تحذير: التحقيق يحتوي على صور وفيديوهات صادمة.

في قريةٍ نائيةٍ وبعيدة، لا طرق مُعبّدة توصل إليها، وبيوتها مبنية في غالبها من الطين، يذهب أحمد داوود (16 سنة) كل يوم للعب كرة القدم مع أصدقائه، في ساحة ترابية قرب بستان النخيل، على أطراف قرية خليل الحسيناوي الفقيرة (10 كم جنوب بعقوبة مركز محافظة ديالى)، لكن حدث أن توقَّف الصبية عن اللعب لعدة أيام في أبريل (نيسان) عام 2003؛ بسبب القصف الذي تعرضت له مواقع الدبابات، ومضادات الطائرات التي وضعها الجيش العراقي في البستان، وحول القرية، لإخفائها عن الطائرات الأمريكية.

بعد توقُّف القصف عاد أحمد وأصدقاؤه للعب كرة القدم، ومنظر الدبابات المعطوبة لم يكن بالنسبة لهم مثيرًا للقلق؛ ما دامت الطائرات لن تعود مجددًا إلى سماء القرية؛ غير أنّ ما لم يكن يعلمه الصِّغار، هو أنَّ الموت كامن لهم في بستان النخيل، وفي الدبابات المحترقة التي قُصفت باليورانيوم المنضَّب، وفي الغبار الذي يستنشقونه وهم يركضون خلف الكرة.

مرّت ستة أشهر على سقوط نظام صدام حسين، تغير خلالها الكثير في العراق، وفي قرية خليل الحسيناوي أيضًا، حيث يسكن أحمد مع عائلته المكونة من سبعة أفراد، وبينما كان يلعب في تلك الساحة الترابية ذات يوم، سقط على الأرض، وكان هذا آخر عهده مع كرة القدم، التي لن يكون قادرًا على ركلها وتمريرها لأصدقائه مجددًا.

بعد مراجعات كثيرة للمستشفيات وعيادات الأطباء الخاصة، تبين أنّ أحمد مصاب بسرطان الغدد اللمفاوية، بحسب تشخيص الأطباء لحالته، وفي فيديو – حصلنا عليه من مصدر خاص- من أرشيف دائرة الصحة في محافظة ديالى، يعود لعام 2011، يظهر أحمد وقد تساقط شعره، وبدت عليه متاعب المرض، وهو يتحدَّث عن حالته الصحية، مؤكدًا أنَّ الأطباء الذين راجعهم عزوا سبب إصابته بالسرطان إلى إشعاعاتٍ تعرَّض لها.

«تعرضت مناطقنا لقصف أمريكي، وبعد ستة أشهر أُصبتُ بهذا المرض، وعندما راجعت الأطباء، تبين أنَّ سبب إصابتي بالسرطان هو الإشعاع، بسبب القصف الأمريكي، لقد تركت دراستي، وليس لدينا الأموال لكي أتعالج، وأنا أناشد الحكومة لمساعدتنا والذهاب بي إلى خارج العراق لأتمكّن من العلاج».

بهذه الكلمات القليلة والمُتعبَة، وثَّق أحمد شهادته ومرضه، وقالت والدته جميلة جاسم: «إنَّه كان بكامل صحته قبل القصف الأمريكي، لكنَّهُ من بعدِهِ بدأت تظهر عليه أعراض التعب، وبدأت أقدامه تُصاب بخدر بين الحين والآخر، وظهرت أورام تحت إبطه، وفي خاصرته وصدره، ولم تُشخَّص إصابته بالسرطان مبكرًا؛ لذلك لم يُعد باستطاعتنا فعلُ أيّ شيء».

أحمد داود يتحدث عن إصابته بالسرطان، حصلنا على الفيديو من مصدر خاص في دائرة صحة محافظة ديالى

مات أحمد عام 2011، بعد ثماني سنوات من تشخيص إصابته بالسرطان، وظلَّ هذا الفيديو شهادةً حزينة توثِّق نداءً مُلحًّا للنجاة، والحكومة التي ناشدها في تقديم المساعدة له، لم تمد له يدَ العون، وحجبت شريط الفيديو الوحيد له طيلة هذه السنوات، قبل أن نعثر عليه، وتكون قصته بداية تحقيقنا الذي نتقصَّى فيه عن الآثار المدمرة، التي نتجت عن استخدام سلاح اليورانيوم المنضَّب في حرب الخليج 1991، أو ما تعرف بعاصفة الصحراء، ثم حرب 2003 التي انتهت بسقوط نظام صدام حسين، ودخول قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة إلى العراق.

نعمان داود، الشقيق الأكبر لأحمد، يحمّل الجيش الأمريكي مسؤولية موت شقيقه، ويقول: «لقد تلوثت منطقتنا بالإشعاع بسبب القصف الأمريكي، والأطفال الذين خرجوا للعب كلهم أصيبوا، لم يكن أحمد وحده، أصدقاؤه أيضًا أصيبوا بالسرطان، والكثير من أبناء القرية». متابعًا: «حين كنّا نذهب بأحمد إلى المستشفيات في ديالى وبغداد، يسألنا الأطباء إن كنّا نسكن قرب مواقع عسكرية، لأنّ الفحوصات تشير إلى التعرُّض لمستويات عالية من التلوُّث الإشعاعي».

فيديو آخر حصلنا عليه من مصادر خاصة في دائرة صحة ديالى، يعود إلى قرية خليل الحسيناوي أيضًا، يُظهر مجموعة مكونة من خمسُ نساءٍ مصاباتٍ بالسرطان، يتحدّثن عن ظروف الإصابة، إذ تقول سناء حمد: «بعد أسبوعين من قصف الطائرات الأمريكية خرجنا إلى الحقل، وبعدها بدأت أعراض غريبة تظهر علينا، وعندما أجرينا الفحوصات الطبيّة تبيّن أننا مصابات بالسرطان».

نساء من قرية خليل الحسيناوي يتحدثن عن إصابتهنّ بالسرطان، وقد حصلنا على الفيديو من مصدر خاص في دائرة صحة ديال

تتبّعنا كل من ظهروا في الفيديوهات التي حصلنا عليها، وذهبنا إلى قرية خليل الحسيناوي، لتقصّي حالة المصابين بالسرطان هناك، ومعرفة مصائرهم، لكننا لم نجد غير عائلة أحمد، التي حدّثتنا والدته جميلة جاسم، وشقيقه الأكبر نعمان داود، عن ظروف إصابته وموته، أما النساء الأخريات فأخبرنا الأهالي هناك أنَّهن نَزَحنَ مع عوائلهنّ بعد نشوب الحرب الأهلية عام 2006، ولم يعودوا إلى القرية منذ ذلك الحين.

حرب السرطان الشرسة

منذ حرب الخليج 1991، صار لافتًا ارتفاع معدّلات الإصابة بالسرطان والتشوُّهات الخِلْقيّة في العراق، وتعزو منظمات دولية، ودراسات أُجريت على آلاف العراقيين خلال الـ 28 سنةً الماضية، هذا الارتفاع إلى استخدام اليورانيوم المنضّب في حربي 1991 و2003 وزيادة نسب التلوث الإشعاعي في المناطق المأهولة بالسكان.

خمس طلبات قدمناها لوزارة الصحة، منها ثلاثة لمجلس السرطان في العراق، واثنتان لدائرة التخطيط وتنمية الموارد، من أجل الحصول على تقاريرها الإحصائية السنوية بغرض دراستها ومقارنة أرقام ونسب الإصابة بالسرطان والتشوُّهات الخلقية في المدن العراقية؛ وفي كل مرة ترفض الوزارة طلبنا لأسبابٍ لم توضحها، لكنَّنا في النهاية، وبمساعدة موظفين يعملون في دائرة التخطيط وتنمية الموارد في مركز الوزارة – طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم- استطعنا الحصول على التقارير الإحصائية السنوية غير المنشورة، للفترة من عام 1991 وحتى عام 2018.

منذ عام 1991 وحتى عام 2003، بلغ عدد المصابين بالسرطان في العراق 131072 مصابًا، فيما ارتفع هذا العدد بعد حرب 2003؛ إذ منذ عام 2004 وحتى عام 2018 بلغ عدد المصابين بالسرطان 287254 مصابًا، بحسب تقارير وزارة الصحة غير المنشورة؛ لكن هنالك من يرى أنَّ هذا الرقم أقل كثيرًا من العدد الفعلي لمرضى السرطان.

عباس قاسم، 22 عامًا، مصاب بالسرطان من جرّاء التلوث الإشعاعي على الحدود العراقية الكويتية، البصرة، 2002

في شهادته لنا عن تأثير سلاح اليورانيوم المنضب، يقول أستاذ الفيزياء النووية، والعميد السابق لكلية العلوم في جامعة بغداد الدكتور محمد الشيخلي: «العدد الفعلي للمصابين بالسرطان يقترب من مليون شخص، وقد سلّمتُ وزارة الصحة والبيئة، وكذلك الأمم المتحدة تقريرًا مفصلًا عن التأثيرات الكارثية للتلوُّث الإشعاعي، حيث كنتُ ضمن فريقٍ بحثيّ بعد أسبوعين من احتلال العراق في التاسع من أبريل عام 2003، وكانت مهمّة الفريق قياس مستوى التلوُّث الإشعاعي في المناطق التي قُصفت باليورانيوم المنضّب، وكذلك المنشآت العسكرية والنووية التي تعرضت للدمار والسرقة».

يضيف لنا الشيخلي الذي يُقيم الآن في بيروت: «كان الفريق الذي انضممت إليه تابعًا إلى مركز بحوث طب اليورانيوم، وقد تقصّينا المواقع التي قُصفت باليورانيوم المنضّب ابتداءً من شمال العاصمة بغداد، وحتى مدينة أم قصر في أقصى الجنوب العراقي. لقد شاهدنا بقايا آلاف المدرعات والعربات المصفّحة المحروقة والمدمرة، من دبابات وناقلات جُند، وشاحنات عسكرية، وقاطرات مدفعية ثقيلة وغيرها، انتشرت على امتداد ساحات العمليات العسكرية من بغداد وحتى أقصى الجنوب في أم قصر والفاو. جميع هذه الدروع تلقت ضربات مدمرة من طائرات ودبابات أمريكية بذخائر معظمها مصنوع من مادة اليورانيوم المنضّب، وانتشرت هذه الدروع في الحقول والبساتين، وتحت النخيل، وبين البيوت السكنية».

ماذا يحصل عند إصابة الهدف بقذيفة يورانيوم منضّب؟

سؤال وجّهناه للدكتور محمد الشيخلي، وكان رده: «عند اختراق القذيفة جسم الهدف يتحوّل 20% من كتلة القذيفة الى أكاسيد يورانيوم، إذ تشكّل مع الأتربة والدخان غيمة تنتشر داخل الهدف وخارجه، وهي كفيلة بقتل من هم في دائرة الهدف حتى وإن لم تنفجر أو تحترق، إذ إنَّ نسبة الإشعاع في موقع الاختراق يزيد 30 ألف مرة عن المستوى الطبيعي، وبعد اختراق القذيفة يبقى 60% تقريبًا من جسمها محتفظًا بشكله الأساسي، فيما تتطاير الـ40% الأخرى في شكل شظايا من مخلفات وقطع، تنتشر وقد تسبب حرائق وانفجارات ثانوية».
أما عن طاقة «أشعة ألفا» في الشظايا فيؤكِّد الشيخلي أنَّها تبلغ نحو 4.2 مليون ألكتروفولت، وهي كفيلة بإحداث تأيُّنات قادرة على تدمير جلد الإنسان الذي يمسك بها أو يلمسها. وتبعث هذه الشظايا أشعة بجرعة مكافئة مقدارها 300 ملليريم في الساعة.

دبابات عراقية مقصوفة بأسلحة اليورانيوم المنضب قرب الحدود العراقية الكويتية

الشيخلي حدثنا عن نتائج الدراسة الميدانية التي خلص إليها الفريق العلمي في مركز بحوث طب اليورانيوم الأمريكي، وكشف لنا عن أربع نقاط أساسية تظهر مستويات إشعاع كارثية، وهي:

أولًا: ارتفاع مستوى التلوث الإشعاعي في مناطق شاسعة من أجواء بغداد ومناطق جنـوب العراق، وزيادة هذا المستوى في هواء بعض المناطق عن عشرة أضعاف المستوى الطبيعي. والقراءات الإشعاعية كانت عـاليـة في الهـواء أكثر من التّـربة، وهذا مؤشر على أنّ الدقائق المشعّـة التي يحملها الغبـار والهـواء من النوع الدقيق، الذي يسهـل استنشاقه وترسبه وبقاؤه في حويصلات الرئة.

ثانيًا: لوحظ أنّ شظايا اليورانيوم التي تخلّفها بعض الإطلاقات المنفجرة تنتشر على رقعةٍ واسعة، خاصة في مناطق الحقول، مما يهدِّد تلوث المياه السطحية والدورات الزراعية والغذائية، إضافة إلى المياه الجوفية مع تقادم الوقت، وفي منطقة قرب البصرة كانت إحدى القذائف قد اخترقت جسم دبابة، ودخلت في حائط معمل لإنتاج الثلج، واستقرت بعض الشظايا في حوض الماء الرئيسي الذي ينتج الثلج منه ويستخدمه آلاف الأشخاص في فصل الصيف.

ثالثًا: انتشار رقعة التعرّض الإشعاعي والسُّمّي لمخلفات اليورانيوم بين آلاف من العراقيين، الذين عمدوا إلى رفع محرِّكات وأدوات الآليات المصابة والمحترقة لبيعها أو الاستفادة منها. وقد وجد الفريق أنَّ جميع الآليات والدروع التي فحصها رُفعت محركاتها وأجزاؤها السليمة، بعد تعرضها للقصف والاحتراق. ووجد أيضًا أنَّ مستوى الإشعاع لدى أحد الاشخاص المدنيين كان يزيد ألف مرة على المستوى الطبيعي، وذلك على يديه ووجهه وملابسه، إضافة إلى ما تعرّض له الكثير من الأطفال الذين يلهون باللعب ببعض القذائف وأجزائها المنشطرة. كما أن التلوث طال أجساد الجنود القتلى داخل الدبابات، والذين دفنوا قربها، إذ وصل مستوى الاشعاع في بذلة أحد الجنود القتلى إلى ألفي مرة أكثر من المستوى الطبيعي.

رابعًا: ظهور حالات من آلام المفاصل والرّعاف، والتهابات عصبية، وآلام في الظهر، واضطرابات في النظر، وحُرقة في البول لدى السكان القريبين من موقع الدروع المصابة، وهي أعراض تشابه أعراض التعرُّض الإشعاعي.

وخلال إجراء المسح الميداني، أكّد الدكتور محمد الشيخلي أنهم لاحظوا في بعض المواقع لجوء قوات التحالف إلى رفع الدبابات والآليات المصابة وإخلائها إلى مناطق بعيدة، وقشط التربة تحت هذه الآليات، واستبدلوا بها تربة جديدة بعد إلقاء التربة الملوثة في مناطق نائية. ويعتقد الشيخلي أنَّ هذا الإجراء نابع من معرفة هذه القوات بخطورة التلوُّث الإشعاعي والسُّمّي الذي تسببه مخلفات اليورانيوم.

أعداد المصابين بالسرطان من 1991 إلى 2018 بالاعتماد على الإحصائيات غير المنشورة التي حصلنا عليها من وزارة الصحة

في عدد (يناير) كانون الثاني لعام 1998 نشرت مجلة «ألف باء» العراقية إحصائيات وزارة الصحة لنسب الإصابة بمرض اللوكيميا في العراق، وأظهرت حينها ارتفاعًا قالت الوزارة إنّه كبير في ظل تدنِّي الخدمات الصحية، من جرّاء الحظر المفروض على العراق، بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 661، الذي صدر في 6(أغسطس) آب عام 1990 نتيجة الغزو العراقي للكويت.

الإحصائيات التي شملت ست محافظات في جنوب العراق، بين عامي 1989 و1995، تظهر أنَّ نسبة الإصابة باللوكيميا ارتفعت من 3.8% إلى 10.6% في محافظة المثنّى، ومن 5.4% إلى 10.3% في محافظة البصرة، ومن 4.6% إلى 8.2% في محافظة ذي قار، ومن 4.5% إلى 7.5% في محافظة ميسان، ومن 4.8% إلى 6.2% في محافظة القادسية (محافظة الديوانية الآن)، ومن 5.3% إلى 8% في محافظة واسط.

في عام 1998 أيضًا، أصدرت الأمم المتحدة وثيقةً كشفت بها أنّ معدلات الإصابة بالسرطان زادت بستّة أضعاف، بعد حرب الخليج عام 1991، وجاء في الوثيقة أنَّ الزيادة بنسب الإصابة بالسرطان في عموم العراق بلغت 55% بين عامي 1989 و1994، وأنَّ أنواعًا جديدة من السرطان بدأت تتفشّى في البلاد، والسرطان بدأ يظهر في صغار السن.

كابوس النظائر المُشعّة

بيانات الوكالة السويدية لأبحاث الدفاع تشير في تقريرها المقدّم لوزارة الدفاع السويدية إلى أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية أسقطت ما إجماله 78.214 مقذوفة من اليورانيوم المنضّب على العراق في حرب الخليج عام 1991، وارتفع استخدام الجيش الأمريكي لليورانيوم المنضّب في غزو 2003، ليصل وفق الوكالة السويدية إلى 300 ألف مقذوفة، مؤكدةً تجاهل الولايات المتحدة للتحذيرات من استخدام هذا السلاح في المناطق الحضرية المكتظّة بالسكان.

سلاح اليورانيوم المنضّب كلَّف العراق خسائر فادحة، وقضى على معظم قدرته العسكرية وآلياته، ففي حرب 1991 أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنَّ الجيش العراقي خسر 3700 من أصل 4280 دبابة يمتلكها، و2400 من أصل 2880 ناقلة جنود مدرعة و2600 من أصل 3100 قطعة مدفعية.

المعدّات العسكرية العراقية المُدمَّرة تحوَّلت إلى خردة معدنية ملوّثة بالإشعاع، وجُمعت في مقابر كبيرة للحديد قرب الحدود العراقية الكويتية، وكذلك في مناطق عدّة من محافظة البصرة، كما في قرية «أبو فلوس» (20 كم جنوب البصرة) التي تقع بالقرب منها أكبر مقبرة للخردة العسكرية الملوّثة. بالإضافة إلى 1500 عربة مدرعة ومدنية قُصِفت على الطريق الدولي رقم 80 خلال انسحاب الجيش العراقي من الكويت عام 1991.

في حرب 2003 لا توجد إحصائيات لعدد الآليات والمواقع العسكرية التي قُصفت باليورانيوم المنضّب، لكن ما هو مؤكد أنَّ الغالبية العظمى منها جرى تدميره بالفعل، وما زاد الأمر سوءًا هو أنّ تلك العربات – الدبابات والدروع – ومنصّات الدفاعات الجوية نُشرت في المدن وأطرافها وفي البساتين والقرى النائية؛ ما جعلها عرضة للسرقة والتداول بعد سقوط نظام صدام حسين.

كثافة وتوزيع استخدام ذخائر اليورانيوم المنضب بواسطة طائرات A-10s الأمريكية، في الفترة ما بين 20 مارس 2003 و15 أبريل 2003 المصدر: PAX

بعد دخول القوات الأمريكية إلى العاصمة العراقية بغداد وتحديدًا في يونيو (حزيران) عام 2003، قصد العراق فريق من منظمة السلام الأخضر العالمية (غرينبيس) لتقييم التلوُّث الإشعاعي في موقع التويثة النووي، الذي يعد أكبر مُنشأة نووية في البلاد، واتهم الفريق حينها الجيش الأمريكي بانتهاك القانون الدولي لرفضه السماح بإجراء مسح ميداني لمعرفة كمية التلوث الإشعاعي هناك.

تتألّف منشأة التويثة للأبحاث النووية (17 كم جنوب بغداد)، التي بُنيت في ستينيات القرن الماضي، من مجمّع يضم أكثر من 100 بناء، ويمتد على مساحة 56 كيلومترًا مربعًا. وكانت هذه المنشأة تُشكّل مركز البرنامج العراقي للأسلحة النووية. وقد شملت النشاطات الأولى في هذا الموقع مفاعلات أبحاث عدة، ونشاطات مرتبطة بعزل البلوتونيوم ومعالجة النفايات، وتعدين اليورانيوم، وتطوير بادئ النيوترون، فضلًا عن نشاطات أخرى تمحورت حول عدد من تقنيات تخصيب اليورانيوم.

تضمُّ المنشأة أيضًا «مفاعل تموز1» الذي قصفته إسرائيل عام 1981 في غارةٍ جويّة شاركت بها ثماني طائرات من طراز «f- 16» أمريكية الصنع، في عملية أطلقت عليها إسرائيل اسم «عملية أوبرا» وقد أدانها مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 487 بوصفها أوّل هجوم عسكري على منشأة نووية في العالم.

في أعقاب حرب عام 1991، عملت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إزالة المخزون العراقي المعروف من المواد النووية الملائمة للاستعمال في الأسلحة كاملًا، وذلك بحسب ما نصَّ عليه القرار رقم 687 الصادر عن مجلس الأمن. أمّا المواد المُشعّة الأخرى، وضمنها اليورانيوم، فقد حُفِظت في براميل مُحكمة الإقفال في موقع التويثة، وكانت تفحصها سنويًّا الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بموجب معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

تشير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أنَّ 500 طن من «الكعكة الصفراء» و1800 كيلوغرام من اليورانيوم المتدني التخصيب كانت ما تزال، في ديسمبر (كانون الأول) عام 2002، موجودة في موقع التويثة، فضلًا عن مئات المصادر الصناعية ذات النشاط الإشعاعي العالي التي ظلَّت متوافرة في البلاد.

منشأة التويثة النووية بعد تعرضها للقصف والسرقة، حصلنا على الفيديو من مصدر خاص في وزارة العلوم والتكنولوجيا

يقول فريق (غرينبيس) في رسالةٍ بعثها حينها إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، ومدير منظمة الصحة العالمية غرو هارلم برونتلاند، في العاشر من يوليو (تموز) عام 2003 إنّ «سكان المناطق القريبة من موقع التويثة استولوا على براميل تشتمل على مواد نووية تُعرف باسم «الكعكة الصفراء»، وعلى حاويات كانوا يحتاجونها من أجل تخزين الطعام والمياه والحليب واللبن. ولم يكن السكان يعلمون بأنَّ البراميل مُشعّة وسامّة، وبأنهم يعرّضون أنفسهم لمخاطر كبيرة. ويشير بعض الشهود إلى أنَّهم رأوا أفرادًا يحملون الحاويات ويفرغون محتوياتها المشعة المتدنية النشاط في التربة أو في شبكات المياه».

توثِّق الرسالة شهادةً لطبيبٍ محليّ اسمه جعفر ناصر، يدير عيادة في المناطق المجاورة لموقع التويثة يقول فيها إنّه عالج على مدى خمسة أيام، بعد استيلاء السكان على معدات الموقع نحو 20 مريضًا أصيبوا كلُّهم بالتسمُّم بموادٍ إشعاعية، إذ ظهرت عليهم أعراض مشابهة للمصابين بمتلازمة الإشعاع الحادة، وتتمثل بالنزيف والتقيُّؤ، وضيق التنفس، والغثيان والطفح الجلدي.

استغرق فريق (غرينبيس) أسبوعًا كاملًا لإجراء مسحٍ مطوّل للمنطقة الملوّثة، إذ رصد الخبراء نشاطًا إشعاعيًّا في عددٍ من المنازل، يفوق المستوى الطبيعي للإشعاع بـ10 آلاف مرة؛ وفي مصدر آخر خارج مدرسة الماجدات الابتدائية التي تضم 900 تلميذ، كان مستوى الاشعاع أكثر بـ3 آلاف مرة من المستوى الطبيعي.Embed from Getty Images
أطفال عراقيون يلعبون على مدافع الدبابات المُدمّرة، في إحدى مقابر الدبابات على مشارف بغداد، 2003

الدكتور كاظم المقدادي، الطبيب والباحث المتخصص بالصحة والبيئة والتلوث الإشعاعي، والأضرار البيولوجية لاستخدام أسلحة اليورانيوم، حدَّثَنَا عن اليورانيوم المنضّب قائلًا: «إنَّه نفايات نووية، وناتج ثانوي لعملية تخصيب اليورانيوم الطبيعي للحصول على النظير U-235 عالي الإشعاع القابل للانشطار ذاتيًّا، والمطلوب في إنتاج الأسلحة الذرية وكوقود للمفاعلات النووية، وكذلك فإنَّ أسلحة اليورانيوم المنضب تحتوي على النظائر المشعة U-234 وU-238، وكذلك النظير U-236 شديد الإشعاع، بالإضافة إلى البلوتونوم، والأمريشيوم، والنبتونيوم».

بالنسبة لحدود التعرُّض الإشعاعي لليورانيوم واليورانيوم المنضّب، يقول الدكتور المقدادي: «إنَّ معايير السلامة النووية العالمية لعام 1996 تنصُّ على أنَّ الجرعة الإشعاعية التي يتعرّض لها الفرد يجب ألا تزيد عن 1 ميليسيفيرت/سنة، وفي حالات معينة يمكن السماح بوصول الجرعة الفعالة إلى 5 ميليسيفيرت لسنة واحدة؛ شريطة ألا يزيد متوسط الجرعة عن 1 ميليسيفيرت/سنة لخمس سنوات متعاقبة».

«الخرطوشة الفارغة (بعد الاستعمال) لطلقة يورانيوم منضب بطول سيجارة، تبقى مشعّة وينبعث منها إشعاع في اليوم الواحد يعادل أو يفوق ما هو مسموح به خلال سنة كاملة».

وعن مستويات الإشعاع التي تخلفها قذائف اليورانيوم، يؤكّد لنا المقدادي: «الملليغرام الواحد من النظير U-238 يُطلِق في اليوم الواحد أكثر من مليون جسيم من أشعة (ألفا) إضافة إلى أشعة (بيتا) و(غاما) والخرطوشة الفارغة (بعد الاستعمال) لطلقة يورانيوم منضب بطول سيجارة، تبقى مشعة وينبعث منها إشعاع في اليوم الواحد يعادل أو يفوق ما هو مسموح به خلال سنة كاملة».

سألنا الدكتور كاظم المقدادي عن التأثير البيولوجي لهذه الأشعة في جسم الإنسان؛ فأجاب: «إنّ جزيئات (ألفا) المنبعثة من اليورانيوم المنضَّب تستطيع التأثير في تركيب الحمض النووي منقوص الأوكسجين (DNA)، ويمكن أن تؤدي التغييرات التي تسببها إلى السرطان خلال شهور، بالإضافة إلى أن جزيئًا واحدًا من هذه الأشعة حين يستقر في عقدة لمفاوية فإنّه كفيل بتدمير جهاز المناعة بالكامل، الأمر الذي ينجم عنه أنواع خطيرة من السرطان وتشوُّهات الأجنة».

المقدادي ينتقد صمت السلطات العراقية على الكارثة البيئية في العراق، ويذهب إلى أكثر من ذلك من خلال اتهامها بالتواطؤ مع منظمة الصحة العالمية لحجب الحقائق المرعبة حول زيادة معدلات السرطان والتشوهات الخلقية من جراء التلوث الإشعاعي: «لم تكتف وزارة الصحة بمنع الأطباء وتهديدهم من إعطاء أي معلومات أو أرقام تفضح الواقع الصحي المتدهور، ولا بنشرها معلومات مضللة بشأنها، وإنما تواطأت مع منظمة الصحة العالمية لحجب دراسة أجراها العالم الفنلندي كيث بافرستوك كبير خبراء الوقاية من الإشعاع لدى منظمة الصحة العالمية، والتي شملت 10800 عائلة من ست محافظات عراقية ودامت ثلاث سنوات، وأثبتت بما لا يقبل الشك أنَّ استنشاق ذرات غبار اليورانيوم المنضَّب يولِّد آثارًا سُمِّية جينية على الحامض النووي (DNA) في الخلية، وتنتشر عبر تنفسها من الرئة إلى أجزاء الجسم عن طريق الدم، وتتسبب في أضرار بالغة في نخاع العظم والجهاز اللمفاوي والكلى، واحتجاجًا على حجب الدراسة، فقد ترك بافرستوك العمل في منظمة الصحة العالمية».

التشوهات الجينية تلاحق العراقيين

«التشوهات في ولادات مدينة الفلوجة تفوق بـ14 ضعف التشوهات الخلقية في مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين».

تظهر الإحصائيات والشهادات التي حصلنا عليها تباينًا كبيرًا بين الأرقام الواردة في تقارير وزارة الصحة السنوية وأرقام المستشفيات فيما يتعلّق بأعداد ونسب التشوُّهات الخلقية؛ فعلى سبيل المثال تذكر وزارة الصحة في تقريرها لعام 2017 أنَّها سجلت 85 حالة تشوه خلقية بين الولادات في عموم محافظة الأنبار (التي تضم تسع مدن)، بينما في شهادة حصلنا عليها من مدير إعلام مستشفى الفلوجة السابق ناظم الحديدي قال إن المستشفى سجلت في العام نفسه 275 حالة تشوه خلقية، وهذا العدد في مدينة الفلُّوجة وحدها، وكذلك في تقريريها لعام 2015 و2016 لم تورد الوزارة أيَّ أرقام أو نسب عن التشوهات الخلقية في محافظة الأنبار.

ولادات عراقية مصابة بتشوُّهات خلقية، الصور حصلنا عليها من مصدر خاص في وزارة الصحة

في عام 2004 بلغت نسبة التشوّهات الخلقية 8.9% من مجموع الولادات في العراق، احتلت العاصمة بغداد المرتبة الأولى بنسبة 26.5% من مجموع الولادات المشوّهة، تلتها محافظة نينوى بنسبة 23% ثم محافظة البصرة بنسبة 11.7% ثم بابل بنسبة 6% فيما تراوحت نسبة التشوهات في بقية المحافظات بين 1.1% و5.3% ما عدا محافظة الأنبار التي لم تتوافر فيها إحصائيات حتى عام 2008 بسبب الوضع الأمني الذي كان حينها خارج سيطرة الدولة وقوات التحالف الدولي.

بحسب أرقام وزارة الصحة – التي حصلنا عليه بشكلٍ خاص – فإنّ نسبة التشوُّهات الخلقية انخفضت بشكلٍ طفيف عام 2005 لتسجِّل 7.9% ثم استمر هذا الانخفاض في عام 2006 مسجلًا 7.6% ثم 6.9% في عام 2007 واستمر الانخفاض في عام 2008 ليصل الى 6.2%، وتحتل التشوهات الخلقية المرتبة الثالثة في الأسباب العشرة المؤدية إلى موت الولادات في العراق.

في الأعوام التالية سجّلت التشوهات الخلقية في الولادات ارتفاعًا دراماتيكيًا حيث بلغت 7.4% في عام 2009، ثم ازدادت إلى 11.8% عام 2010، مواصلة ارتفاعها في عام 2011 بنسبة 13% أمّا في عام 2012 فسجّلت 14.2% وبلغت النسبة أقصاها في عام 2013 لتسجَّل التشوُّهات الخلقية 15.6% من مجموع الولادات في العراق، أما في الفترة الممتدة من 2014 إلى 2018 فلا يمكن الاعتماد على الإحصائيات الرسمية لوزارة الصحة بسبب سيطرة تنظيم (داعش) الكاملة على ثلاث محافظات عراقية هي: الأنبار، ونينوى، وصلاح الدين، وسيطرته على أجزاء كبيرة من محافظتي ديالى وكركوك.

ولادات عراقية مصابة بتشوهات خلقية، الصور حصلنا عليها من مصدر خاص في وزارة الصحة، وتتكتّم الوزارة على نشرها

من أجل معرفة المأساة عن قرب، توجَّهنا إلى مدينة الفلوجة ثاني أكبر مدن محافظة الأنبار، وأكثر المدن العراقية شهرةً بعد عام 2003، وتأتي شهرتها من معركتين كبيرتين خاضهما الجيش الأمريكي للسيطرة على المدينة عام 2004، فشل في المعركة الأولى، لكنّه تمكن في الثانية من دخول المدينة بعد حربٍ تسبَّبت بدمار 70% من البُنَى التحتية للمدينة، واتهامات باستخدام أسلحة محرمة دوليًا كاليورانيوم المنضّب، والفسفور الأبيض.

في مستشفى الفلوجة التعليمي، افتُتِحَ قِسمٌ خاص بالتشوُّهات الخلقية، مُنعنا من دخوله، إلا بإذنٍ خطِّيٍّ من وزير الصحة علاء الدين العلوان، وامتنع كثيرٌ من الأطباء عن إعطائنا شهاداتهم لأنَّهم غير مخوّلين بالتصريح؛ ففي محافظة الأنبار على وجه الخصوص تتحفّظ وزارة الصحة ودوائرها على المعلومات الخاصة بمعدلات التشوهات الخلقية والإصابة بالسرطان، أو الحديث عن مستويات التلوُّث الإشعاعي، لكننا وبمساعدة أطباء – اشترطوا عدم الكشف عن هوياتهم بالطبع – استطعنا الحصول على 350 صورة لأطفال وأجنّة مصابين بتشوهاتٍ خلقيةٍ حادة (وتتحفّظ الجهات الرسمية على نشرها)، وكذلك وافقت عضو لجنة التشوهات الخلقية في مستشفى النسائية والأطفال بالفلوجة الدكتورة سميرة العاني على إعطائنا شهادتها عن معدلات التشوُّه الخلقي الموثقة في سجلات المستشفى.

تؤكد الدكتورة سميرة العاني أنَّ: «التشوُّهات في ولادات مدينة الفلوجة تفوق بـ14 ضعف التشوهات الخلقية في مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين»، وتضيف: «لقد وثّقت بنفسي خلال عامين فقط 699 حالة تشوُّه خلقي، وهذا رقم مفزع. وعندما أجرينا فحوصاتنا على عينات مأخوذة من ولادات مصابة بتشوه خلقي وكذلك عينات من عائلاتهم (الأب أو الأم أو كليهما) وجدنا نسبًا عالية من اليورانيوم والزئبق والرصاص ومعادن أخرى».

العاني تحدّثت عن قلة الدراسات والإحصائيات الخاصة بزيادة معدلات التشوهات في مواليد مدينة الفلوجة، وذكرت أنَّ آخر إحصائية أُجريت كانت في عام 2011 حيث وثّقت زيادة كبيرة في التشوُّهات الخلقية بلغت 147 حالة من بين كل ألف مولود جديد.

المدير السابق لإعلام مستشفى الفلوجة ناظم الحديدي وخلال الحديث معه عن نسب وإحصائيات التشوُّهات الخلقية في الفلوجة حدّثنا عن المسكوت عنه في الحكاية قائلًا: «إنَّ دائرة صحة الأنبار ألغت دور لجنة التشوُّهات الخلقية التي كانت مسؤولة عن توثيق التشوُّهات وأرشفتها في سجلاتٍ خاصة، ومنعت الأطباء وإعلام المستشفى من الإدلاء بأيَّ تصريحات حول هذا الأمر، لقد فتحتم معي مجلسًا تحقيقيًا لأنَّني أدليت بتصريحات لصحيفة «الإندبندنت» البريطانية عام 2013».

الحديدي الذي نُقِل من مستشفى الفلوجة إلى مستشفى مدينة الكرمة (30 كيلومتر شمال شرق الفلوجة) يشكِّك في إحصائيات وزارة الصحة، ويؤكد لنا أنّ «إحصائيات وزارة الصحة لا تمثِّل الحقيقة، إنَّها لا تمثل 50% من الحقيقة، إنَّهم يتسترون على الأرقام الحقيقية لأنها كارثية»، ويضيف أنّ «مجتمع الفلوجة يشهد عزوفًا كبيرًا عن الإنجاب وحتى عن الزواج بعد تزايد التشوهات الخلقية التي تحدث في المدينة».

الصور التي حصلنا عليها من أرشيف مستشفى الفلوجة تعود للفترة من عام 2008 وحتى عام 2019 «باستثناء الأعوام 2014، و2015، و2016 التي لا تتوفّر بشأنها أي معلومات أو صور بسبب سيطرة تنظيم (داعش) على المدينة» وتُظهر الصور التي بحوزتنا مواليد وأجنّة بعيوب خلقية اشتملت على تشوُّهات الشفة الأرنبية، والعين الواحدة في منتصف الوجه، وتضخُّم الأطراف، وكذلك بروز الدماغ خارج الجمجمة، والوجه بلا عينين أو أنف، وهيكل عظمي مشوّه، وغيرها من العيوب.

 

واحدة من الدراسات القليلة التي أجريت على مجتمع مدينة الفلوجة كانت بعنوان «السرطان ووفيات الأجنة والنسبة بين الجنسين في الفلوجة» أجراها عام 2010 فريق من الباحثين في مؤسسة Green Audit البريطانية، بإشراف البروفسور كریس باسبي من جامعة أولستر، والذي كان يشغل حينها منصب السكرتیر العلمي للجنة الأوروبية لمخاطر الإشعاع.

شملت الدراسة 711 عائلة في الفلوجة بعدد أشخاص بلغ 4 آلاف و843، وجرى اختيار العوائل بشكلٍ عشوائيّ من أجل الحصول على نتائج أكثر دقة، وتكشف الدراسة عن نتائج صادمة، حيث أنَّ طيف الأمراض السرطانية ونسب الوفيّات بين الأطفال الرُّضَّع والنسبة بين الجنسين جاءت مشابهة للنسب في مدينة هيروشيما بعد سقوط القنبلة الذرية، كما وثّقت الدراسة زيادة – عن المعدلات المسموح بها عالميًا – بمقدار 40 ضعفًا في سرطان الدم (اللوكيميا) خاصة في صفوف الصغار، ومن هم دون سن 35 عامًا، وزيادة بمعدل عشرة أضعاف في سرطان الثدي بين النساء، وزيادة كبيرة في سرطان الغدد اللمفاوية الذي يصيب العقد اللمفاوية بسبب استنشاق مواد إشعاعية، أو بسبب مواد أخرى تؤثر في التركيبة الجينية، وبحسب النتائج فقد زادت الأمراض السرطانية بحوالي 4.5 مرة عن المعدل الطبيعي.

وفيّات الأطفال الرُّضَّع شهدت أيضًا زيادة كبيرة في الفلوجة خلال الفترة التي غطتها الدراسة حيث بلغ معدل الوفيات 80 حالة من بين كل ألف ولادة، وقارنت الدراسة هذا المعدل بمعدل الوفيات في كلٍ من الكويت ومصر للفترة نفسها، حيث بلغ في الكويت تسع وفيات لكل ألف ولادة، بينما في مصر سُجلت 19 حالة وفاة لكل ألف ولادة.

مولود عراقي من مدينة الفلوجة مصاب بتشوهات خلقية، الصورة حصلنا عليها من مصدر خاص في مستشفى الفلوجة

متلازمة حرب الخليج

قليلًا إلى الوراء، وتحديدًا في 18 أبريل (نيسان) 1998 حيث نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقريراً وثّقت فيه شهادات مسؤولين ومحاربين قدامى في الجيش الأمريكي عن أعداد المصابين من الجنود المشاركين في حرب عاصفة الصحراء عام 1991، ووفقًا لشهادة وزير العدل الأمريكي الأسبق رامزي كلارك فقد بلغ عدد المصابين بـ«أمراض غريبة» نحو 90 ألف جندي، من مجموع 700 ألف جندي من قوات التحالف شاركوا في تلك الحرب، وقد أطلق على هذه الأمراض اسم «متلازمة حرب الخليج».

التقرير الذي نشرته حينها صحيفة القدس العربي مترجمًا، وثّق أيضًا استطلاعًا أجرته صحيفة The Nation عام 1996، وشارك به 10051 جنديًا أمريكيًا أصيبوا بأمراضٍ غريبة عقب حرب الخليج عام 1991، حيث أظهر الاستطلاع أنَّ 82% منهم دخلوا إلى الدبابات العراقية المقصوفة باليورانيوم المنضّب.

الجنود الأمريكيون ليسوا وحدهم من يعاني من متلازمة حرب الخليج، فبحسب رابطة المحاربين القدامى الملكية في بريطانيا فإنّ 33 ألف جندي بريطاني ممن شاركوا في حرب عاصفة الصحراء مصابون بالمرض، وقد أقرَّت وزارة الدفاع البريطانية بأنَّ الإجماع على وجود هذه الأعراض الغريبة يجعل من هذا الاعتلال الصحي «متلازمة».

الجنود الأمريكيون ليسوا وحدهم من يعاني من متلازمة حرب الخليج، فبحسب رابطة المحاربين القدامى الملكية في بريطانيا فإنّ 33 ألف جندي بريطاني ممن شاركوا في حرب عاصفة الصحراء مصابون بالمرض، وقد أقرَّت وزارة الدفاع البريطانية بأنَّ الإجماع على وجود هذه الأعراض الغريبة يجعل من هذا الاعتلال الصحي «متلازمة».

«أعراض متلازمة حرب الخليج تشمل: سرطان الرئة والعظام والكبد، والطفح الجلدي، ومشاكل في التنفس، وفشل كلوي، بالإضافة إلى خدر الأطراف وآلام العضلات، صداعًا مزمنًا، وإسهاًلا مزمنًا، ومشاكل في الهضم والتنفس».

في عدد 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1996 نقلت صحيفة «The Nation» عن مصادر أمريكية أنَّ دبابات أبرامز ميامي أطلقت خلال المعارك 14 ألف قذيفة يورانيوم كبيرة، فيما أطلقت الطائرات من نوع A-10 نحو مليون قذيفة صغيرة والتي أبدت قدرة فائقة على اختراق الدبابات والدروع الأكثر قوة ومتانة!

تقرير هآرتس، السابق ذكره، كشف عن حادثةٍ مثيرة وقعت خلال حرب عاصفة الصحراء عام 1991، حيث ذكر أنَّ حريقًا اشتعل في مخزن يورانيوم غير مكثَّف بجانب معسكر للجيش الأمريكي في الكويت، والتهمت النيران 3.5 طن من اليورانيوم، لكنَّ أحدًا لم ينزعج من سحابة الدخان التي تعالت فوق المعسكر، وقد أُصيبت جراء تلك النيران الصديقة عشرات الدبابات الأمريكية، وانتقل التلوث الإشعاعي إلى أجساد الكثير من الجنود الذين ساهموا بإعداد تلك الدبابات المحترقة للشحن إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وقفة احتجاجية للمحاربين القدامى في الجيش البريطاني لتسليط الضوء على المصابين بمتلازمة حرب الخليج

آلاف المواقع الملوثة بالإشعاع

على الرغم من أن «برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)» يؤكد وجود آلاف المواقع الملوثة بالإشعاع المؤيّن في العراق، إلا أنّ «مركز الوقاية من الإشعاع» التابع لوزارة البيئة العراقية السابقة (دُمِجت مع وزارة الصحة) أقرَّ بوجود 300 إلى 360 موقعًا ملوثًا بالإشعاع، وفي بغداد أقرت وزارة العلوم والتكنولوجيا السابقة (دُمِجت مع وزارة التعليم العالي) بوجود 40 موقعًا ملوثًا أخطرها موقعي التويثة وعويريج، فيما قالت إن البصرة تحتوي على 23 موقعًا ملوثًا بالإشعاع، و20 موقعًا في الناصرية و20 موقعًا في بابل، و16 موقعًا في ديالى، و14 موقعًا في ميسان، وثلاثة مواقع في المثنى، وموقعين اثنين في نينوى هما عداية والجزيرة وقد تعرضا لعمليات سلب ونهب ونبش للنفايات النووية المشعّة المطمورة هناك.

ومن أجل الحصول على معلومات أكثر دقة بشأن إحداثيات المواقع التي لم تَرِد في بيانات وزارة العلوم والتكنلوجيا، كالمواقع الملوّثة في محافظة الأنبار والنّجف وكربلاء والعمارة، توجهنا إلى مقر الوزارة في بغداد وطلبنا أجوبة على أسئلتنا، لكننا لم نتلقَّ ردًا، وامتنع المسؤولون في الوزارة عن إعطائنا أي تصريح بهذا الشأن، بحجة أن الأمر يتعلق بالأمن الوطني للبلاد!

في مقابل ذلك استطعنا الحصول على كتابٍ سري موجّه من وزارة العلوم والتكنولوجيا السابقة وتحديدًا مديرية معاملة وإدارة النفايات المُشعّة، إلى معمل الحديد والصُّلب في البصرة، وينص الكتاب على نقل «نفايات معالجة» من موقع المعمل في البصرة إلى موقع الخزن المقترح عبر الطريق الدولي في محافظة الأنبار، والكتاب موقع بتاريخ 12 مايو (أيار) 2019 من قبل «ماجد شنون خلف» المشرف على الأنشطة النووية.

ولمعرفة ماهية تلك النفايات السامة والمُشعّة قابلنا عضو مجلس النوّاب العراقي عن محافظة الأنبار يحيى غازي، الذي شغل سابقًا منصب مدير مكتب وزير العلوم والتكنولوجيا، وقد أخبرنا أنَّ تلك النفايات هي خردة عسكرية وقطع غيار ملوثة بالإشعاعات المؤينة من جراء حربي 1991 و2003.

كتاب سري موجه من وزارة العلوم والتكنولوجيا إلى معمل الحديد والصلب في البصرة لنقل نفايات معالجة إلى محافظة الأنبار

في مدينة الرمادي (108 كيلومتر غرب بغداد) حيث مقر الحكومة المحلية لمحافظة الأنبار، قابلنا رئيس مجلس محافظة الأنبار أحمد حميد شرقي، لنعرف منه الموقع المقترح لنقل النفايات المُشعّة، وكيف تعاملوا مع كتاب وزارة العلوم والتكنولوجيا السّري، فأخبرنا أنَّ الموقع المقترح كان في المنطقة الواقعة بين مدينة الفلوجة وبحيرة الثرثار، وأخرج لنا كتابًا صدر بعد شهر على كتاب وزارة العلوم والتكنلوجيا، وقال إنَّ السلطة المحلية في الأنبار وجّهت هذا الكتاب إلى التشكيلات الأمنية بكافة صنوفها في محافظة الأنبار لمنع دخول تلك النفايات السامة إلى حدود المحافظة، وأكد لنا أنَّ إجراءات النقل توقفت.

كتاب صادر من مجلس محافظة الأنبار لمنع دخول النفايات المعالجة المشار إليها في كتاب وزارة العلوم والتكنولوجيا السري

اتصلنا بالسفارة الأمريكية في بغداد عبر الهاتف للحصول على معلوماتٍ عن كميات اليورانيوم المستخدم في حربي 1991 و2003 وإحداثيات القصف، والخرائط الأمريكية للمواقع الملوّثة بالإشعاعات المؤينة، وعلاقة ذلك بارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان والتشوُّهات الخلقية، لكننا لم نحصل على رد؛ غير أنَّ جزءًا من إحداثيات الـ«GPS» للمواقع المستهدفة باليورانيوم المنضب عام 2003 أعطته وزارة الدفاع الأمريكية للجيش الهولندي الذي تمركز في محافظة المثنى جنوبي العراق ضمن قوات التحالف الدولي، وكانت تلك الإحداثيات تخصّ المواقع الملوثة بالإشعاع في تلك المحافظة حصرًا، وقد سلَّم الجيش الهولندي تلك الإحداثيات لـ«منظمة السلام الهولندية (PAX)» التي ضمنتها في دراسة نشرتها عام 2014.

في عام 2003 نشرت مجلة «New scientist» ورقة بحثية لوزارة الدفاع الأمريكية (حُذِفَت من الانترنت فيما بعد) أقرَّت خلالها أن الولايات المتحدة وبريطانيا استخدمتا 320 طنًا من ذخائر اليورانيوم المُنضّب خلال حرب الخليج عام 1991، وجاء في الورقة أيضًا أن الجيش الأمريكي استخدم ألفي طنٍ من ذخائر اليورانيوم المنضب خلال غزو العراق عام 2003. 

وفي يونيو من العام نفسه، قدَّم داماس لوبيز، رئيس «الفريق الدولي لدراسة اليورانيوم المنضب (ADUST)» ورقة بحثية قرأها في البرلمان الأوروبي ببروكسيل، ذكر فيها أنَّ الولايات المتحدة استعملت اليورانيوم المنضب على نطاقٍ واسع خلال حروبها على العراق، وقدرَّت «مؤسسة الأبحاث النووية الهولندية (LAKA)» كمية اليورانيوم المنضب المستعمل في حرب الخليج عام 1991 بأكثر من 800 طن.

رابطة الأطباء الدوليين لمنع الحرب النووية عقدت عام 2004 مؤتمرًا دوليًا استضافت فيه قائد سلاح الجو الهندي السابق الأدميرال Vishnu Bhagwat والذي قدَّم ورقة بحيثة بعنوان أسلحة الدمار الشامل الصامتة حيث قام بحساب عدد الذرات المُشعّة في القنبلة التي أُلقيت على مدينة ناغازاكي اليابانية في الحرب العالمية الثانية وقارنها بما استخدمته الولايات المتحدة في العراق ليكشف رياضيًا أن الجيش الأمريكي استخدم ما يُعادل 250 قنبلة نووية.

في السنة ذاتها التي انتهت بها حرب الخليج 1991 سُرِّبَ تقرير سرّي صادر عن سلطة الطاقة النووية البريطانية، ونشرته حينها صحيفة «الإندبندنت»، جاء فيه أنَّ اليورانيوم الذي بقي في العراق يمكنه أن يتسبب بوفاة 500 ألف شخص، وبعد خمس سنوات من تسريب التقرير وتحديدًا في عدد 21 أكتوبر 1996 ذكرت مجلة «The Nation» أنَّ هذا الرقم حُسِبَ على افتراض أنَّ المتبقي في العراق هو 40 طنًا، وليس 320 طنًا من اليورانيوم المنضب، في هذا السياق نعيد المعلومة التي ذكرها داماس لوبيز، رئيس الفريق الدولي لدراسة اليورانيوم المنضب بأنّ الرقم المتبقي في العراق هو 800 طن.

ومن أجل منع انتشارها واستخدامها، تشكَّل عام 2003 تحالف عالمي يضم أكثر من 160 منظمة، من 34 دولة، اسمه التحالف الدولي لحظر أسلحة اليورانيوم (ICBUW) واستطاع هذا التحالف في عدّة مناسبات – كان آخرها عام 2014 – طرح مشروع قانون في الأمم المتحدة لمنع استخدام الأسلحة المصنّعة من اليورانيوم المنضّب، إلا أن تصويت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضده في كل مرة  يعرقل حتى الآن النجاح في إقرار حظر استخدام أسلحة اليورانيوم المنضب.

أُنجز التحقيق بدعم من شبكة «نيريج» للصحافة الاستقصائية، ونُشرت نسخته الكاملة في موقع «ساسة بوست»، وقد نُشِرت نسخة مختصرة من التحقيق في موقع «درج» ومواقع أخرى.

عرض التعليقات