في القرن السابع الهجري، اجتاح العالم الإسلامي طوفان بشري وحشي، حيث هجمت أمواج من القبائل المغولية على البلدان الإسلامية واحدًا تلو الآخر، فحرقوا الأخضر واليابس، وفتكوا بالبلاد والعباد، قبل أن تنجح قوات من مصر والشام في هزيمتهم في معركة عين جالوت بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز، الذي كسر شوكتهم، ورد خطرهم عن الشعوب المسلمة والبشرية بأسرها.

لكن ما قد لا يعرفه الكثيرون أن الشعوب الأوروبية قد تعرضت لغزوات بربرية شبيهة تمامًا بغزوات المغول لكن قبل ذلك بقرون طويلة. غزوات هزت أرجاء الإمبراطورية الرومانية بشقيها، على يد قبائل «الهون» الذين كانوا أشبه ما يكونون بمغول جنكيز خان وهولاكو، قبل أن تندثر سيرتهم في التاريخ وتنقطع آثارهم، فما هي قصة شعب الهون؟

بدايات إمبراطورية الهون

تعود جذور قبائل الهون إلى القارة الآسيوية، لكن من غير أن تُعرف أصولهم على وجه اليقين. بعض التقديرات تنسبهم إلى شعب شيونجنو الذين حكموا أجزاء واسعة من منغوليا حتى القرن الثاني الميلادي، فيما ينسبهم البعض إلى كازاخستان أو مناطق أخرى من آسيا. هاجر الهون في مجموعات صغيرة متفرقة إلى الأجزاء الشرقية من أوروبا، ولم تكن لهم في ذلك الحين دولة معروفة ولم يعرفوا قائدًا موحدًا.

هذه القبائل الرعوية كثيرة الترحال، التي لم يكن أفرادها يعرفون الزراعة أو يميلون إلى الاستقرار، سيلعبون أدورًا محورية في التاريخ الأوروبي خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين، ففي عام 370 م عبر محاربو الهون نهر الفولجا وبدأوا في الهجوم على قبائل الآلان، ثم تحرشوا بالقوط الشرقيين الذين كانوا على عداء مع الإمبراطورية الرومانية، وفي عام 376م بدأوا في مهاجمة أراضي القوط الغربيين وأجبروا الكثير منهم على الهروب للاحتماء بالرومان الذين تنبهوا حينها لهذا الخطر الداهم القادم من الشرق.

امتدت إمبراطورية الهون على معظم أراضي شمال وشرق ووسط أوروبا

أخذ الهون في التحرش بأراضي الإمبراطورية الرومانية بداية من عام 395، في ذلك الوقت، كانت الإمبراطورية الرومانية، التي تسيطر على مساحات شاسعة من أوروبا، وأعظم ممالك العالم القديم، تمر بمرحلة من الضعف التاريخي، على وقع الغزوات الخارجية من القوط والبربر، والصراعات الداخلية على الحكم، وتردي الأوضاع الاقتصادية.

 كان ثيودوسيوس الأول آخر حكام روما الموحدة، وبعد وفاته عام 495 انقسمت الإمبراطورية بين ولديه، فحكم أوركاديوس النصف الشرقي من الإمبراطورية التي ستعرف باسم الإمبراطورية البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية، ثم خلفه بعد ذلك ابنه ثيودوسيوس الثاني، وحكم هونوريوس الإمبراطورية الرومانية الغربية وعاصمتها روما.

«غضب الإله» على الشعوب الأوروبية

بحلول عام 432م كانت قبائل الهون قد تجمعت تحت زعامة قائد قوي يُدعي روجيلا، الذي قام بإبرام معاهدة مع ثيودوسيوس الثاني تقضي بأن يدفع الرومان للهون جزية سنوية، نظير مساعدتهم ضد هجمات قبائل القوط، كان للهون جينئذ دولة قوية وحضارة مستقرة انطلاقًَا من الأراضي التي تشكل حاليًا دولة المجر، وقد تمتعوا بجيش قوي يتألف من قوات المشاة والفرسان ذات السمعة الجبارة.

كان «الهون» فرسانًا أقوياء، يشبّ أطفالهم منذ الطفولة على ظهور الخيل، ورغم أنهم كانوا يميلون إلى ارتداء الملابس البسيطة، فقد كانوا يهتمون بخيولهم ويزينونها بالسروج والركاب المطعمة بالذهب والفضة، وقد اتبعوا طريقة فريدة في الحرب، إذ يتحركون بسرعة كبيرة جدًا وبشيء من الفوضى الظاهرة، ما يثير الارتباك والهلع بين أعدائهم، كانوا يهجمون على خصومهم ويسقطونهم من على ظهور الخيل، ويسحقونهم حتى الموت.

كالسيل الجارف، كان الهون ينفذون غاراتهم، ويتحركون من مدينة إلى مدينة، ونادرًا ما كانوا يحتفظون بالأسرى، فقد كانوا يفضلون قتل كل من يجدونه في طريقهم من الرجال والنساء والأطفال، فقد كانوا يجيدون استخدام سلاح الرعب، حتى أن زعيمهم الأشهر أتيلا سيشتهر في التاريخ باسم «سوط الرب»، كما سنأتي على ذكر ذلك لاحقًا، وهو ما يشبه إلى حد كبير هجمات قبائل التتار التي ستغزو العالم بعد ذلك بقرون طويلة.

تمتع الهون بتكنولوجيا عسكرية أكثر تفوقًا من خصومهم، فقد كانوا بارعين في الرماية، واستخدموا الأقواس الحربية على نطاق واسع، ونادرًا ما كانت تخطئ سهامهم أهدافها ولو من مسافة بعيدة. تشير المصادر التاريخية إلى أن التكوين الجسماني للهون كان يلعب دورًا كذلك في نشر الخوف بين خصومهم، فقد كان محاربوهم قصيري القامة، مفلطحي الأنوف ضيقي العينين، وكانوا يعصبون رؤوس الأطفال منذ الصغر مما كان يشوه جماجمهم تدريجيًا ويجعل منظرهم مخيفًا، وهو ما أكده علماء الآثار الذين قاموا بتشريح بقايا عظام الهون بعد قرون من اندثار حضارتهم.

أتيلا الهوني يجتاح الإمبراطورية الرومانية

إذا كان الرومان قد عانوا قبل عام 434 من ويلات الهون، فقد أثبتت الأيام اللاحقة بأن تلك الأيام لم تكن سوى اختبار صغير للجحيم المحقق الذي سيصبه عليهم حاكم الهون التالي، أتيلا الهوني، حاكم الهون الأشهر على الإطلاق، والذي تخلده كتب التاريخ باعتباره أحد أكثر الغزاة وحشية في التاريخ، فيما تذكره المصادر الرومانية باعتباره أحد أكثر من أذاقوا أبناء الإمبراطورية الرومانية الويلات وساموا أهلها سوء العذاب، حتى كان يلقب بـ«سوط الرب» أو «لعنة الرب».

كان أتيلا ابن أخ الإمبراطور الهوني روجيلا، رجلًا قصير القامة، كبير الرأس حاد النظرات، «يجيل النظر دائمًا فيمن حوله كأنما يستمتع بإثارة الرعب بينهم» كما كان يوصف، وحين توفي روجيلا قسمت الإمبراطورية بين أتيلا وأخيه وبليدا، تشارك الأخوان الحكم طيلة 10 سنوات، ولكن في عام 445 وُجد بليدا مقتولًا، حيث تتوجه أصابع الاتهام إلى أتيلا الذي ربما دبر قتل أخيه للانفراد بالسلطة، وهو الأمر الذي يتوافق مع شخصيته الدموية.

يشتهر أتيلا بحملاته المروعة ضد الإمبراطورية الرومانية الشرقية وعاصمتها القسطنطينية، حيث كان يهجم بجيشه كالطوفان فينهب الحصون والمدن ويدمر كل الأراضي المحيطة بالمدينة تقريبًا، ثم يعود أدراجه وقد نجح في إجبار إمبراطور القسطنطينية ثيودوسيوس الثاني على قبول شروطه.

لوحة تظهر أتيلا الهوني

أولى تلك الحملات كان في عام 442، عندما قرر ثيودوسيوس الثاني الامتناع عن دفع الجزية المقررة من الذهب الخالص للهون، فاجتاح أتيلا أراضي الإمبراطورية الرومانية الشرقية بجيشه، ما أجبر ثيودوسيوس على الإذعان للضريبة، قبل أن تتكرر هجمات أتيلا على إمبراطوريته في السنوات اللاحقة، وفي كل مرة، لم يكن إمبراطور القسطنطينية يجد مفرًا من الخضوع لـ«ابتزاز» أتيلا، ودفع الجزية السنوية من الذهب الخالص، والتي كان إمبراطور «الهون» يرفع من قيمتها في كل مرة.

التاريخ يطوي صفحة إمبراطورية «الهون»

في عام 450، قرر أتيلا تغيير وجهته قليلًا، صوب الغرب، حيث الإمبراطورية الرومانية الغربية، وذلك بعدما أرسلت إليه هونوريا، الفتاة الشابة الطموحة أخت الإمبراطور فالانتين، تطلب منه المساعدة في أن تنال نصيبها من السلطة التي يستحوذ عليها أخوها، وتعرض عليه خاتم الزواج نظير ذلك.

سال لعاب أتيلا، وأرسل إلى إمبراطور روما يهدده ويتوعده، وقاد بنفسه جيشًا عظيمًا عبر به نهر الراين عام 451، إذ عاث جنوده فسادًا في مدن وقرى الإمبراطورية، قبل أن تدور معركة عظيمة في شمال شرق فرنسا هي معركة شالون بين الجنود الرومان والقوط الذين تحالفوا معهم، وعلى الطرف الآخر جيش أتيلا الذي كان منهكًا من طول المسافة، ومن الأمراض والأوبئة التي بدأت تنتشر بين جنوده.

وعلى غير المعتاد تلقى أتيلا هزيمة كبيرة للمرة الأولى والوحيدة في تاريخ معاركه، ليضطر مع جنوده إلى الانسحاب واللجوء إلى هوايتهم المعتادة في تدمير وتخريب المدن الإيطالية، قبل أن يتوسط لديه بابا روما ليو الأول الذي التقاه عام 452، لتنجح وساطة البابا في إقناع أتيلا بالانسحاب مع جنوده من إيطاليا والعودة إلى أراضي السهل المجري العظيم.

عاد أتيلا يلملم آثار هزيمته، وحاول أن يعيد الكرة بالهجوم على القسطنطينية مجددًا عام 453، لكن القدر لم يمهله فقد وجد ميتًا بنزيف حاد في ليلة زفافه على عروس جديدة. تتعدد الروايات حول سبب الوفاة بين من يعتبرها نتيجة لنوبة سكر حاد، أو بسبب الإفراط في النشاط الجنسي، وبين من يعتبرها مؤامرة دبرتها الزوجة الجديدة نفسها، إذ كانت تنتمى إلى إحدى القبائل الجرمانية التي لطالما روعها أتيلا بحملاته.

تقاتل أبناء أتيلا على السلطة بعد وفاته، ما أدى إلى انهيار إمبراطورية الهون بعد ذلك بسنوات قليلة، ولم يعد لهم ذكر في التاريخ، ويفسر البعض ذلك بأن أتيلا لم يكن يحكم إمبراطورية محكمة بنظام إداري أو سياسي متقن، بل كانت دولته عبارة عن تحالفات قبلية هشة تفككت تمامًا بعد وفاته.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
تاريخ أوروبا «المجنون» في محاكمة الحيوانات.. حتى النمل لم يفلت من العقاب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد