رأى المصري القديم في الموت أمرًا مفزعًا ومخيفًا، ظاهرة لم يدرك كنهها، ولهذا أراد تجنب الفناء. وقد عُرفت عقيدة المصري القديم (الأوزيرية) بأنها «عقيدة الخلود»، وفيها وضع المصري القديم تصورًا شاملًا لحياةٍ أخرى خالدة بعد الموت.

لكن تلك الحياة الخالدة كانت في بدايتها هبة حصرية للملوك، فهم تجسيد للإله على الأرض، وبالتالي كان الخلود حقًا حصريًّا لهم، كما كان الملك وحده هو صاحب الحق في التحنيط والدفن وحياة القبر؛ بينما لم يكن للشعب هذا الحق بعد، وذلك حتى ظهر الإله «أوزوريس» ظهورًا قويًا، وخلع الإله «رع» عن عرش الحياة الآخرة وحل محله حاكمًا للموتى؛ ليمنح الخلود للشعب، هذا الخلود الذي كان نتاج ثورة شعبية كبرى كانت الأولى من نوعها في التاريخ؛ ثورة مساواة في الخلود، غيرت الحياة الدينية للمصري القديم إلى الأبد.

في البدء.. لم يكن الناس سواسية في الخلود

عرفت المجتمعات البدائية القديمة مجموعة العادات والأعراف والقوانين التي نظمت العالم القديم، وحددت العلاقات بين الأفراد بعضهم البعض، وبين الفرد والجماعة البشرية التي ينتمي إليها، وعادةً ما أحيطت تلك الأعراف والشرائع بهالة من القداسة السامية؛ بحسب الكاتب فتحي إمبابي وكتابه «شرائع البحر المتوسط القديم»؛ إذ جرى اعتبار الآلهة مصدر هذه السنن والأعراف، تمامًا مثلما جُعِل الكهنة والملوك حرَّاسًا عليها. ومن هذا المنطلق نشأت عقائد المصري القديم، وكان «الخلود» هو ركيزة تلك العقائد.

«عندما خلَقت الآلهةُ الإنسان قدَّرَت عليه الموت، بينما احتفظَت لنفسها بالخلود»*أسطورة جلجامش

كان للروح ثقل خاص في الحضارة المصرية القديمة؛ فقد اعتبر المصري القديم أن الإنسان عبارة عن مزيج من ثلاث قوى مندمجة معًا، لكنها تنفصل عن بعضها البعض بالموتِ، هذه القوى هي: «الجسد الإنساني» والذي يمكن اعتباره الأنا، و«البا» والتي تمثل قوة الروح الغامضة التي تصعد بعد الموت إلى السماء لتصاحب الآلهة، و«الكا» التي مثلت القوة الثالثة وكانت أشبه بمفهوم القرين، وقد مثلت صورة طبق الأصل من الجسد الإنساني؛ وإن كانت هيئتها غير مادية.

وكانت «الكا» تصاحب الإنسان أينما ذهب في حياته من أجل الحماية؛ وتذهب معه إلى القبر بعد مماته، وقد تتردد فيما بعد على الأرض في شكلٍ شبحي لتزور الأماكن الخاصة بالميت بعد الوفاة، في مشهد أشبه بالحكايات التقليدية عن الأشباح والعفاريت.

رأت الديانة المصرية القديمة أن الوجود لا يمكن أن يكون مقصورًا على تلك الحياة الفانية؛ لذا تخيلوا وجود عالم آخر يتخطى حدود هذا العالم المادي المحسوس؛ ولأنه مضاد لعالمنا المادي الفاني؛ فقد اتسم هذا العالم بالخلود، واعتبروه المحطة الأخيرة في الحياة؛ والعالم الذي ينتقل إليه المتوفى بعد الموت، وقد ترك لنا المصري القديم في نصوصه تصورات كثيرة توضح رؤيته لهذا العالم الآخر ورحلة المتوفى إليه ما إن يزن قلبه خف ريشة.

Embed from Getty Images

(الإله أوزوريس – إله العالم السفلي)

لكن حتى نهاية الأسرة الخامسة، كان هذا «الخلود» محصورًا على الملوك؛ إذ اعتبرهم المصري القديم تجسيدًا للآلهة على الأرض، فكان الملك المصري يمثل التجسيد البشري للإله حورس، وبالتالي كانت من طبيعته الخلود المتمثل في البعثِ مرةً أخرى والعبور للحياة الآخرة؛ فكان الملوك هم أصحاب الحق وحدهم في التحنيط، وحياة المقابر المهيئة للبعث، حيث حرص المصري القديم على وضع كل ما يمكن أن يحتاجه بهذه الحياة داخل المقبرة، من أثاث وحلي وأمتعة دنيوية.

وهو الحق ذاته الذي حرم منه عامة الشعب في بدايات الدولة القديمة، فاعتبر مثواهم الأرض لأنهم يفتقدون للطبيعة الإلهية الخالدة، وبالتالي فهم فانون، فنجد مكتوبًا في «متون الأهرام»: «الناس يفنَوْن وأسماؤهم تُمحى؛ بعكس الملك الذي يصعد إلى السماوات».

وسيتغير مفهوم «الملك الإلهي» لدى المصري القديم فيما بعد؛ ليصبح الملك ممثلًا لابن الإله وليس تجسيدًا له؛ وبعد الثورة الشعبية الأولى ومع بداية عصر الأسرة السادسة سيصبح الملك مجرد نائب عن الآلهة في حكم مصر ويستمد قداسته من قيم الحق والعدل وليس فقط من كونه الملك.

وقد توافق ذلك مع ظهور الإله أوزوريس على مسرح الأحداث، ليزيح رع الأونيّ عن عرش الآلهة ويحل محله حاكمًا للموتى؛ ليمنح الخلود للجماهير الشعبية، فأطلق عليه بعض الباحثين لقب «رب الثورة» لأنه خاض ثورة السماء ومنح الخلود للعامة؛ فكيف حدث هذا الانقلاب؟

«الثورة الشعبية الأولى».. شعبٌ فان يبني للملوك دور الخلود

تصف بردية «الحكيم أبوور» أو «أبو العجوز» حوادث عصره في أواخر الدولة القديمة؛ هذا العصر الذي قامت فيه الثورة الشعبية الأولى على مفاسد حكم الطبقة الأرستقراطية القديمة؛ كما تصف العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في إشعالها.

في ذلك الوقت كانت الملكية قد عجزت عن كبح جماح الجنود المرتزقة في جيشها، لتصبح خيرات مصر، مشاعًا لكل من هبط أرضها من دونِ أهلها، فيصف أبوور الحكيم كيف كانوا يختبئون بين الأشجار لينقضوا على الأهالي ويسلبوا وينهبوا ممتلكاتهم؛ حتى ضاق الناس خلقًا بهم.

ويبدأ عهد الدولة المصرية القديمة من الأسرة الأولى وحتى نهاية الأسرة السادسة، وهو العهد الذي استمر في الفترة من (3000 – 2500) قبل الميلاد، وتحت ظله انقسم المجتمع المصري إلى ثلاث طبقات، جرى ترتيبها كالتالي: «طبقة الأشراف» وتضم الملك وآل بيته والأمراء وكبار موظفين البلاط والحكام، و«طبقة أصحاب الأرض» وهم الإقطاعيون، وأخيرًا «طبقة العامة» وتضم الأحرار من الفلاحين والعمال ومعهم العبيد ممن يعملون في الفلاحة؛ ولم يكن أيًا من الفريقين في الطبقة الأخيرة له حق امتلاك شيء من الأرض.

وكان نظام الحكم القديم يضع الحكام في درجة عظيمة من القوة والثراء، بحكم قداستهم، فكانوا مسيطرين على الأقاليم، وكان الملك على رأس الدولة يولي الحكام والموظفين ويعزلهم متى شاء؛ وكان رئيس وزراء الملك هو أكبر الموظفين شأنًا؛ وهو منفذ القوانين والمشرف على الإدارة والأعمال، وبالتالي كان أعظم شخص في الدولة بعد الملك؛ إلا أنه افتقد لميزة القداسة التي تفرد بها الملك دون غيره.

حينذاك كانت الزراعة هي الأساس القائم عليه اقتصاد الدولة المصرية، وكانت الأراضي يمتلكها السادة الملاك من الإقطاعيين الكبار، ولم يكن هناك من صغار مُلاك في عهد الدولة القديمة؛ فعمل الفلاحون في أراضي لا يملكونها مقابل أجور عينية، ومع فلاحةِ الأرض عمل الأهالي في قطع الأحجار والتنقيب عن المعادن وحفر الترع لتنظيم مياه فيضان النيل، ولم تكن حياة الفلاح المصري القديم تختلف كثيرًا عن حياة فلاحي اليوم؛ فهم يعملون من الصباح للمساء، وفي الليل يجتمعون في جلسات السمر والحكي، ويتبادلون القصص عن الأبطال القدامى وحكايات الآلهة.

ولم يهتم الفلاحون في عصر الدولة القديمة بشؤون الحكومة والسياسة؛ وجرت العادة على أن يتغير الحُكام والملوك دون أن يتدخل العُمال والفلاحون في شؤون طبقة الأشراف؛ إذ اعتبروا حينذاك الأمور السياسية من الأعباء التي لم يرغبوا في تحملها؛ وتركزت حياتهم حينها على الدين والحياة الأخرى، وهو الوضع الذي سيتغير أواخر الأسرة الخامسة.

 

Embed from Getty Images

(أهرامات الجيزة)

وكان جباة الضرائب قد انتشروا في الأقاليم منذ عهد الأسرة الثالثة، وتمثل عملهم في تحصيل المحاصيل والجبايات وإرسالها إلى العاصمة «منف»؛ لكن مع الوقت بدأ نفوذ حكام الأقاليم في الازدياد، وانفردوا بجباية الضرائب بأنفسهم؛ وذلك حتى عَظم شأنهم في نهاية الأسرة الخامسة، وأصبح لحكام الأقاليم حق وراثة الأرض التي يحكمونها.

حينذاك بدأت هيبة الملوك وقداستهم في الارتباك، وضعفت مكانتهم حتى أنهم أصبحوا يستميلون الحكام والأمراء بالهدايا وإقطاعات الأراضي؛ وهو تغير كبير سينتج عنه تفكك سياسي؛ يصفه المؤرخون بأنه كان بداية لـ«عهد الإقطاع» الذي بدأ في عصر الأسرة الخامسة واستمر حتى دخول الهكسوس مصر في عهد الأسرة الثالثة عشر.

نتيجة لذلك؛ لم يعد يُنظر إلى الملك بنفس القداسة القديمة القائمة على مفهوم «الملك الإله»، ولأن الموت والدفن كانا من الطقوس الأساسية في عقيدة المصري القديم؛ فقد تغيرت بعض عادات الدفن وقتها؛ ولم يعد حكام الأقاليم يدفنون إلى جوار الملوك بعد موتهم؛ كما جرت العادة بأن تحيط مقابرهم مقابر الملوك في مشهدٍ مهيب للحاشية؛ بل اتخذوا لأنفسهم مقابر خاصة في الأقاليم التي حكموها؛ وهو ما اعتبر تغيرًا جذريًا في المشهد الديني لمصر القديمة.

وبحلول نهاية الأسرة الخامسة؛ ستحدث الثورة الشعبية الأولى؛ تلك التي سيخرج فيها الشعب المصري احتجاجًا على الظلم الذي عاناه أثناء بناء دور الخلود للملوك المؤلهين في عهد الأسرة الرابعة، الذي عرف أيضًا بـ «عصر بناة الأهرام».

وقد جاءت هذه الثورة للتخلص من الظلم والطغيان على المستويين السياسي والاجتماعي؛ وحملت داخلها بذرة الثورة على المعتقدات الدينية السائدة؛ والتي كانت في حقيقتها ديانة ملوك غايتها التسلط والقهر وتبرير الطغيان؛ وقد حملت تلك الأفكار الثورية محاولات للبحثِ عن الخلاص الديني، تمثلت في ظهور آلهة جديدة؛ تهتم بالشعب ومشكلات الفقراء والجماهير الغفيرة بدلًا من أن ينصب اهتمامها على الملك وحاشيته.

«فجر الضمير».. عندما منح رب الفقراء أوزير الخلود للمصريين

حكم أوزير مملكة الأموات السفلية؛ بعد أن خلع عن عرشها الإله رع الأونيُّ وحل محله حاكمًا للموتى؛ وقد جاء هذا التغير الديني الجذري متزامنًا مع الثورة الشعبية الأولى التي قام بها الأهالي وتبعها مجموعة من الثورات، اعتبرت أول ثورات أيديولوجية ضد الملكية والإقطاع معًا في التاريخ، وضد الدين الرسمي للدولة؛ وقد تمكن بعدها الأمراء من إسقاط الأسرة السادسة ليتنهي بذلك عصر الدولة القديمة؛ وتُرسي ملامح العصر الجديد دينيًا وسياسيًا.

فكان تنصيب الإله «أوزير» على عرش الآخرة يمثل انتصارًا مصريًا؛ أدخل الشعب إلى العالم الخالد الذي كان مقتصرًا من قبل على الملوك، وظل سائدًا لخمسة قرون متواصلة؛ إذ فتح «أوزير» الإله أبوابه للجميع دون تفرقة؛ بل وخص الطبقة الفقيرة بشكلٍ خاص بعنايته.

ليصبح أوزير هو الإله الشعبي بامتياز؛ وقد سارت «عقيدة الخلود» تلك في ظله وفق مقاييس أخلاقية رفيعة المستوى تشبه تلك الخاصة بفلسفة الأخلاق، وهي المعايير التي قال عنها المؤرخون إنها مثلت «فجر الضمير الإنساني»، فلكي يمنح الإله أوزير الخلود للمتوفى بالعدل؛ كان يجب أن يستند إلى نسق ونظام عدالة خاص، لا يفرق في مضمونه بين ملك وفلاح، وهي رؤى عميقة للكون وضعت المفاهيم الأولى للخير والشر وفضائل العدالة والحرية.

فقد حبت الطبيعة المصري القديم كل ما احتاج إليه قديمًا ليقيم نهضة وحضارة تدوم؛ نهر وشمس وطقس معتدل يناسب النشاط الرئيسي لهذا الزمن، وهو الزراعة؛ وإلى جانب ذلك عاش المصري حياة هادئة مكنته لأن يتفكر ويتأمل في المعاني الوجودية للحياة والموت والهدف منهما؛ وهو ما استدعى منه التفكر في الحياة بعد الموت وإمكانية البعث وطرق حساب الروح عما اقترفته في الحياة، وكان ذلك يمثل تاريخيًا ولادة الضمير الإنساني ونشأة منظومتي القيم والأخلاق؛ وفقًا لما جاء في كتاب «شرائع البحر المتوسط القديم»، للكاتب فتحي إمبابي.

«أنا الميزان تعلوه الريشة.. بيدي أزن قلوبكم لأنها شائكة» *من النصوص المصرية القديمة عن الماعت

في ذلك الوقت عرف المصري القديم «الماعت»، والذي جسد مفهوم العدالة والقانون والنظام الكوني، فكان الماعت رمزًا للحق، وهو النظام الأخلاقي الذي ارتكز عليه الإله «أوزير» حاكم العالم السفلي، ليمنح هبة الخلود للمتوفين.

وقد صورت الماعت بهيئة سيدة رشيقة تحمل فوق رأسها ريشة نعامة بيضاء، تعرف بريشة العقاب، وهي رمز للحقيقة؛ وتحمل في يدها «مفتاح عنخ» -مفتاح الحياة الذي نعرفه، وقد جرى العهد قديمًا على أن يقدم الملوك قرابينهم لـ«الماعت» قبل تولي الحكم؛ إذ منها يكتسبون شرعيتهم، ومن خلالها يثبتون أحقيتهم في الحكم وبها يقسمون على الحفاظ على قوانين الكون ونظامه التي تجسدها، فكان على الملك دائمًا أن يثبت أنه حائز للماعت.

Embed from Getty Images

(الماعت)

ووفقًا للنظام الأخلاقي الدقيق هذا، كان شرط حصول الفرد على هبة الخلود، هو أن يكون امرءًا صالحًا، لم يرتكب في دنياه شرورًا، لا في حق نفسه كفرد ولا حق أقرانه في المجتمع، وقد وضعت تلك الرؤية الأخلاقية المصري القديم في موقف اختيار دائم ما بين الخير والشر، وسعت لردعه عن ارتكاب الشرور؛ ورهنت هبة البعث والخلود بأن يكون مستقيمًا في حياته.

فكان على المتوفى قبل أن يعبر للخلود، أن يمر أولًا على «المحكمة الأوزيرية»، والتي مثلت محكمة عدل العالم الآخر، تلك التي تظهر فيها روح المتوفى على هيئة طائر برأس إنسان، يقوده الإله «أنوبيس»، ليقف أمام أوزير ويلقي التحية على سيد الغرب؛ وفي النهاية يعلن براءته أمام ملك الموتى، قائلًا: «أنا نقي، أنا صاف، أنا ممحوض، أنا خالص»، ويطلب منه مسكنًا طيبًا لأنه جاء إلى الموت وقلبه عارٍ من الخطيئة.

«لم أذبح الناس، لم أسلب، لم أنهب الطعام، لم أوثر الخوف، لم أوثر الصراع، لم يصدر عني قول كاذب، ولم أسرق ما ليس لي، ولم أزن بامرأة أو أغتصبها، لم أشهد زورًا، ولم أعبر عن أقوالي بغضب، لم أدنس عرضي ولم أدع أحدًا يبكي».

وهنا يقف المتوفى في مشهد النهاية أمام «أوزوريس» ومعه إعلان براءته؛ ليضع «أوزير» ريشة الإلهة ماعت التي تمثل الحق والعدل في كفة الميزان اليمنى، ويضع قلب المتوفى بالكفة اليسرى؛ لينتهي مشهد المحاكمة الأوزيرية إما ببراءة المتوفى ومنحه الخلود والقدرة على البعث، أو أن تحل عليه لعنة الفناء الكامل، والذي اعتبر العقاب الأمثل.

تاريخ

منذ 10 شهور
استخدمه المصريون القدماء.. قصة «السحر الأبيض» الذي لم تسمع عنه على الأرجح

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد