يعتبرَ بعضُ المؤرخين أن هزيمة صين التانج في معركة طلاس كانت نقطة فاصلة بينَ عصريْ القوة، والانحدار، في تاريخ أسرة التانج.

دائمًُا ما كانت قارة آسيا مسرحًا للأحداث الكبرى، يكتظُّ بالعديد من نقاط التماس الملتهبة بين القوى الكبرى على مدار التاريخ، فلا تكاد تنتهي جولة من الصدام، حتى تبدأ أخرى.

في السطور التالية سنعود إلى  ما يقرب 13 قرنًا إلى الوراء، حين دار رحى آخر صدامٍ عسكريِّ كبير بين حضارتيْن عُظميَيْن، هما الصينية والإسلامية، عام 751 من الميلاد، الموافق للعام 133 من الهجرة النبوية.

كانت إمبراطورية التانج المزدهرة تحكم الصين في تلك المعركة، وكانت في أوج قوتها، بينما كان الخصم الإسلامي هو الدولة العباسية التي كانت في عامها الأول.

كانت الدولة العباسية تمرُّ بطورٍ من السيولة الثورية الدموية، عقب انتصارها الساحق على الدولة الأموية وحلفائها في سلسلة من المعارك الدموية الكبرى، التي بدأت في عمق آسيا في منطقة خُراسان – إيران وأفغانستان حاليًا – ولم تنتهِ إلا بقتل آخر خليفة أموي بعد فراره مهزومًا إلى مصر.

أراد الصينيون استغلال الاضطراب الشديد الذي عصف بالدولة الإسلامية لسنوات من جرَّاء الثورة العباسية الهائلة، لكي يمدُّوا نفوذَهم أكثر فأكثر في أواسط آسيا، لاسيَّما في منطقة بلاد ما وراء النهر – تقع في أراضي أوزباكستان، وكازاخستان، وقيرغيزستان الحالية – التي ارتبط اسمها تاريخيًا بالفاتح المسلم الصارم قُتيبة بن مسلم في أوج قوة العصر الأموي، وتجلَّت أهميتها الحيوية في مرور جزءٍ من طريق الحرير التجاري الشهير عبرَها.

وقبل الحديث عن معركة طلاس الحاسمة يجب أن نعود قليلًا إلى خلفياتٍ تاريخية ضرورية عما كان يحدث في الصين وفي أراضي المسلمين.

أسرة التانج.. عملاق صيني في صفحة التاريخ والجغرافيا

خلال القرنيْن السابع والثامن الميلاديين، هيمنت إمبراطورية التانج الصينية على مساحاتٍ شاسعة من أراضي دولة الصين الحالية، إلى جانب أجزاء هامة من مناطق آسيا الوسطى. وقد تأسَّست تلك الإمبراطورية على يد القائد العسكري لي يوان عام 617 من الميلاد.

توسعت الإمبراطورية الصينية في القرن الأول من وجودها بشكلٍ كبير، خاصةً على حساب مناطق قبائل الجوتورك التركية في اتجاهيْ الغرب والجنوب.

كان من أبرز أباطرة تلك الأسرة، الإمبراطور شوانتسونج، الذي تجاوزت فترة حكمه الأربعين عامًا، بين عامي 712 و756 ميلادية، ويعتبر عصره من أكثر عهود تلك الأسرة ازدهارًا، لاسيَّما على الصعيديْن الفني والحضاري، فكان مولعًا بشكلٍ خاص بالموسيقى.

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/1/1e/Tang_XianZong.jpg

الإمبراطور الصيني شوانتسونج

لكن لم يشغلْه هذا عن فرض قوة الدولة وبسط سيطرتها بكافة الوسائل على أرجائها الفسيحة، ومواجهة أبرز الخصوم الإقليميين كإمبراطورية التبت، والقبائل التركية المنتشرة في أواسط آسيا كالإيغور والكارلوك، وكذلك الدولة الإسلامية في نسختيْها الأموية ثم العباسية.

شهد الجزء الأخير من عصر هذا الإمبراطور، موقعة نهر طلاس، التي كان سببها المباشر هو التمدد السريع لإمبراطورية التانج الصينية في أواسط آسيا.

اجتاحت الجيوش الصينية العديد من المدن المسلمة في تلك المناطق النائية، وأبادت بعضها، وسقط الآلاف من المسلمين بين قتيلٍ وأسير؛ مما دفع خصومها من المسلمين وسواهم لمواجهة هذا التغوُّل الصيني. لكن كيف كانت الأحوال على الجانب الآخر؟

الدولة الإسلامية.. ما بعد حرب الأمويين والعباسيين الكبرى

على الجانب الأخر، كانت الدولة الإسلامية تمر بمنعطَفٍ خطير بعد اندلاع الثورة العباسية العنيفة ضد الدولة الأموية عام 745 (127هـ).

استمرَّت الملاحم الدموية لسنواتٍ، نجح خلالها العباسيون بسطوةٍ بالغة في فرض سيطرتهم على معظم أرجاء العالم الإسلامي غربًا وشرقًا، من المغرب إلى أواسط آسيا، وبدأ سلطانهم الواسع ابتداءً من عام 750 (132هـ).

لكن تلك السيطرة التي فُرِضَت عسكريا بقيادة أبي مسلم الخراساني، قائد الثورة العباسية المثير للجدل، الذي لم يتورَّع عن قتل عشرات الآلاف من خصوم الثورة، لم تخلُ من التحديات الكبيرة في كافة الاتجاهات، حتى من بعض الثوار السابقين الذين لم تُرضِهِم أساليب أبي مسلم الاستئصالية.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
أبو مسلم الخراساني.. الخادم الفارسي الذي أقام دولةً فقتلته!

من أبرز تلك التحديات للثورة العباسية، كان تمرُّد الثائر السابق شريك بن شيخ المُهري في منطقة بُخارى في وسط آسيا، وقُدِّرَ عدد من تمردوا معه بالآلاف، وقد خرجوا اعتراضًا على ما رأوْهُ انحرافًا للثورة العباسية عن مسار العدل، وإغراق أبي مسلم الخراساني في سفكِ الدم باسم الحفاظ على الثورة ومكتسباتها.

أرسل أبو مسلم الخراساني على الفور الآلاف من القوات الموالية له لقمع ذلك التمرد، بقيادة زياد بن صالح الخُزاعي، الذي نجح في قمع ذلك التمرد قبل عامٍ فحسب من الاصطدام بالصينيين.

نال زياد بن صالح ولاية بُخارى وجوارَها مكافأةً له على انتصار، قبل أن يصبح لاحقًا قائد جيش المسلمين في مواجهة الجيش الصيني الغازي.

في الشهور التالية تتابعت النُّذُر إلى حواضر العباسيين في خُراسان والعراق، بتفاقم التوسع الصيني في المناطق الحدودية الإسلامية في بلاد ما وراء النهر.

أرسل أبو مسلم الخراساني – الذي كان مُطلق القوة والصلاحيات في عهد الخليفة العباسي الأول أبي العباس السفاح – تعزيزات عديدة إلى عامِلِه على تلك الثغور زياد بن صالح، الذي لم يُضِع الوقت، فبادرَ بمراسلة خصوم التانج من القبائل التركية في وسط آسيا، ومن أبرزهم قبائل الكارلوك، والذين سيلعب فرسانهم دورًا بارزًا في مواجهة العدو المشترك، كما راسَل أيضًَا إمبراطورية التبت، الخصمَ العنيد للتانج.

تكاثفت سحب المواجهة الكبرى في سماء آسيا، ولم تكن تحتاج لأكثر من شرارة لتندلع معركة طلاس.

الصدام الحتمي على ضفاف نهر طلاس

في العقود التي سبقت معركة طلاس، وقعت بعض المعارك الصغيرة بين المسلمين والصينيين، لا سيَّما في بلاد ما وراء النهر التي تقع على التماس بين الجانبيْن، وكان النصرُ حليف الصين في أكثرية تلك المواجهات، دون أن يُترجَم تلك الانتصارات إلى تغيرات ملموسة في الجغرافيا الكبرى أو حتى الصغرى.

لكن عندما وصلت أنباء الاضطراب الكبير الذي يعصفُ بالبلاد الإسلامية من جراء اندلاع الثورة العباسية ضد الأمويين إلى بلاط التانج، قرر الصينيون استغلال الفرصة، لتتوغَّل جيوشهم بضراوة في آسيا الوسطى.

عام 747 (129هـ)، هاجم جيشٌ صيني كبير، بقيادة جاو شيان تسي، الجزء الشمالي الغربي من إمبراطورية التبت المنافسة، واستولى على بعض المدن الهامة، وبدأت العديد من مدن المنطقة تعلن ولاءها للصينيين، وتقدم فروض الطاعة.

عام 750 من الميلاد، استغل الصينيون النزاع الشديد بين مدينتيْ فرغانة وطشقند – عاصمة أوزباكستان الحالية – فحاصر جيشهم مدينة طشقند دعمًا لحلفائهم في فرغانة، فاستولى عليها.

لم يجد أمير طشقند التركي من سبيل لمواجهة الصينيين إلا بطلب التحالف والدعم من المسلمين، فوصلت رسله إلى سمرقند القريبة، وواليها العباسي زياد بن صالح، الذي كان بالفعل يتحيَّن الفرصة المناسبة للتدخل ضد الصينيين، فجهَّز جيشه على الفور، وقرر استغلال ما حدث لاستعادة هيبة المسلمين في تلك المنطقة المضطربة.

خارطة أواسط آسيا غداة اندلاع موقعة نهر طلاس. أراضي إمبراطورية التانج الصينية باللون السماوي، وأراضي الخلافة العباسية باللون الأخضر.

عندما علم القائد الصيني جاو شيان تسي بخروج جيش المسلمين، انسحب شرقًا إلى أراضي الصين، ليتخيَّر وضعًا أفضل للقتال. ليلحق به جيش زياد بن صالح على مقربةٍ من حدود دولتيْ كازاخستان وقيرغيزستان الحاليتين، على ضفاف نهر طلاس، وذلك في شهر يوليو (تموز) عام 751 من الميلاد.

قدرت المصادر التاريخية المعتدلة عدد الجيش الصيني في معركة طلاس بحوالي 30 ألف مقاتل، يضمون في صفوفهم الآلاف من الرماة الماهرين، والذين كانت أسلحتهم تتمتع بمدىً وجودة أفضل من نظرائهم، كما كانوا أثقل تدريعًا، وانضمَّ إليهم حلفاؤهم الأتراك من فرغانة.

وكان جيش المسلمين بقيادة زياد بن صالح أكثر عددًا، إذ قُدِّرَ بحوالي 40 ألفًا، مع تفوقٍ نسبي في الفرسان، وضمَّ الآلاف من خصوم الصينيين من إمبراطورية التبت، وبعض القبائل التركية الموالية للمسلمين.

ومن اللافت مبالغة كثير من المصادر الصينية والإسلامية في تقدير أعداد الخصم بمعركة طلاس؛ إذ وصلت بعض تلك التقديرات إلى 100 ألف أو 200 ألف مقاتل.

على مدار ثلاثة أيام، شهد القتال اشتباكاتٍ واسعة بين الرماة من الجانبين، كان التفوق فيها للصينيين، ومواجهات طاحنة بين المشاة، أحدثت فيها الدروع الصينية الفارق. ليضطر زياد بن صالح إلى الزجّ بفرسانه لاستعادة التوازن، وينجح نسبيًا في تحقيق ذلك، رغم فشل محاولاته في تطويق الصينيين من الأجناب أكثر من مرة.

في اليوم الرابع، انقلبت مصائر المعركة رأسًا على عقب، وكانت كلمة السر في ذلك هي فرسان الكارلوك الأتراك، الذين شنوا هجومًا مباغتًا على الصينيين من الأجناب، فاختلَّت صفوفُهم، وشنَّ جيش المسلمين هجومًا عامًا بالمواجهة، فأطبقت الكمَّاشة بإحكام على الصينيين.

وتختلف المصادر التاريخية في تفاصيل ما فعله هؤلاء الفرسان، فبعض المصادر الصينية تذكر أنهم كانوا مرتزقة في جيش الصين، وخانوه بالاتفاق مع المسلمين في وقتٍ حاسم.

بينما تخالف مصادر أخرى تلك الرواية، وتذكر أن هؤلاء الفرسان لم يكونوا في صفوف أيٍّ من الجيشين، وأنهم تحالفوا مع المسلمين، ووصلوا أرض المعركة في اليوم الرابع، بينما كانت الأمور متأرجحة، فعبروا نهر طلاس خلسة، ثم باغتوا الجيش الصيني بهجومٍ خاطف.

حاول القائد الصيني الانسحاب بعدما أيقن بتبدد حظوظه في النصر، لكن لم ينجح في النجاة سوى بشخصه وأقل من ألفيْ مقاتل من جيشه.

أما زياد بن صالح، فلم يستطع استغلال النصر بمعركة طلاس للتوغل في أعماق الأراضي الصينية نظرًا لهشاشة الوضع الداخلي في الدولة العباسية، والثقل النسبي للخسائر البشرية التي تكبَّدها في المعركة المحتدمة.

ما بعد معركة طلاس

رُغم شراسة هذا الصدام العسكري الذي وقع بين جيشيْ الدولة العباسية وإمبراطورية تانج الصينية، وضخامة الانتصار الذي حققه العباسيون وحلفاؤهم على أرض المعركة، فلم تكن له انعكاسات كبيرة على خارطة الصراع في آسيا في الفترة القريبة التالية؛ إذ انكفأ المنتصرون والمهزومون كُلٌّ إلى أرضه، ودوامات أحداثها الداخلية.

ومن المفارقات المؤلمة أن زياد بن صالح، القائد المنتصر في معركة طلاس تحت راية العباسيين ما لبِثَ أن تمرَّد ضدهم هو الآخر بعد أقل من عامين من انتصاره، وقُتِل بعد أن تخلَّى عنه بعض قادة جيشه في اللحظات الأخيرة قبل المواجهة مع أبي مسلم الخراساني.

وفي الصين اندلعت التمردات والثورات في أنحاءٍ عدة، وتسببت بمرور الوقت في إضعاف إمبراطورية التانج، ولذا فلا غرْوَ أن يعتبرَ بعضُ المؤرخين هزيمة نهر طلاس نقطة فاصلة بينَ عصريْ القوة، والانحدار، في تاريخ صين التانج، التي ستظل تخبو جذوتها تدريجيا حتى تنطفئ في الربع الأول من القرن العاشر الميلادي.

تاريخ

منذ شهر
أول جمهورية إسلامية.. قصة تركستان الشرقية التي قمعتها الصين والاتحاد السوفيتي

وخلال العقود والقرون التالية، انحسر نفوذ الجانبين عن أجزاءٍ مهمة من وسط آسيا، فمكَّن هذا الفراغ للقبائل المحلية، لا سيَّما التركية منها، أن تحافظ على درجةٍ كبيرة من النفوذ والاستقلالية في تلك المناطق الحيوية، والمسيطرة على العديد من خطوط التجارة المهمة.

ثم بدأت الكثير من تلك القبائل التركية تدخل الإسلام تباعًا، ويجلبها الخلفاء العباسيون بدءًا بعصر المعتصم العباسي 218 – 227 هـ، ليكونوا جُند الدولة الأقوياء، فانتهى بهم الأمر مع ضعف الخلفاء إلى أن يصبحَ مقدموها هم الحكام الفعليون للدولة العباسية.

أما على الأصعدة العلمية، والثقافية، والتجارية، فقد أدى الاحتكاك الكبير بين الصين والمسلمين، وما تبعه من سكونٍ واستقرارٍ نسبيٍّ في آسيا، إلى رواج التبادلات التجارية وغيرها بين الصين والحواضر الإسلامية، وانتقال العديد من المخترعات الصينية كصناعة الورق، ليستغلها المسلمون في قرون حضارتهم الذهبية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد