«نعتزم الدفع بقوات الدفاع الذاتي من الجيش الياباني إلى هذه المنطقة؛ لتعزيز عملية جمع المعلومات، وتأمين مرور السفن اليابانية بأمان»؛ هذا ما أعلنه رئيس وزراء اليابان شينزو آبي يوم السادس من يناير (كانون الثاني)، مؤكدًا بذلك تمسُّكه بالخطة التي سبق وأن أعلنها مكتبه رسميًّا أواخر ديسمبر (كانون الأول)، وسبقت الإشارة إليها في منتصف عام 2019. 

ومثلما كان توقيت التصريح السابق ذا دلالة؛ إذ جاء بعد ثلاثة أيام فقط من اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، كانت ملابسات الإعلان الأول عن هذا الانتشار العسكريّ فيما يخص الجيش الياباني جديرة بالنظر؛ إذ جاء بعد أسبوعٍ واحد من لقاء رئيس الوزراء شينزو آبي والرئيس حسن روحاني في طوكيو، وفي ظل زيادة الضغط الأمريكي على اليابان للعب دور أكثر نشاطًا في المنطقة. 

أما الحادث الرئيس الذي سيعجّل بنشر قوات من الجيش الياباني، وتحديدًا قوة الدفاع الذاتي البحرية اليابانية في الثاني من فبراير (شباط) 2020 فهو هجوم يونيو (حزيران) 2019، الذي استهدف عدة ناقلات في خليج عمان، إحداها ناقلة الكيماويات «كوكوكا كاريدغس» التي تشغلها شركة «كوكوكا سانجيو» اليابانية، أثناء مرورها عبر مضيق هرمز في طريقها إلى سنغافورة وتايلاند لتوصيل شحنة من الميثانول. 

حينها قال وزير الدفاع الياباني تاكيشي إوايا: «لا نخطط لإرسال قوات عسكرية من الجيش الياباني إلى مضيق هرمز ردًّا على الهجمات، فالوضع (في خليج عمان) لم نصنفه على أنه تهديد وشيك لنا»، وصادف أن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي كان في ذلك الوقت يزور إيران، مبعوثًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لعقد مباحثات من شأنها تخفيف حدة التوتر بين واشنطن وطهران.

لكن بعيدًا عن اللغة الدبلوماسية التي تصبغ الخطاب الياباني في العادة، ارتفعت تكاليف النقل البحري نتيجة للهجوم على الناقلات، وزادت أقساط التأمين على السفن، ووصل أثر ذلك إلى أعتاب المستهلكين؛ وبالتالي كان ينبغي اتخاذ إجراء يضع في الاعتبار ضرورة الموازنة بين العديد من المتناقضات. 

ما الخطوط العريضة لعملية انتشار الجيش الياباني؟

لمَّا كانت اليابان تستورد حوالي 90% من نفطها الخام من الشرق الأوسط، ولأن 1700 سفينة يابانية اجتازت مضيق هرمز في عام 2018، و«ونظرًا للتوترات المتزايدة في المنطقة»؛ كان «من الضروري تعزيز نظام جمع المعلومات من أجل ضمان سلامة السفن اليابانية»، كما أعلن كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، يوشيهيد سوجا.

ستتضمن عملية الانتشار: مدمرة بحرية واحدة، مزودة بطائرات هليكوبتر، وواحدة على الأقل من طائرتَي دورية من طراز P-3C تشارك حاليًا في عمليات مكافحة القرصنة بالقرب من الصومال. إذ تدير قوات الجيش الياباني، وتحديدًا قوة الدفاع الذاتي البحرية اليابانية قاعدة في جيبوتي، تأسست في عام 2011، وتستخدمها منطقة انطلاق لعمليات مكافحة القرصنة. 

سياسة

منذ 3 سنوات
«خط زمني».. أبرز القواعد العسكرية الغربية والشرقية على أرض جيبوتي
866
أحمد محمد

وقال مسؤول بوزارة الدفاع اليابانية إن الحكومة تهدف إلى بدء تشغيل طائرات الدورية في وقت ما خلال شهر يناير (كانون الثاني)، بينما من المحتمل أن تبدأ المدمرة أنشطتها في المنطقة في فبراير (شباط).

من حيث المهام، ستقتصر عملية الانتشار الياباني على: جمع المعلومات الاستخباراتية، التي «تؤثر تأثيرًا مباشرًا في أمن السفن التي تبحر» في المنطقة؛ بهدف ضمان «أمن» السفن التجارية اليابانية والمساعدة في الحفاظ على «السلام والاستقرار». 

ومن حيث الانتشار، ستكون المهمة، التي من المقرر أن تستمر لمدة عام قابلة للتمديد، مقصورة على شمال بحر العرب وخليج عمان وخليج عدن، بينما لن تُسيِّر قوة الدفاع الذاتي البحرية دوريات في ممرات الشحن الحيوية التي تمر عبر مضيق هرمز. 

في ضوء هذه الخطوط العريضة، ستدرس الحكومة اليابانية ما إذا كان يمكنها استخدام أصولها العسكرية المنتشرة حاليًا لمكافحة القرصنة في المنطقة، أو ما إذا كانت هناك حاجة إلى نشر أصول جديدة لتلبية الاحتياجات المستقبلية.

هل يقتصر دور الجيش الياباني على المهام المُعلَنة؟ 

هذه القيود الذاتية المحيطة بالمهمة تهدف إلى تجنُّب إعطاء انطباع بأن الجيش الياباني يقف إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران، حسبما خلص تحليل نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».

وتتعرض طوكيو لضغوط من الرئيس الأمريكي للعب دور أكثر نشاطًا في حماية مصالحها في الشرق الأوسط. واشتكى ترامب من أن اليابان لا تدفع مقابل الدوريات الأمريكية التي تحمي ممرات الشحن في المنطقة، بل وطالب طوكيو بتغطية المزيد من تكاليف نشر القوات الأمريكية في اليابان. 

على الجانب الآخر، تحرص اليابان على استمرار علاقاتها الطيبة مع إيران، ويسعى آبي ليكون وسيطًا محتملًا بين طهران وواشنطن، لذلك أطلع روحاني على المهمة خلال لقائهما الأخير، وحين دعت الولايات المتحدة إلى تحالف دولي لحماية السفن في المنطقة، انضم عدد قليل من حلفائها إلى هذه المهمة، وبالطبع لم تهرع اليابان إلى الانضواء تحت العباءة الأمريكية صراحةً. 

من أجل ذلك، أكد مكتب مجلس الوزراء أن المهمة اليابانية ستكون مستقلة عن عمليات نشر أي دولة أخرى في المنطقة، وإن أوضح كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، يوشيهيد سوجا، في مؤتمر صحفي أن عمليات جمع المعلومات الاستخبارية يمكن أن تحدث «بالتنسيق مع الدول المعنية».

وعلى الرغم من وصف الحكومة اليابانية لتلك العملية بأنها مهمة «تحقيق وبحث»، وتأكيد مكتب مجلس الوزراء على أن القوات المشاركة غير مُصَرَّح لها باستخدام الأسلحة لحماية السفن الأخرى من الهجوم، ثمة استثناء يفتح الباب مفتوحًا للانخراط في مهام أخرى، مفاده: أنه إذا استدعى الموقف، يمكن تحويل المهمة إلى «عملية شرطة بحرية»، وهي تسمية تسمح للمدمرة والطائرات بالدفاع عن السفن الأخرى. 

في تلك الحالة، ينبغي تهيئة الجمهور الياباني للعواقب المترتبة على هذا التوسع في طبيعة المهام. أما إذا اقتصرت الحملة على المهام التي أعلنت عنها الخطة الحكومية فلن يكون هناك حاجة لإصدار قانون جديد؛ إذ يسمح التشريع الحالي بإرسال سفن لأغراض «المسح والبحث» دون موافقة مسبقة من البرلمان. 

3 مبادئ رئيسية تحكم السياسة اليابانية في الشرق الأوسط

لطالما كانت السياسة اليابانية في الشرق الأوسط حريصة على تحقيق التوازن بين أولويات الولايات المتحدة واحتياجات طوكيو من الطاقة. ولا غروَ، فهي تستورد ما يقرب من 90% من نفطها الخام من المنطقة، وبلغت قيمة ميزانها التجاري مع الشرق الأوسط في نهاية عام 2018، 22 مليار دولار من الصادرات و93.8 مليار من الواردات. وما يزيد المعادلة صعوبة هو أن أهم الشركاء التجاريين في المنطقة – إلى جانب إيران – هم السعودية، والإمارات، وقطر. 

وعلى الرغم من محاولات تنويع مصادر الطاقة على مرّ السنين، فإن «الكارثة الثلاثية» التي وقعت في عام 2011، وكبَّدت اليابان خسائر تناهز تكلفتها 184 مليار دولار، وأدت إلى إغلاق معظم محطاتها النووية، أسفرت عن تعزيز هذا الاعتماد. 

نتيجة لذلك، كانت اليابان تميل دومًا إلى تبني نهج حذر يركز على أمن الطاقة، ويلتزم بثلاثة مبادئ رئيسية هي: الحذر، والحياد، وتجنب الاشتباك العسكري، حتى في الحالات النادرة التي أظهرت فيها اليابان بوادر على اتباع سياسة خارجية أكثر نشاطًا في الشرق الأوسط.

الطريقة اليابانية «للدفاع عن النفس» من منظور شينزو آبي

حين تولى رئيس الوزراء آبي السلطة في ديسمبر 2012، وعد بتبني نهج جديد في السياسة الخارجية اليابانية، وشرع في تخفيف القيود المفروضة على استخدام اليابان للقوة في الخارج. 

تُوِّجت هذه الجهود بصدور تشريع في عام 2016 يسمح بمشاركة اليابانيين في مهام الدفاع الجماعي عن النفس. لكن كان من الواضح حتى ذلك الحين أن سياسة آبي ستكون مُقَيَّدة بالتقليد الياباني الراسخ الذي يمنح أولوية للمبادئ الرئيسية الثلاثة سالفة الذكر.

تجسَّد ذلك حين أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيل تحالف دولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في عام 2015، واختار آبي عدم تقديم أي دعم عسكري أو لوجستي للحملة، وتعهد بتقديم 2.5 مليار دولار كمساعدة إنسانية وإنمائية، بما في ذلك 200 مليون دولار مساعدة غير عسكرية لهذا الجهد. 

وعلى الخطى ذاتها، قدمت اليابان الدعم المالي والتقني لبعثات الاتحاد الأوروبي في النيجر ومالي، لكنها أيضًا أحجمت عن نشر قوات لحفظ السلام، وبهذا النهج أراد آبي أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن اليابان ملتزمة بلعب دور نشط في السلام والأمن الإقليميين، لكنها ليست ملتزمة بالمشاركة بأي قوات. 

حتى مع الإعلان عن مقاربة جديدة للشرق الأوسط، استمر آبي في تعزيز العلاقات المستقرة التي لطالما كانت اليابان تتوق إليها في المنطقة. وكانت الرسالة التي جسَّدها هذا الموقف هو أن اليابان لن تنحاز إلى أي طرف، أو تسعى للتدخل في النزاعات بين دول المنطقة، أو تنخرط في المشكلات الداخلية. وكانت لفتة مثيرة حين استخدم آبي ثلاثة مصطلحات عربية لوصف المبادئ الأساسية التي توجه السياسة اليابانية، هي: التسامح والتعايش والتعاون.

رحلة البحث عن وسائل جديدة لتأمين المصالح الوطنية اليابانية

لكن منذ انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعاد آبي ضبطه البوصلة مرة أخرى، لمواكبة غيوم انعدام اليقين التي خيَّمت على أفق التحالف الأمريكي الياباني، خاصة في المجال الأمني​​. ولا توجد دولة في الشرق الأوسط أفضل من إيران لتوضيح هذه التغييرات التي طرأت على هذه العلاقة قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض وبعده. 

وكم كانت مفارقةً جديرة بالتأمل أن نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس حين كان يسخر من إيران في قمة وارسو حول أمن الشرق الأوسط، كان رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني في الوقت ذاته يزور طوكيو للقاء شينزو آبي. 

صحيحٌ أن هذا التغيير لا يرقى إلى مستوى التخلي عن التوازن الدقيق الذي حافظت اليابان طيلة السنوات الماضية عليه، بين أولويات الولايات المتحدة وأمن الطاقة. لكن يستبعد في أي وقت قريب أن تشارك طوكيو في أي عمليات انتشار عسكرية إقليمية تقودها الولايات المتحدة؛ لتجنب توتير العلاقات الحساسة مع شركاء اليابان التجاريين الإقليميين.

ويظل هناك شعور متزايد، بدءًا من رأس الحكومة اليابانية وصولًا إلى المراقبين المحليين، بأن طوكيو يجب أن تنظر في وسائل جديدة لتأمين مصلحتها الوطنية، وما قرارها بإرسال قوات الدفاع الذاتي البحرية إلى الشرق الأوسط سوى جزء من إعادة تقييم نهجها الفريد. 

المصادر

تحميل المزيد