ماذا ستفعل إذا شعرت بالجوع ولم تجد ما تأكله؟ غالبًا ستبدأ في البحث عن بعض المكونات المتناثرة في ثلاجتك لإعداد وجبة خفيفة، ستضيف بعض المكونات الغذائية والتوابل المختلفة لتمنحها نكهة رائعة ومقبولة الطعم، هكذا يصنع طهاة العصر الحديث معظم أطعمتهم اعتمادًا على مكونات جديدة وتوابل متنوعة وبشكل تجريبي بالكامل، فلن تصدق مثلًا كيف جرى اكتشاف الزبادي أو الصلصلة، لذا في هذا التقرير سنتعرف على أصول بعض الأطعمة المعاصرة التي نتناولها يوميًّا وكيف أصبحت ما هي عليه الآن؟

1- الزبادي: طعام الأنبياء الذي يطيل العمر

الزبادي أو «yogurt»، بالإنجليزية مشتقة من كلمة تركية «yoğurmak» تعني التخثر أو التجمد وفقًا لما ذكره المؤرخ محمود الكاشغري في كتابه «ديوان لغات الترك»؛ إذ استعملته قبائل البدو التركية باعتباره دواءً فعالًا لعلاج الإسهال والتقلصات وتسكين آلام حروق الشمس، بل واعتقد جنكيز خان مؤسس الإمبراطورية المغولية أن الزبادي يمد جنوده بالبسالة والصلابة، لكن هل كانت قبائل البدو التركية أول من عرفته؟

Embed from Getty Images

الزبادي

ليس هناك تاريخ محدد بدقة لمعرفة الإنسان للزبادي، إلا أن أصوله تعود إلى العصور القديمة، عندما حفظ أحد رعاة الشرق الأوسط اللبن في حقيبة مصنوعة من أمعاء الحيوانات، فاكتشف أنه بعد مدة ما أصبح ثخينًا ومتخثرًا.

وقد رُمِزَ إليه في الكتاب المقدس بأنه «الأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا» التي ذكرت في سفر أيوب؛ لذا اعتقد الرومان واليونانيون في عام 100 قبل الميلاد بأن له الفضل في خصوبة النبي إبراهيم وعمره المديد، إلا أن السؤال الذي يطفو على السطح كيف أصبح الزبادي بهذا الشكل المُنَكَّه واللذيذ في عصرنا الحالي؟

ظلت عملية تخثر اللبن لغزًا محيرًا، حتى عام 1905م عندما استعان طالب الطب البلغاري جيجوف جريجوريف بالزبادي المعد منزليًّا في أبحاثه العملية، فاكتشف أن البكتيريا الملبنية البلغارية مسئولة عن تخثر اللبن، واعتمادًا على هذا الاكتشاف المبهر أحيا العالم الروسي الحاصل على جائزة نوبل إيليا ميتشنيكوف الاعتقاد الذي ربط بين الزبادي وطول العمر في بحثٍ له عام 1909م؛ ظنًّا منه أنه السبب وراء طول أعمار الشعب البلغاري المديدة، إلا أن التحول الأعظم بالنسبة لتاريخ الزبادي حدث عندما أصبح الزبادي منتجًا غذائيًّا يَدُّر مالًا وفيرًا.

فقد كان إسحاق كاراسو والدًا حنونًا، يخشى على ولده دانيال أن يعاني من نقص التغذية أو غيرها من الأمراض الشائعة بين الأطفال في إسبانيا في عام 1916م، فاستغل إسحاق أبحاث ميتشينكوف، فخلط اللبن الطازج باللبن الرائب؛ ثم وضعها في أوعية بروسلينية، وباعها إلى الصيدليات باعتبارها دواءً مفيدًا للصحة، ولم يتوقع إسحاق أن هذه الفكرة البسيطة ستتلقى رواجًا ساحقًا وتتحول إلى علامة تجارية؛ فالزبادي لم يكن طعامًا مألوفًا في إسبانيا.

بعد عقدين من الزمان كبر صغيره دانيال، وأصبح رجلًا يعتد به، أولى إليه والده عقب انتهائه من دراسة إدارة الأعمال في مرسيليا مسئولية إدارة المشروع الذي أسسه والده وأطلق عليه اسم «دانون» فقرر دانيال أن يتخطى طموحات والده ويؤسس أول شركة عالمية لإنتاج الزبادي في فرنسا عام 1939م، ومع تطور الزمن استطاعت الشركات تطوير مكونات الزبادي بإضافة الفيتامينات والمعادن والبروتين ونكهات وروائح الطعام، واستخدمت أنواع أخرى من البكتيريا تساعد على تخثر اللبن؛ ليصبح بهذا الطعم اللذيذ.

2- صلصة ورشيستر شاير: طعم الصبر حلو

هناك اعتقاد سائد بأن أصل هذه الصلصة مأخوذ من المطبخ الهندي، ففي عام 1935م عندما عاد أحد النبلاء إلى إنجلترا بعد انتهاء فترة حكمه في البنغال، طلب من الكيميائيين جون ليا وويليام بيرنز إعداد إحدى الوصفات الهندية التي افتقدها، وقد نفذ جون وويليام ما أملاه اللورد عليهما، ثم احتفظا بجزء منها لبيعها في الصيدلية عند الحاجة، وفي المرة الأولى لم تكن النتيجة مبشرة فالرائحة كانت مقززة والطعم كان بشعًا، فترك الكيميائيان الخليط في المخزن ظنًّا منهما أنها تجربة فاشلة.

وبعد مرور عامين، أثناء قيام العالمين بتنظيف المخزن، فوجئا برائحة الخليط الرائعة ومذاقه المنعش بعد تخمره، فاستغل الرجلان هذا الاختراع الجديد، ووضعوه في زجاجات ملفوفة بالورق لحمايتها من الكسر، ثم أقنعوا رئيس الخدم في إحدى سفن الركاب بوضعه على مائدة الطعام.

وأصبحت الصلصة من أكثر السلع التجارية المطلوبة في إنجلترا، وأطلق عليها اسم صلصة اللحم، بل وتخطت حدود إنجلترا إلى عمال مناجم الذهب في صحراء شمال كاليفورنيا القاحلة، ثم وصلت إلى نيويورك عام 1839م، لكن ما السر وراء هذه الصلصة؟

Embed from Getty Images

الصلصلة

حرص الكيميائيان جون وويليام على أن تبقى وصفة الخليط السحري للصلصة سرية، والتي من المرجح أنها كانت تتكون من البصل والثوم وخل الشعير وروح الخل ودبس السكر والسكر و مستخلص التمر الهندي وربما تحتوى على الليمون وصلصة الصويا والفلفل، وقد تطورت منها صلصة وسترشير الأمريكية لتصبح أكثر حلاوة من الوصفة الأصلية وتتكون من الخل الأبيض بدلا من خل الشعير.

3- «النودلز»: الطعام الأنسب لعصر السرعة

يشيع في الثقافة الصينية أن النودلز تطيل العمر لذا يفضلون تناولها في أعياد الميلاد بدلًا من كعك عيد الميلاد، لكن عندما نتطرق إلى تاريخها، سنجد أن جدلًا ثقافيًّا كبيرًا نشب بين الصينيين والعرب والإيطاليين حول أصولها، إذ يقول أحد الأطباء السوريين إن العرب صنعوا من السميد معكرونة مجففة على هيئة خيوط تسمى الأتاريام، وقد ورد ذكرها في التلمود اليورشلمي.

بينما يظن بعض المؤرخين أن أصولها تزيد عن ألفي عام، فقد ذكرتها أحد الكتب التي كتبت في حقبة سلالة هان الحاكمة والتي امتد حكمها للصين ما بين 25 إلى 220م، ويعتقد فريق آخر من المؤرخين أن المستكشف ماركو باولو هو من جلب النودلز من الصين إلى البندقية في القرن الثالث عشر، لتتحول المعكرونة في إيطاليا من طعام شهي إلى فن خاص يتفنن كل طاه في إعدادها.

إلا أن ما حسم الجدل حقًّا، عندما اكتشف الدكتور هيوان لو وفريقه، طبقًا مقلوبًا ومحكم الإغلاق تحت 10 أقدام من الرواسب في موقع لاجيا الأثري شمال غرب الصين، وعند كشف الطبق عثر على معكرونة دقيقة الحجم وصفراء اللون، يزيد عمرها عن 4 آلاف عام.

Embed from Getty Images

طبقة معكرونة في ميلانو

وجدير بالذكر أن المطبخ الصيني يحوى أنواعًا متعددة ووصفات متنوعة لإعداد النودلز، لكنه يشتهر بثلاث أنواع: أولًا المعكرونة السيلوفانية أو شعيرية اللوبيا، وتُصنع من نشا اللوبيا الذهبية، وتعد بطريقتين إما بنقعها في الماء المغلي لتصبح أكثر لزوجة وطراوة أو قليها في الزيت الحار لمن يفضلها مقرمشة، وثانيًا عجينة الشعيرية بالبيض، وتصنع من البيض ودقيق القمح والماء، وتتميز هذه النودلز بلونها الأصفر وأحجامها المختلفة، وثالثًا معكرونة الأرز، وتصنع من دقيق الأرز والماء، ويستخدم هذا النوع من النودلز في إعداد حساء «الفو»، وهو الطبق الوطني في فيتنام.

4- «الشيبسي»: منشط جنسي عند الأمريكان

في 24 أغسطس (آب) عام 1853م، أثناء تناول رجل الأعمال كورنيليوس فاندربيلت طعامه في أحد المطاعم الفخمة بمدينة ساراتوجا سبرينجس في ولاية نيويورك الأمريكية، لم يعجب كورنيليوس بأصابع البطاطس المقلية التي أعدها الطاهي جورج كروم، وهو طاهٍ أمريكي من أصول أفريقية، فأمر بإعادتها إلى المطبخ لأنها سميكة أكثر من اللازم.

وانتاب جورج نوبة غضب عنيفة قرر على إثرها تقطيع البطاطس إلى شرائح رقيقة ثم ألقاها في الشحم حتى أصبحت مقرمشة وقدمها إليه، وعلى غير المتوقع فتنت هذه الشرائح فاندربيلت بشدة، بل ولاقت استحسان رواد المطعم فيما بعد، وعرفت باسم رقائق ساراتوجا، وجرى تداول هذه القصة لتصبح الأكثر رواجًا فيما يخص أصول رقائق «الشيبسي» المقرمشة، لكن المؤرخ ت. ج. ستايلز عندما كتب السيرة الذاتية لكورنيليوس فاندربيلت نفى هذه القصة.

ويظن البعض أن الفضل كله يعود إلى أخت فاندربيلت «كاثرين أدكن ويكيز»، إذ يُحكى أنها عندما كانت تقشر البطاطس، سقطت شريحة بالصدفة في وعاء مليء بالشحم، وأثناء إخراجها من الوعاء، تحولت إلى الشكل المتعارف عليه، ولهذا ذكر في نعيها عام 1917 أنها مبتكرة رقائق «الشيبسي».

وفي المقابل يؤكد آخرون أن رقائق البطاطس بريطانية المنشأ، ففي عام 1817، نشر الطبيب ويليام كيتشنر كتاب «دليل مدبرة المنزل» والذي يحوى وصفات متنوعة من ضمنها وصفة إعداد شرائح البطاطس، والتي تشبه رقائق البطاطس المقرمشة.

وقد ظلت حكرًا على المطاعم فقط، إلى أن اكتشف رائد الأعمال ويليام تابيندين وسيلة عملية لحفظها على أرفف محلات البقالة في عام 1895م، فبدأ بصناعة الرقائق في فنائه الخلفي ثم عبئها في براميل لبيعها إلى التجار على عربات تجرها الخيول.

وحذا رجل الأعمال هيرمان لاي حذو تابيندين خلال عشرينيات القرن الماضي، فباع رقائق البطاطس في صندوق سيارته إلى المتاجر، وبحلول عام 1938م تنامت تجارته البسيطة لتصبح شركة «لاي» من أهم الماركات العالمية في إنتاج رقائق الشيبسي المقرمشة، كما استطاع أن يصنع رقائق مكشكشة لتقاوم التفتت لأطول فترة ممكنة، ومما ساعد على رواج رقائق شركة «لاي»، هو ارتباطها ببعض الخرافات حول كونها منشطات جنسية فعالة ودواء لعلاج الجذام.

وكما شهدت عشرينيات القرن الماضي انطلاقة شركة «لاي» فقد شهدت تحولًا في توسع نطاق التسويق، ففي عام 1926م فكرت سيدة الأعمال لورا سكادر في تعبئة الرقائق في أكياس شمعية للحفاظ على مذاق الرقائق الطازج.

Embed from Getty Images

الشيبسي

في ذلك الوقت حققت رقائق البطاطس رواجًا ساحقًا، لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية قلب الموازين، فوفقًا لكتاب «الطعام والشراب في التاريخ الأمريكي»، فقد قلّ إنتاج الرقائق باعتبارها طعامًا غير ضروري، إلا أن نفوذ بعض الشركات المصنعة النافذ للسلطة استطاع تغيير ذلك وفرضها على المائدة باعتبارها طعامًا أساسيًّا.

وفي خمسينيات القرن الماضي، استطاع مالك شركة «تايتو» الأيرلندية تنْكِيه الرقائق، بابتكار تقنية قادرة على إضافة النكهات إلى البطاطس أثناء طهيها، وكانت أشهر تلك النكهات نكهة الملح والبصل ونكهة الجبن ونكهة الخل.

5- كعكة الفاكهة.. حظرتها الكنيسة وصنعت في زفاف الملكة فيكتوريا

يعتقد المؤرخون أن المصريين القدماء أول من أعدوا كعك الفاكهة ثم وضعوها في مقابرهم باعتبارها من طعام الحياة الآخرة، ومن بعدهم صنع جنود الرومان كعك الساتورا من الشعير المهروس وأضافوا فوقه بذور الرمان والصنوبر والزبيب، ليتحمل طول السفر وضراوة المعارك، وعندما عرف المسلمون بكعك الفاكهة فضلوا إعدادها من العسل والتوابل، بينما اعتمد عليها فرسان الحملات الصليبية في طعامهم أثناء سفرهم من إنجلترا إلى الأراضي المقدسة والتي كانت تستغرق ستة أشهر.

Embed from Getty Images

كعك الفاكهة

وفي القرن الرابع عشر حظرت الكنيسة استعمال الزبدة في إعداد الكعك خلال فترة الصيام، لكن الكعك المطبوخ دون استعمال الزبد لم يكن مستساغًا، فأرسل الأمير إرنست ودوق ساكسونيا ألبرت رسالة إلى البابا نيقولا الخامس، متوسلًا إليه بإلغاء الحظر، فوافق البابا مقابل أن تدفع أسرة الأمير ضريبة سنوية، ومن هنا بدأت العائلات الغنية بتوزيعها خلال غناء الترانيم والأجازات، والتي أصبحت تقليدًا ثابتًا في عيد الميلاد.

وتطورت وصفة إعداد الكعك في القرن الرابع عشر بعد قدوم السكر إلى أوروبا من البلاد المستعمرة، فأصبح ثخين القوام ومضافًا إليه الخمر والسكر للحفاظ على الفاكهة، وسميت بـ«ماستر كيك» لأن النساء كن يحضرنها إلى الرجال المتدربين في الجيش تنفيذًا لأوامر البرلمان البريطاني.

ولعقود طويلة اقتصر كعك الفاكهة على أعياد الميلاد، فقط حتى جرى إعداده باعتباره حلوى في زفاف الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت، فقد عرف عن الملكة حبها الشديد لكعكة الفاكهة، ومن ثم اتبع هذا التقليد أيضًا في الزفاف الملكي للأمير ديانا والأمير تشارلز ثم زفاف الأمير ويليام والأمير كيت، ومن هنا تعددت استعمالات كعكة الفاكهة واتسعت مساحة انتشارها.

صحة

منذ سنة واحدة
السمنة ليست الخطر الوحيد.. الأطعمة السريعة والمعلبة بها سمٌ قاتل!

المصادر

تحميل المزيد