعركة؟ وإلى ما ترمي إليه من إنشاء المنطقة الآمنة في الشمال السوري؟

«المنطقة الآمنة» ما الذي يدفع أنقرة لخوض معارك جديدة في سوريا؟

في تقرير له والذي حمل عنوان «كيف غيرت سوريا سياسة تركيا الخارجية»، يرى الباحث في مركز «كارنيجي أوروبا» للدراسات، «فرانشيسكو سيكاردي»، أن الإستراتيجيات التي استخدمتها تركيا في سوريا عززت صورة البلاد ودورها الدولي؛ إذ ضمنت هذه العمليات مقعدًا لتركيا على طاولة المفاوضات مع روسيا والولايات المتحدة، واستخدمت أنقرة هذه الأدوات، وهذه الدروس المستفادة، وكذلك قدراتها الجديدة، لتوجيه موقفها في السياسة الخارجية، وفي ظل التركيز على الانتخابات الرئاسية في البلاد لعام 2023، فإن تركيا ستواصل استخدام هذه الأدوات لتعزيز مكانتها على الساحة الدولية.

Embed from Getty Images

احتفالية للجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا

فمنذ عام 2016 شنت أنقرة بالتعاون مع «الجيش الوطني السوري» المعارض الذي تدعمه، ثلاث عمليات عسكرية في الشمال السوري، كان الهدف منها القضاء على «وحدات حماية الشعب» الكردية و«قوات سوريا الديمقراطية» التي ترى فيهم أنقرة واجهة لحزب «العمال الكردستاني» الذي تصنفه علي «قوائم الإرهاب»، بالإضافة للقضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» الذي كان يسيطر على بعض المدن بالقرب من حدودها.

وسميت الأولى بـ«عملية درع الفرات» (بين مدينتي: أعزاز، وجرابلس) عام 2016، وأطلقت على العملية الثانية «غصن الزيتون» التي سيطرت فيها على مدينة (عفرين) عام 2018، فيما كانت الأخيرة عملية «نبع السلام» (بين مدينتي: تل أبيض ورأس العين) عام 2019.

ويأتي تلويح الرئيس التركي بالعملية الجديدة بعد نحو ثلاثة أعوام من توقف العمليات العسكرية في سوريا، والتي فرضتها اتفاقية «خفض التصعيد» (بهدف وقف المعارك في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري)، والتي جرى توقيعها بين موسكو وأنقرة في مارس (آذار) 2020، وفيها حظيت المعارضة السورية بالسيطرة على مناطق: إدلب، وعفرين، وشمال حلب، بالإضافة إلى المناطق التي تقع في الشمال الشرقي لنهر الفرات، والتي تسمى «نبع السلام» نسبة لاسم المعركة التي شنتها تركيا آنذاك.

أما المناطق الأخرى التي لا تقع تحت سيطرة النظام السوري، والتي دخلت ضمن الاتفاقية، فكانت في شمال وشرق سوريا، والتي يسيطر عليها الأكراد في: دير الزور، والحسكة، والرقة، بالإضافة إلى مدينة منبج، وتل رفعت، بريف حلب، ولكن تركيا اشترطت أن ينسحب منها أنصار حزب «العمال الكردستاني»، وهو أمر تلوح به تركيا دومًا من أجل الوصول إلى هذه المناطق الداخلة ضمن المخطط التركي لـ«المنطقة الآمنة» في شمال سوريا.

وقد جاء التلويح بالعملية العسكرية بعد عدة تطورات سياسية سواء في الداخل التركي أو على المستوى الخارجي؛ إذ عاد الحديث عن إعادة اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلادهم منذ بداية مايو 2022، وذلك في خضم الدعاية المتعلقة بالانتخابات المحلية التي ستشهدها البلاد العام المقبل.

إذ بدأت المعارضة التركية بتسخين الملف من خلال بثها لفيلم «الغزو الصامت» ذو النزعة القومية، والذي صوّر اللاجئين السوريين كونهم المتحكمين في البلاد، وأنهم السبب في زيادة معدلات البطالة وتفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد؛ مما شكل ضغطًا على حزب «العدالة والتنمية» الحاكم.

وعلى صعيد آخر كان لقرار رفع العقوبات الذي أعلنت عنه وزارة الخزانة الأمريكية في مايو 2022 حافزًا لإعادة الشروع في إنشاء «المنطقة الآمنة» التي تطالب بها تركيا منذ عام 2013؛ إذ يعتقد الصحافي السوري عمر الحريري أن أنقرة رأت أن القرار يعزز وجود الأكراد في شمال شرق سوريا، بعد أن سمحت الولايات المتحدة ببعض الاستثمارات الأجنبية في مناطق بشمال سوريا الخارج عن سيطرة النظام السوري، عدا مدينة إدلب، التي تسيطر عليها «هيئة تحرير الشام» المصنفة منظمة «إرهابية» على لوائح العقوبات الأمريكية، بالإضافة لمدينة عفرين التي يسيطر عليها «الجيش الوطني السوري» الذي تدعمه تركيا منذ عام 2018.

استثمار تركي في أوراق السياسة الدولية

في 22 مايو 2022 قال مجلس الأمن القومي التركي في بيان صحافي نقلته «رويترز»: إن العمليات العسكرية التركية الحالية و«المستقبلية» على طول حدودها الجنوبية ضرورية لأمن البلاد، لكنها لا تستهدف سيادة جيرانها، وترك البيان الباب مفتوحًا أمام احتمال أن يفي الرئيس التركي بالتهديدات التي وجهها بشن هجوم جديد يستهدف القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في شمال سوريا.

Embed from Getty Images

القوات التركية في سوريا

ومن جانبه يقول الصحافي السوري بموقع «أروينت» المعارض عقيل حسين، لـ«ساسة بوست»: إن «تركيا فاجأت الجميع بالتحدث عن هذه العملية التي من الواضح أنها كانت بمثابة استثمار في الوقائع والظروف التي أُتيحت لها بسبب مطالبة السويد وفنلندا بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، فضلًا عن اشتداد المنافسة الروسية الغربية للفوز بأنقرة في المعركة بين الطرفين في أوكرانيا، وعلى اعتبار أن كلًا من فنلندا والسويد يرعيان حزب الاتحاد الديمقراطي، لذا رأت أنقرة أنه يمكن أن تحصل على شيء مفيد فيما يتعلق بخططها الموجودة دائمًا لإتمام المنطقة الآمنة على حدودها الجنوبية مع سوريا».

ومن جهته يرى الخبير الإستراتيجي، وعضو اللجنة الملكية الأردنية لتحديث المنظومة السياسية، الدكتور عامر السبايلة، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: إن «هناك فرصة لتركيا تتشكل في جزئية رفض دخول فنلندا والسويد إلى حلف الشمال الأطلسي فيما يتعلق بصمتٍ غربي عن المعركة القادمة في الشمال السوري مقابل موافقتها على دخول فنلندا والسويد إلى «الناتو»، بسبب تغير الأولويات الغربية في موضوع الحرب في أوكرانيا والانشغال الروسي، وأيضًا حاجة الولايات المتحدة لأن يكون «الناتو» متحدًا، وفي عدة ملفات أخرى؛ مما يعطي مساحة كبرى لتركيا لتقوم بمثل هذه المناورة».

عربي

منذ 8 شهور
مناورة لموسكو! ماذا يعني رفع العقوبات الأمريكية عن شمال سوريا؟

ومن جهته يشير المحلل السياسي الأردني، الدكتور منذر الحوارات، في حديثه لـ«ساسة بوست»، إلى أن «تركيا تحاول أن تستثمر الأوراق الإقليمية والدولية التي أتيحت لها خلال الفترة الأخيرة في الحرب الأوكرانية، وأن تعظم من دورها في إطار الوساطة بين الطرف الروسي والطرف الأوكراني، وكذلك تحاول الاستفادة من طلب بعض الدول الأوروبية الانضمام لحلف الناتو، ووضع الفيتو في يدها».

وبالتالي ووفقًا لمنذر الحوارات فإن أنقرة ستحاول بقدر الإمكان أن تستثمر هذا الفيتو حتى تحقق أكبر قدر من مطالبها، قبل أن توافق أو تحسم خيارها في هذا المجال، وعن الموقف الأمريكي حول العملية العسكرية التركية، أوضح المحلل السياسي الأردني، أنه رغم رفض واشنطن القاطع لأي عملية عسكرية في سوريا، لا سيما أن إدارة الرئيس الجديد جو بايدن غير متساهلة تجاه أردوغان، مثلما كانت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، إلا أن الأمور ستؤول إلى عملية عسكرية محدودة كحل وسط بين الأطراف كافة، على ألا تتوغل تركيا في سوريا بمستويات عميقة.

كما يعتقد الحوارات أن عملًا عسكريًا تركيًا محدودًا في سوريا الآن، سيعطي الحكومة التركية وحزب العدالة مزيدًا من الأصوات في الصناديق، ويحقق ولو جزئيًا ضغطًا تركيًا على الأطراف الدولية، بأنها حاضرة في كل الملفات، وقادرة على أن تؤثر بشكل كبير في كل هذه الملفات.

وفي المقابل تلخّص الموقف الأمريكي حول العملية العسكرية التركية في سوريا، على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، في الإدانة والشعور بالقلق العميق، والتحذير من العملية العسكرية القادمة.

ومن جانبه فسّر المحلل السياسي والعضو في الحزب الديمقراطي الأمريكي، مهدي عفيفي، في حديثه لـ«ساسة بوست»، اقتصار الرفض الأمريكي على الجانب الإعلامي دون تهديد بعقوبات أو تحرك رسمي ضد تركيا)، بارتباط السياسات الأمريكية بالتوقيت الحرج الذي تتحرك فيه واشنطن، قائلًا: «إدارة بايدن حريصة أكثر من ألا يكون هناك صراع في هذه المنطقة، وحريصة أيضًا على أن تلتزم تركيا بكل الاتفاقيات السابقة، وأيضًا ألا يكون هناك محاولة استغلال للوضع الحالي في الحرب بين روسيا وأوكرانيا من جانب تركيا في الدخول على خطوط أخرى، مثل الضغط على فنلندا لتسليم الأكراد الذين تؤويهم».

كسب ود أنقرة.. لماذا تدعم روسيا «المنطقة الآمنة»؟

«نأخذ بعين الاعتبار قلق أصدقائنا الأتراك حيال التهديدات التي تشكلها القوى الأجنبية على حدودهم» *وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف.

يعتقد بعض المتخصصين في الشأن السوري، أن إعادة التموضع والانسحاب الروسي من سوريا، بحكم انخراط موسكو في الحرب بأوكرانيا، مهما كان حجمه ونطاقه، سوف يمثل نقطة تحول في الواقع السوري، وأنه سيشعل شرارة سباق لملء الفجوة التي خلفتها موسكو في البلاد.

وفي هذا السياق اجتمع، وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، ونظيره الروسي سيرجي لافروف، في المجمع الرئاسي، بالعاصمة أنقرة في الثامن من يونيو (حزيران) 2022؛ بحث الطرفان ملفات إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك، أبرزها فتح ممر تجاري آمن عبر موانئ البحر الأسود يشمل مرور الحبوب، كما بحثا تطورات الحرب الروسية الأوكرانية.

وكان تشاووش أوغلو، استبق الاجتماع بتصريح في مؤتمرٍ صحافي للوزيرين، قال فيه: «يجب تطهير سوريا من التنظيمات الإرهابية التي تهدد وحدة أراضيها وأمن تركيا»، فيما أشار الوزير الروسي إلى أن موسكو تؤيد ضمنيًا العملية العسكرية التركية في سوريا، فذكر لافروف أن «الولايات المتحدة ترعى عدة تنظيمات في سوريا بشكل غير قانوني»، لكن تركيزه كان منصبًا نحو فتح ممرات في البحر الأسود للسفن الروسية.

Embed from Getty Images

القوات التركية في الشمال السوري

وفي هذا السياق يقول الصحافي السوري عقيل حسين: «منذ إطلاق المسؤولين الأتراك تهديداتهم الأخيرة، وتحديدًا الرئيس رجب طيب أردوغان للهجوم على منبج وتل رفعت، كان واضحًا أن مناطق سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» التي تنشط فيها القوات الروسية هي الوجهة الأرجح، فالولايات المتحدة ستغض الطرف غالبًا عن هجوم تركي غرب الفرات، حيث لا وجود لقواتها، ولروسيا مصلحة في ذلك من أجل الضغط أكثر على «قسد» لدفعها إلى حضن النظام، ولكسب تركيا فيما يخص وقف توسيع حلف الناتو والعقوبات الغربية المفروضة عليها.

فبعد أن منعت تركيا مرور السفن البحرية الروسية في 28 فبراير (شباط) 2022 عبر البحر الأسود، وأغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الروسية المتجهة إلى سوريا، لم تتخذ روسيا أي إجراء انتقامي، طمعًا في جر أنقرة إلى صفها.

كما قالت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في مؤتمر صحافي في أبريل (نيسان) 2022: إن «موسكو تتفهم قرار أنقرة إغلاق المجال الجوي التركي أمام الطائرات الروسية المتجهة إلى سوريا»، لذلك ليس من المستغرب أن يؤيد الكرملين قرار العملية العسكرية التركية في سوريا مقابل السماح لروسيا بتفعيل السفن التجارية كخطوة أولية.

ومما يؤكد دعم موسكو ولو بشكل غير مباشر بعض الإجراءات التركية في سوريا، أنه في مقابلة مع صحيفة «Aydınlık» التركية، وصف رجل الأعمال المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين، يفجيني بريجوزين، هجمات أنقرة على المقاتلين الأكراد في العراق وسوريا، بـ«حرب مقدسة للجيش التركي».

ويبدو أن تركيا تعي أن روسيا مشغولة بالحرب الطويلة في أوكرانيا، وقد لا يكون لديها الوقت والموارد لمنع توغل تركي جديد، ولا الشرعية السياسية للاعتراض عليه نظرًا لعملياتها في دونباس، ويظهر ذلك بعدم اتخاذ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، موقفًا إيجابيًا أو سلبيًا من العملية التركية، وذلك خلال مكالمة هاتفية جمعته مع الرئيس التركي في 30 من مايو 2022، حين أوضح أردوغان أن إنشاء «المنطقة الآمنة» على الحدود الجنوبية لبلاده بعمق 30 كيلومترًا بات «ضرورة ملحة».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه وبحسب مصادر لـ«المرصد السوري لحقوق الإنسان»، فقد عززت روسيا قاعدتها في مطار القامشلي بطائرات ومروحيات وصواريخ مضادة للطائرات، فيما لم تعزز المناطق التي تنوي تركيا الدخول إليها بقواتها العسكرية، وقالت المصادر نفسها إن القوات الأمريكية موجودة أيضًا على الجهة الجنوبية لتلك المنطقة.

المنطقة الآمنة في عيون السوريين.. ملاذ أم فصل جديد من الآلام؟

يظهر أن تركيا تشعر الآن بالثقة في قدرتها على تجديد محاولتها للسيطرة الكاملة على بعض المناطق في شمال سوريا، لدرجة أن أردوغان أعلن عن العملية علنًا بخلاف المرات الثلاث السابقة، كما أشار الرئيس التركي أمام اجتماع لحزبه الحاكم في البرلمان إلى أن تركيا ستستهدف مبدئيًا مدينتي: منبج، وتل رفعت، غربي كوباني (عين العرب).

Embed from Getty Images

القوات التركية في الشمال السوري

وفي المقابل قالت رئيسة اللجنة التنفيذية لـ«مجلس سوريا الديمقراطية» (أحد الأذرع الرئيسة للإدارة الكردية في شمال شرق سوريا) إلهام أحمد في تصريح لموقع «المونيتور»: «لم يقدم المسؤولون الأمريكيون ولا الروس ضمانات أمنية ردًا على تهديدات تركيا».

بينما انقسم السوريون بين مؤيد ومعارض لمشروع إعادة أكثر من مليون لاجئ سوري في تركيا إلى الأراضي السورية خلال الشهور المقبلة، إذ يقول الصحافي في موقع «الحل نت»، والذي يقطن في إدلب، عبد الرزاق الأحمد، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: إن «هذه العملية وتوقيتها، بعد أن استنشق السوريون طعم الهدوء بعد توقف القصف والتهجير منذ سنتين، لا تخدم السوريين في مناطق المعارضة، إذ استغلت قوات النظام التهديدات التركية وبدأت في تكثيف قصفها على مناطق خفض التصعيد في جبل الزاوية، وربما يستغل النظام السوري ذلك في السيطرة على بعض المناطق بريف إدلب.

ويشير الأحمد في حديثه لـ«ساسة بوست»، إلى أن «النازحين في مناطق المعارضة السورية، وخصوصًا في إدلب، يرون أن تنفيذ عملية عسكرية تركية يجب أن تكون في المناطق التي سيطر عليها النظام خلال الفترة السابقة، أما إنشاء المنطقة الآمنة في شمال سوريا، فهو برأيهم يخدم مخطط تغيير ديموغرافي في المنطقة في إشارة إلى تهجير السكان الأصليين من الأكراد وتوطين نازحين سوريين من مناطق أخرى في بلداتهم كما حصل في عفرين».

وبدوره يعتقد عبيدة الرفاعي (وهو لاجئ سوري متواجد في ولاية غازي عينتاب التركية) في حديثه مع «ساسة بوست» أنه «إذا ما سيطرت تركيا فعليًا على المناطق التي تنوي بدء المعركة فيها، فإن ذلك سيعزز من إجراءات الترحيل القسرية التي يتعرض لها اللاجئون السوريون في تركيا».

وفي المقابل يؤيد البعض الآخر العملية العسكرية، لا سيما المهجرون منذ سبع سنوات، من مدينة تل رفعت والقرى المجاورة لها، إذ خرج المئات بمظاهرات تطالب بتحرير مناطقهم من قوات «قسد»، ويذكر في هذا السياق أن أكثر من 250 ألف نسمة من أهالي مدن: تل رفعت، والشيخ عيسى، ومنغ، والعلقمية، والقرى المجاورة، لجأوا في فبراير 2016، إلى مدن أعزاز، وعفرين، والباب بريف حلب، عقب سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» على المنطقة بدعم وإسناد جوي روسي، وحولتها إلى منطقة عسكرية متاخمة لمنطقة العمليات التركية «درع الفرات»، وفصائل «الجيش الوطني السوري» المدعوم من أنقرة.

كما تعارض منظمة «هيومان رايتس ووتش» إنشاء «المنطقة الآمنة»، ونوهت بأن المنطقة التي تقترحها تركيا «لن تكون آمنة تمامًا»، وتنذر بخلق دفعات جديدة من المدنيين المهجرين في غياب بنية تحتية مناسبة لإيواء هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين العائدين، حسب تصريح المنظمة.

مضيفة أن «هناك أيضًا خطر اختلاط عناصر من المقاتلين بالمدنيين؛ ما يحوّل المناطق الآمنة إلى أهداف عسكرية مشروعة، وأن المدنيين خارج المنطقة الآمنة قد يجري اعتبارهم هدفًا مشروعا أيضًا، وهذا ما يحدث في المناطق التي تدخلها تركيا، ويشترك فيها الجيش الوطني».

وتُعرّف المنظمة «المنطقة الآمنة» بأنها «منطقة تتوافق عليها الأطراف المتصارعة في نزاع ما، وتمتنع القوات المقاتلة عن دخولها أو شن هجمات عليها، وتختلف هذه المناطق من حيث المبدأ عن المناطق منزوعة السلاح، التي يُمنع فيها النشاط العسكري، ويُحظر الطيران فوقها، لكن ثمة رابطًا بين وجود هذين النوعين من المناطق».

لكن مؤشرات قرب المعركة تلوح في الأفق، إلا أن توقيتها لا يزال غير معلوم، فبحسب «وكالة الأناضول» التركية، نفَّذ حوالي 2500 عنصر «الجيش الوطني السوري» قبل أيام تدريبات عسكرية تضمنت تنفيذ تكتيكات الانتشار في المواقع على الخطوط الأمامية.

كما أن الحسابات المرتبطة بقوات المعارضة السورية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي كانت تنقل أخبار العمليات العسكرية السابقة، جرى تفعيلها بعد أن توقفت عن العمل منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، ويبقى السؤال هل ستمنح العملية العسكرية التركية والمنطقة الآمنة بعضًا من الأمان فعليًا للسوريين؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد