سحر الأدب البوليسي من نوع خاص، فقد تتماهى كليةً مع بطل الرواية أو السلسة، وتنسى أو ربما لا تعرف شيئًا عن صانعها!

هل حدث مرة وتساءلت عن شخصية مشهورة؟ هل هي حقيقية أم خيالية؟ جرب إذًا أن تجري اختبارًا بسيطًا لعدد من الأصدقاء واسألهم: متى مات شيرلوك هولمز؟ هل تعلم أنت؟

إنه سحر السرد، ومتعة الأدب، الذي يجعلك تغوص في تفاصيل الشخصيات، وتتعايش معها حتى تظن أنها فرد من عالمك، إن لم يكن من عائلتك أحيانًا. هذا ما يفعله بنا الأدب طوال الوقت، وخاصة فن القصة. لكن الأمر يُصبح أكثر عمقًا وارتباطًا، عندما تجد بطل الرواية يزورك كل فترة في عمل جديد، ويجعلك تخوض معه رحلة جديدة. هذا ما يحدث في السلاسل الأدبية أو القصص المسلسة.

ربما قرأت يومًا عن الطبيب المصري المعروف رفعت إسماعيل، الذي تقذف به الأقدار إلى مواجهة الرعب والأهوال. أو قرأت عن عبير، الفتاة العادية التي لا يميزها شيء غير خيالها الذي يجلب لها كل متع الحياة وتعاستها أيضًا. أو سافرت مع الطبيب المصري علاء عبد العظيم الذي يخوض مغامراته في الصحاري والغابات مكتشفًا ومحاربًا أشكالًا عجيبة من الأوبئة والأمراض الملغزة.

ثلاث سلاسل مختلفة «ما وراء الطبيعة، فانتازيا، سفاري»، جميع أبطالهم من وحي خيال الكاتب المصري الراحل أحمد خالد توفيق، الذي تميز في مثل هذا النوع من الأدب الجاذب لمختلف الأعمار. وربما قد قرأت سلسلة «رجل المستحيل»، والضابط المصري أدهم صبري، الذي عشقه كل محبي المخابرات، وقصص الجاسوسية، والبطولات الوطنية.

هذا النوع من الأدب الذي يُعرف بالأدب البوليسي، يجعل القارئ يرتبط وجدانيًا مع البطل إلى جانب أحداث القصة، فالبطل في هذه الأعمال شخصية يمكن رؤيتها والتعرف عليها عن قرب. فيها يتحول البطل من شخص داخل الرواية إلى شخص يعيش في وجدان القراء خارج إطار القصص وربما أشهر من صانعه أو كاتبه.

«من فعلها؟».. تشويق وإثارة واختبار ذكاء

يعد أبرز هذه الأنواع من الأدب هو الأدب البوليسي، ويطلق عليه أدب «من فعلها؟» أو «whodunit»، والذي تقوم فكرته على جرائم القتل، حيث عرض الأحداث بشكل مشوق، ومثير للقارئ، يجعله يندمج مع الراوية باحثًا عن القاتل، ويظهر في الأحداث المحقق الذي يبدأ في البحث عن الأدلة واحدًا تلو الآخر، فينشط عقل القارئ حتى تصل نهاية الرواية إلى اكتشاف القاتل.

يُرجع كثير من الباحثين هذا النوع من الأدب إلى الأديب الفرنسي إدجار آلان بو، في قصته «جرائم قتل في شارع مورج» عام 1844، إلا أن هناك بعض الآراء المخالفة التي ترى أن آلا بو اقتبس الرواية البوليسية من قصة فولتير «زاديج» التي قام بترجمتها طه حسين.

فيما يرى الناقد الفرنسي فرانسيس لكسان، أن فولتير نفسه قد اقتبس فكرة القصة من أسطورة فارسية تسمى «أسطورة الأمراء الثلاثة لسرنديب». وهذا الرأي يرى أن الأدب البوليسي ليس وليد القرن التاسع عشر، بل يمتد إلى العصور القديمة، وإلى الأساطير العربية والكتابات المقدسة.

كان للحربين العالميتين الأولى والثانية أثر كبير في تطور القصة البوليسية، فانتشار الجرائم والسرقات وأجواء المدن الحزينة المنهكة بعد الحروب ساعد خيال الأدباء على نقل الواقع وفتح شهية القراء في مجال الإثارة والغموض. ونجد أن الكاتب الإنجليزي سومرست موم، والذي يُعرف عنه حبه الشديد لقراءة الأدب البوليسي، كان لا ينام قبل أن يقرأ قصة منه، حتى أنه قد وضع بعض القواعد الصارمة التي يراها ضرورية لإتمام قصة بوليسية:

  •  لا تقتل أكثر من واحد في القصة.
  • يجب أن تكون للقصة بداية واضحة، لا تبدأ بجثة هامدة.
  • يجب أن تعطي فرصة للقارئ أن يعرف القتيل قبل موته.

أكثر تشويقًا.. الأسهل إفسادًا عرضة للحرق

بالرغم من أن هذا النوع هو الأكثر قدرة على تشويق القارئ وتحفيزه ليصل للنهاية ويعرف من القاتل، إلا إن هذا النوع يسهل إفساده وذهاب متعته.

 «لذة هذه القصص تنتهي لو اختلس القارئ نظرة إلى آخر صفحة» *هتشكوك

ويذكر أحمد خالد توفيق في العدد 20 «من فعلها؟» من سلسلة فانتازيا، في هذا الصدد أن محطة تلفزيونية أمريكية كانت تذيع مسلسلًا من هذا النوع التشويقي، فقامت قناة منافسة بعرض خبر أن القاتل هو الخادم، فتم القضاء على المسلسل. ويُذكر أن مسرحية المصيدة لأجاثا كريستي ظلت تعرض في لندن لعقود، وفي نهاية كل عرض كان يخرج بطل المسلسل يرجو الجمهور أن يحفظ السر وكان الإنجليز يحفظون السر!

وبالرغم من كثرة وتنوع القصص التي تندرج تحت هذا النوع من الأدب، إلا أننا نحاول هنا التركيز على الكتاب الذين استطاعوا خلق شخصيات ارتبطت في ذهن القراء باعتبارها شخصيات حقيقية، وسوف نعرض هنا أهم النماذج.

شيرلوك هولمز.. الشخصية التي تفوقت على صانعها

أشهر المحققين في التاريخ، كهل أعزب وقور ووسيم، ذو قامة طويلة وأنف طويل، شخص مهذب وراق، يتبعه صديقه الدكتور واطسن. كان شيرلوك سببًا في تخليد إنجلترا، وخاصة شارع بيكر الحافل بالرسومات والجرافيتي، ومتحف باسمه. شديد الذهاء وقوي الملاحظة ويتمتع بذهن متقد. ملم بجوانب علوم الطب الشرعي ويستمتع باكتشاف الجرائم التي ترتبط بلدغات الحشرات والحيوانات الغريبة. عازف جيد للكمان، ورياضي مميز يمارس الملاكمة. يبدو شيرلوك متسرعًا قليلًا في إطلاق الأحكام وكسولًا، فيعتمد أغلب الوقت على استناجاته وملاحظاته الذكية.

ساعدت أساليبه الذكية في التحقيق والبحث عن الأدلة إلى إعتمادها في كليات الشرطة في كثير من دول العالم، ويضرب به دومًا المثل بالقدرة على حل الألغاز وإيجاد الحلول.

 

 

شيرلوك هولمز ودكتور واطسن.. من أحد القصص

ولدت شخصية هولمز لأول مرة عام 1887 في رواية بعنوان «دراسة في اللون القرمزي» واستمرت مع القراء في 60 قصة لاحقة. ربما لا يعرف الكثير من القراء أن الكاتب الأسكتلندي آرثر كونان دويل (1859 – 1930) قد اقتبس هذه الشخصية من أستاذه في كلية الطب بجامعة «أدنبره» الطبيب جوزيف بل. وقُدمت العديد من الأفلام والمسلسلات حوله، وعن أهم القضايا التي حقق فيها وأحدث هذه الأعمال هو مسلسل «شيرلوك».

أجاثا كريستي تغرد منفردة في روائع الأدب البوليسي

استطاعت الكاتبة الأشهر في عالم القصص البوليسية، أجاثا كريستي، أن تخلق وحدها العديد من الشخصيات المميزة التي ترتبط مع القراء بالذكاء والعفوية وخفة الظل. أهم هذه الشخصيات وأشهرها:

– هيركول بوارو.. الطبيب الشرعي المغرور خفيف الظل

لاجيء بلجيكي فر من بلاده أثناء الحرب العالمية الاولى، يعمل طبيبًا شرعيًا، وله لكنة إنجليزية مضحكة، ومع ذلك يصر على أنه يتحدث الإنجليزية بفصاحة تضاهي متحدثيها الأصليين. دائمًا ما يقول اقتباسات غير موجودة وينسبها لأدباء معروفين. أصلع قصير وله شارب ضخم، مفرط في الأناقة والغرور وفي مدحه لذاته، ولكنه يفعل ذلك بطريقة تدعو للابتسام. شديد الإعجاب بالنظافة والنظام، وشديد الإعجاب بالأشكال الهندسية، يود لو أن تكون كل الأشكال متناسقة حتى لو أن تكون البيضة مربعة الشكل متساوية الأضلاع. يتبعه مساعده هاستينجز، الذي يعتمد على غبائه في استبعاد الاحتمالات الخاطئة!

تمثال لهيركول بوارو في بلجيكا

ولدت شخصيته عام 1920 واستمرت في 33 رواية، مسرحيتن، و50 قصة قصيرة. اعتمدت أجاثا كريستي (1976-1890) في رسم شخصيته على الفترة التي عملت فيها خلال الحرب العالمية الأولى في مستشفى السموم، ولذا نجده خبيرًا بأنواع السموم وتأثيراتها. وبشكل عام تهوى أجاثا كريستي قتل ضحاياها بالسموم والرصاص. قُدمت شخصيته في العديد من الأفلام والمسلسلات، أشهرهم مسلسل «بوارو».

– ميس ماربل.. عجوز عزباء تجول العالم على كرسيها

عجوز لطيفة، لم تتزوج، خجولة ومحافظة للغاية، وقد تشبه أجاثا كريستي نفسها. من قرية صغيرة هادئة ساعدتها طول الوقت على التأمل والتفكير في طبيعة البشر، تمارس هوايتها المفضلة، الحياكة والتريكو، وخلالها تكتشف الجرائم وتصل إلى القاتل وهي تجلس على كرسيها. تؤمن بفرضية أن كل الجرائم حدث مثلها في قريتها الصغيرة، وأن الإنسان هو نفسه في كل مكان

الظهور الأول لميس ماربل كان عام 1927 في قصة قصيرة باسم «نادي الثلاثاء الليلي»، ولم تتوقع كريستي أن تحقق ميس ماربل النجاح الذي يضاهي شخصيتها الشهيرة الأخرى، هيركول بوارو، حتى تم نشر قصة «قتل في مقر القس» عام 1930. جُسدت شخصية ميس ماربل في الكثير من الأعمال الدرامية من خلال العديد من البطلات ويعد العمل الأشهر هو «Agatha Christie’s Marple»

إيلري كوين.. الكاتب الملغز الذي يمتدح نفسه

شاب أرستقراطي، وسيم ومتأنق، ولد لأبٍ يعمل مفتشًا في شرطة نيويورك، يساعده نفوذ والده في أداء الكثير من التحقيقات في الجرائم. كان أول ظهور له عام 1929 في قصة «لغز القبعة الرومانية». ظهرت شخصية إيلري كوين في ما يزيد عن 30 رواية و70 قصة قصيرة. وقّدمت حلقات إذاعية وخرجت مجلة بوليسية باسمه. من الغريب أن كاتب هذه الشخصية الأمريكية الشهيرة هو نفسه إيلري كوين، فقد كانت كل الأعمال تحمل توقيع إيلري كوين في نهايتها، وما كان مثيرًا للضحك والاستغراب أن الكاتب يقوم طوال الوقت بمدح نفسه والمبالغة في وصف جماله وأناقته.

 إيلري كوين

لكن بعد مرور الوقت ظهر القائمان الحقيقيان على كتابة هذه الشخصية وهما الشاب فريدريك داناي (1905 – 1982) وابن عمه مانفريد لي (1905 -1971)، إذ كان فريدريك هو صاحب الفكرة، وابن عمه مانفريد يقوم بكتابة العمل ويوقعان معًا باسم إيلري كوينبدأت موهبة مانفريد لي منذ طفولته ومن خلال تأثره بقصص شيرلوك هولمز، وكتبا أول قصة لهما قبل أن يصلا عمر العشرين.

يختلف إيلري كوين في أسلوبه عن أجاثا كريستي في أنه يهتم بالجريمة نفسها، وليس الشخصيات، واعتاد تقديم نهايتين لكل قصصه. قُدمت شخصية إيلري كوين في الدراما الأمريكية، وأشهر هذه الأعمال هو مسلسل «Ellery Queen».

ميجريه.. المفتش الفرنسي الذي لا يلفت الانتباه

في أجواء باريس الكئيبة بعد الحرب العالمية الثانية، يعمل رجل عجوز وصارم، رئيسًا لإدارة البوليس في باريس. متزوج من امرأة فرنسية وحياته الأسرية مستقرة. كان أول ظهور له عام 1930 واستمر حتى عام 1972، كان ظهوره في 75 رواية و28 قصة قصيرة و103 أعداد متفرقة في شكل حلقات باسم «جورج سيمنون: ملحمة ميجريه».

الكاتب الذي ابتكر هذه الشخصية، هو جورج سيمنون ( 1903- 1989) لاجئ بلجيكي عاش في سويسرا، ثم هاجر إلى نيويورك عام 1945 وهناك قدم شخصية مفتشه الفرنسي ميجريه، باللغة الفرنسية. له ما يزيد عن 500 رواية وأعداد ضخمة من القصص القصيرة، وقُدمت شخصية ميجريه في العديد من الأعمال التليفزيونية، أحدثها هو مسلسل «Maigret Sets a Trap».

الأخ جادفيل.. من محارب إلى راهب إلى محقق

راهب إنجليزي في دير يتبع النظام البندكتي، أمضى حياته محاربًا في الحروب الصليبية على سواحل القدس، ثم قرر في الأربعين من عمره أن يبحث عن الهدوء والاطمئنان في التأمل والرهبنة. تدور حياته في النصف الأول من القرن الثاني عشر، عالم وكيميائي، له عقول متقد وفضولي، ومراقب لسلوكيات وطبيعة البشر. بدأ ظهوره في سلسلة من أعمال القتل التاريخية التي ظهرت منذ عام 1977 إلى عام 1977.

مبتكرة الشخصية هي العالمة اللغوية إديث بارغيتر، (1913 – 1995) وكانت تكتب شخصية الأخ جادفيل تحت اسم إليس بيترز. وكانت تكتب الكثير من الأعمال تحت أسماء مستعارة أخرى. قُدمت شخصية الأخ جادفيل في الدراما وأهم هذه الأعمال، مسلسل «Cadfael».

أدب بوليسي عربي.. بين محاولات فقيرة وكتابات للأطفال

بالرغم من كثرة وتنوع القصص البوليسية في الأدب الغربي، سواء التي تدور حول جرائم قتل واحدة، وشخصية محقق يظهر لمرة وحيدة في العمل، مثل رواية اسم الوردة للكاتب إيمبرتو إيكو، وبعض قصص إدجار آلان بو، أو القصص المسلسلة التي يكون فيها البطل هو القاسم المشترك بين وقائع مختلفة كما ذكرنا سابقًا، وكما حاول تقديمه الكاتب الأمريكي «دان براون» من خلال شخصية أستاذ الرموز في جامعة هارفارد «روبرت لانغدون»، والذي ظهر في خمس روايات قدمها دان براون.

إلا أن هذا النوع من الأدب قليل جدًا في الإنتاج العربي، وهذا ما يؤكده الأديب السوداني، أمير تاج السر، الذي يرى أن المحاولات العربية للأدب البوليسي إما موجهة لكتابات الأطفال أو ضعيفة فنيًا. ويُرجع سبب هذا التراجع إلى طبيعة المجتمع العربي وثقافته، فيقول: «نحن نملك شيئًا من الجريمة واللصوصية، والبحث والتحري، لكننا لا نملك الخيوط التي تحول ذلك إلى رواية».

فنون

منذ شهر
كيف أصبح الرعب مكتوبًا؟ رحلة قصيرة في أدب الرعب

ويؤكد أنه «لطالما حدثت عندنا جرائم شبيهة بالتي تحدث في الغرب، وتوحي بكتابتها، لكن تقنيات الكتابة لا تلائم مجتمعنا أبدًا، ولو كتبت لربما لن تجد قارئًا يصدقها، وبالتالي لن تكتب». ومن ناحية أخرى يرى أن السبب الأخر هو؛ اهتمام كتاب العربية بتنميق اللغة والتراكيب اللغوية الفصيحة والتي لا تتناسب مع طبيعة الروايات البوليسية التي تعد نوعًا من أدب التسلية، وهو ما يترفع عنه كثير من الكتاب العرب.

ومن هذه المحاولات التي قام بها كتاب عرب، نجد أشهر هؤلاء هو الكاتب أحمد خالد توفيق الذي قدم كثير من أعماله تدور حول فكرة العمل البوليسي ضمن السلاسل المختلفة، أو قصة «E.P.S» التي تدور فكرتها حول فتاة لها قدرات خاصة تساعد الشرطة في كشف الجرائم. كذلك قصة «عشيقات النذل» للكاتب كمال الرياحي، ورواية «من قتل ليلى الحايك؟» للكاتب غسان كنفاني، ومنها سلسلة «المغامرون الخمسة» للكاتب محمود سالم، الذي بدأ أولًا في ترجمة سلسلة بوليسية إنجليزية بعنوان «كاشفو الأسرار الخمسة» ثم قام بتأليف سلسلة المغامرون. كذلك قدم الكاتب محمود قاسم سلسلة بعنوان «ألغاز الشروق» والتي تعد ذات طابع بوليسي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد