في الحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2021 أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم أسماء الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد، وهم: العالم ديفيد كارد، من جامعة كاليفورنيا – بيركلي، وقد فاز بنصف الجائزة، فيما تقاسم كل من جوشوا آنجرست من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجويدو إمبنز من جامعة ستانفورد، بالنصف الآخر منها.

وحصل ديفيد كارد على نصيبه من الجائزة نظرًا لإسهاماته في مجال اقتصاد العمل، عن طريق إجراء تجارب اقتصادية على حالات واقعية، لا حالات مُنتَجة في مخبر أو ضمن ظروف مصطنعة، وكذلك دراسته لبيانات إحصائية من أرض الواقع بخصوص ظواهر تتعلق بسوق العمل، وتحدّت نتائج أبحاثه الاعتقادات السائدة في مجال اقتصاد العمل، خصوصًا ما تعلق منها بملفات الحد الأدنى للأجور والمهاجرين

فيما تشارك جوشوا آنجرست وجويدو إمبنز النصف الآخر لتطويرهما منهجية وأدوات بحث أعادت تشكيل فهم الاقتصاديين لدراسة العلاقة بين السبب وتأثيره، وقد ساعدت إسهاماتهما الباحثين في استخدام حالات واقعية لاختبار النظريات الاقتصادية، وقد طبق العالمان هذه المنهجيات في بحوث تركزت على مواضيع العمل والتعليم والهجرة أيضًا. 

صدمة للرأسمالية المتطرفة.. هل للحد الأدنى للأجور أثر سلبي اقتصاديًا؟ 

إحدى قناعات الكتب التدريسية السائدة في علم الاقتصاد، تدور حول أن رفع الحد الأدنى للأجور يعني ارتفاع معدل البطالة بالضرورة، والتبرير المنطقي لذلك هو أن تكاليف الأجور سترتفع على الشركات، ما يعني اضطرارها لفصل بعض العمال، أو عدم قبول توظيف أي عمالة إضافية مستقبليًا، وذلك لتعويض التكلفة التي زادت نتيجة لارتفاع الحد الأدنى للأجور، إلا أن هذه القناعة السائدة تحطَّمت بفعل دراسات اعتمدت على بيانات إحصائية، أُخذت من حالات واقعية وأكدت أنه لا يوجد أثر سلبي يُذكر على نسبة التوظيف نتيجة لرفع الحد الأدنى للأجور. 

فقد أعد الباحث ديفيد كارد دراسة في التسعينات، اعتمدت على جمع بيانات اقتصادية بخصوص نسب التوظيف، اقتصرت على دراسة قطاع مطاعم الوجبات السريعة، ولأغراض المقارنة بين منطقتين رفعت إحداهما الحد الأدنى للأجور وأبقت الأخرى على الحد الأدنى كما هو، اختار الباحثان منطقتين في الولايات المتحدة الأمريكية، تتشابهان في خصائص سوق عملهما في نفس القطاع.

ووقع الاختيار على حالة ولاية نيو جيرسي، التي رفعت الحد الأدنى للأجور من 4.25$ في الساعة، ليصبح 5.05$، ومقارنتها على مستويين: في الأول قورنت بمنطقة شرق فيلادلفيا التي حافظت على نفس الحد الأدنى للأجور، وفي المستوى الثاني قارن البحث بين المطاعم التي لم تكن تعطي عمالها أجرًا يزيد عن الحد الأدنى، والمطاعم الأخرى التي كانت تعطي أجرًا أعلى قريبًا من الحد الجديد قبل تطبيقه.

Embed from Getty Images

ديفيد كارد الفائز بنوبل للاقتصاد 2021

وأظهرت الدراسة أن رفع الحد الأدنى للأجور أدى فعليًا إلى ازدياد التوظيف وخفض البطالة، ويظهر البحث استخدام نماذج مختلفة للتأكد من صحة هذا الاستنتاج، وتقوم هذه النماذج بتغيير بعض الوقائع المسجلة في البيانات التي جرى جمعها، واستبدال بها افتراضيًا بدائل أخرى، ولم تظهر أي من هذه النماذج أن هناك أثرًا سلبيًا لرفع الحد الأدنى للأجور على التوظيف.

وكشف كارد أن رفع الحد الأدنى للأجور زاد من المتقدمين للعمل في نيو جيرسي، مقارنة بغيرها من الولايات، وأن نسب التوظيف زادت أيضًا بالمطاعم التي أفادت العديد من المؤشرات بأنها لم تتضرر من رفع الحد الأدنى للأجور، ولم يكن تفسير هذه النتائج باستخدام النماذج الاقتصادية المعمول بها في السابق ممكنًا.

صدمة لليمين المتطرف.. هل يسرق المهاجرون الفرص من سكان البلد؟ 

في عام 1990 عمل كارد على بحث آخر يخص تأثير وفود المهاجرين على منطقة معينة، وارتباط ذلك بزيادة معدل البطالة بين سكان المنطقة، أو بمنافسة المهاجرين الجدد للعمال غير المهرة في البلد، فالمهاجرون حسب التصور السائد هم إما عمال غير مهرة، أو عمال مهرة يقبلون بسبب وضعهم المادي أجورًا أقل من غيرهم؛ ما يعني مزاحمة السكان الآخرين على الوظائف، ومن مصلحة الشركات توظيفهم بأجور أقل بدلًا عن غيرهم.

درس كارد حالة إحدى موجات الهجرة الكوبية إلى ميامي، والتي حصلت عام 1980، وأثرها على سوق العمل فيها، بدراسة أثر وفود هؤلاء المهاجرين على كل من العاملين الكوبيين المتواجدين سابقًا في ميامي، أو على العمال من غير الكوبيين. 

Embed from Getty Images

قطاع الخدمات في ميامي 

في الواقع زادت هذه الموجة من قوة العمل في ميامي بنسبة 7% دفعة واحدة، وهي نسبة ضخمة مقارنًة بنسب النمو الطبيعية للعمال في السنوات العادية، وأغلب هذه الزيادة كانت من العمال غير المهرة، وحين ذاك ساد اعتقاد بأن المهاجرين يؤثرون سلبا على سوق العمل، واندلعت أعمال شغب وثار جدل كبير حول المهاجرين، وعُزيت كثير من المشاكل إلى الهجرة الكوبية، خصوصًا أن نسبة البطالة ارتفعت في نفس وقت حصول هذه الموجة من الهجرة.

إلا أن بحث كارد يخلُص إلى عدم وجود أي دليل يربط بين هذه الموجة من الهجرة وبين معدلات أجور العمالة غير الماهرة من غير الكوبيين، وبشكل مشابه أكد ألا دليل يربط بين هذه الهجرة وبين ارتفاع معدلات البطالة عند غير الكوبيين.

على العكس من ذلك أظهرت البيانات أن سوق العمل في ميامي امتص هذه الزيادة بشكل كبير، بآثار بسيطة يمكن تجاهلها على كل الفئات الأخرى من سكان ميامي، بما في ذلك الكوبيون المقيمون في ميامي قبل الهجرة.

وأشار البحث إلى أنّ ما حصل في ميامي كان له ثلاثة عوامل أساسية؛ الأول هو أن اقتصاد المدينة معد مسبقًا لاستقبال هذا الكم الهائل من العمالة غير الماهرة في فترة قصيرة، فقد تطورت قطاعات معينة في اقتصاد المدينة تحتاج إلى العمالة غير الماهرة بحيث امتصت موجات الهجرة الكبيرة بسلاسة، والعامل الثاني هو تركز الناطقين بالإسبانية في ميامي، ما سهل اندماج المهاجرين الجدد فيها، وأخيرًا فإن نسب استقبال ميامي للهجرة انخفض بعد هذه الموجة؛ ما يعني أن مهاجري هذه الموجة أثروا على من بعدهم، واضطروهم للهجرة إلى مدن أخرى غير ميامي.

وبالتالي نستنتج من ذلك اختلاف بنية الاقتصاد من مكان إلى آخر، فمن الممكن أن يستفيد الاقتصاد من موجات الهجرة الضخمة بدلًا عن أن يتأثر سلبيًا بها، كما أن الاقتصاد والسياسات المتبعة في شأن المهاجرين، قد تجعل من الدول والمدن أكثر مرونة وقدرة على استيعابهم وامتصاص فائض قوة عملهم.

ومن ناحية أخرى تعلقت إحدى مساهمات كارد في اقتصاد العمل بأن الموارد التعليمية التي تقدمها المدارس للطلاب، أهم لمستقبلهم في سوق العمل مما كان يُعتقد فيما سبق، وهي نتيجة مشابهة لنتائج أبحاث الباحثين جوشوا آنجرست، وجويدو إمبنز، اللذين حازا على جائزة نوبل مناصفة مع كارد. 

نوبل في الاقتصاد.. تغيير جذري في فهمنا للتجارب الواقعية 

عمل الباحثان جوشوا آنغرست وجيويدو إمبنز في مجال نظري إحصائي بحت، لكنه مع ذلك ساهم في تطوير الفهم الاقتصادي لـ«التجارب الطبيعية Natural Experiments»، والتي تعني دراسة حالات واقعية، وليس القيام بتجارب مخبرية، يختار فيها الباحث العوامل والمدخلات، ويراقب المخرجات، بل يقوم بملاحظة ما يحصل في الواقع، ودراسته إحصائيًا للوصول إلى نتائج مفيدة في علم الاقتصاد، فكيف فعلا ذلك؟ 

Embed from Getty Images

جوشوا آنجرست الفائز بنوبل للاقتصاد 2021

وقد طور الباحثان بجائزة منهجية بحث متعلقة بدراسة السبب «Cause» والتأثير «Effect» الناتج عنه، فمثلًا تُسبب زيادة المعروض من منتج ما انخفاض سعره، إلا أن العلاقة بين السبب والتأثير ليست دائمًا بمثل هذا الوضوح، كما أن ارتباط أمرين وحصولهما معًا لا يعني وجود علاقة سببيه بينهما، فالقاعدة الإحصائية المشهورة تقول «الارتباط لا يعني السببية Correlation doesn’t imply causation» فقد تتحرك مجموعتان من البيانات بنفس الطريقة، دون أن يكون هناك أي أثر بينهما. 

فمثلًا قد يجد الاقتصاديون أنّ معدلات استهلاك الآيس كريم مترابطة مع معدلات جرائم القتل في نيويورك، بحيث إن البيانات تشير إلى أنه وضمن فترة معينة كان ارتفاع استهلاك الآيس كريم يترافق مع ارتفاع في معدلات جرائم القتل في نيويورك، دون أن يعني ذلك أي علاقة سببية بين الأمرين.

لذا قالت لجنة جائزة نوبل في تصريحها الصحافي: إنّ التجارب الطبيعية صعبة الفهم والتفسير؛ لصعوبة تحديد علاقة السبب والتأثير من البيانات المستقاة من التجارب الطبيعية، وقدمت اللجنة مثالًا على ذلك سبق أن تناوله باحث من الفائزين في دراسة له: فلنفترض أننا رفعنا عدد سنوات التعليم الإلزامي لمجموعة من الطلبة بصف واحد، وأبقيناها كما هي لمجموعة أخرى، فإن ذلك لن يؤثر على جميع أفراد المجموعتين بنفس الطريقة، إذ سيكمل بعض الطلاب تعليمهم حتى بعد السنوات الإلزامية، ولن يعني ذلك أن تقديرهم لقيمة التعليم مماثل لباقي أفراد المجموعة، فهل يمكن أن نصل لأي استنتاج من تجربة مثل هذه؟

Embed from Getty Images

لحظة إعلان فوز ديفيد كارد وجوشوا آنغرست وجويدو إمبنز بنوبل للاقتصاد

وقدم الباحثان في منتصف التسعينات إجابة على هذا السؤال المنهجي، مبينين في دراستهما الإحصائية كيف يمكن أن نستنتج استنتاجات دقيقة من التجارب الطبيعية وبياناتها، وقد اشترك جوشوا آنجرست مع باحث اقتصادي آخر في دراسة اقتصادية في مطلع التسعينات، استفادت من البيانات التي وفرتها تجربة قوانين التعليم الإلزامي في الولايات المتحدة الأمريكية التي تسمح لمن ولدوا مبكرًا خلال عام معين بترك التعليم بشكل مبكر، مقارنة بمن ولدوا في وقت متأخر من نفس العام، والذين يجبرون على إكمال تعليمهم لوقت أطول. 

وقد توصلت الدراسة إلى أن من درسوا لمدة أطول تمكنوا من تحصيل دخول أعلى من غيرهم، ممن يسمح لهم القانون ترك التعليم في سن أبكر، وتعد الدراسة مثالًا على ما مقدار الاستفادة الممكنة من بحث الحالات الواقعية، وإثبات للفائدة المعرفية الكبيرة الكامنة فيها، وقد هذه ساهمت هذه الدراسة في دفع أعمال الباحثين الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد، لتطوير عملهما المتعلق بمنهجيات وأدوات البحث، التي كانت سببًا في فوزهما بالجائزة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد