هزت العديد من الفضائح قطاع الصحة بالجزائر مؤخرًا، خاصة ما تعلق بقطاع المستشفيات، التي أصبحت – حسب الكثير من الجزائريين – «العنوان الأبرز» للإهمال، وسوء الخدمات، وسوء التكفل بالمرضى؛ إذ تصاعدت الاحتجاجات الغاضبة على مدار الشهر الماضي بالموازاة مع الحراك الشعبي الذي يطالب بمحاسبة الفاسدين بالبلاد؛ حتى وصل الأمر إلى طرد المحتجين للمسؤولين على إدارة هذه المستشفيات، على غرار ما حدث لمدير مستشفى عين مليلة (شرق الجزائر). 

وتأتي هذه الاحتجاجات الغاضبة بعد تسجيل عدّة وفيات كانت ضحية الإهمال والتسيّب الذي أصبح ميزةً أساسية لبعض المستشفيات في  الجزائر. إذ حوّلت هذه المستشفيات من أماكن لطلب الشفاء إلى مستودعاتٍ للموت، في وقتٍ تعيش فيه البلاد حراكًا شعبيًا يحاول من خلاله الجزائريون التخلص من مظاهر الفساد التي عصفت بمعظم القطاعات الحيوية في عهد حكم الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة.

في هذا التقرير نسلط الضوء على قطاع المستشفيات في الجزائر الذي تحوّل إلى ميدان للموت بدلًا عن الاستشفاء. 

رغم ازدهار القطاع.. لماذا لا تنتهي أزمة نقص الدواء في الجزائر؟

رغم الميزانية الضخمة.. قطاع «الصحة» في الجزائر لا يزال «مريضًا»

يواجه قطاع الصحة في الجزائر تحديات كبيرة  منذ مطلع الألفية الحالية، وذلك ضمن سياسة الإصلاحات التي تحدث عنها 11 وزيرًا توالوا على القطاع منذ تولي الرئيس المستقيل بوتفليقة مقاليد الحكم عام 1999 إلى اليوم، وهي الإصلاحات التي كبدت الجزائر ميزانيات ضخمة، ولم تفلح في وضع حدٍ لسوء التسيير، والإهمال العاصف بمستشفيات الجزائر؛ إذ لا تزال معظم مستشفيات البلاد يملأها الفشل والقصور الذريعين في الاستجابة لتطلعات مهنيي القطاع من جهة، والمرضى من جهة أخرى. 

واقعٌ لا يعكس بالمرّة حجم الميزانية التي تخصصها الدولة الجزائرية لقطاع الصحة كلّ سنة، والتي بلغت العام الحالي نحو 3 مليار دولار، ووصلت هذه الميزانية طوال آخر 15 سنة إلى نحو 80 مليار دولار، فيما عجزت هذه المبالغ الطائلة عن صناعة واقعٍٍ صحيٍ يكفل للمريض الجزائري التداوي في مستشفيات جيّدة. إذ يفضّل الكثير من المرضى الفقراء والبسطاء البقاء في بيوتهم وانتظار الموت على أن يقصدوا المستشفيات الحكومية التي يعشش فيها الفساد والإهمال.

وقد كشف تقرير للبنك الدولي صدر سنة 2015 أن حوالي 20% من نفقات الجزائر على القطاع الصحي تضيع بسبب سوء التسيير والفساد، أمّا المستشفيات الخاصة التي تقدم خدمات أفضل مقارنةً بالحكومية فتكلفتها الباهظة تغني حتى عن التفكير في زيارتها.

المسشتفيات في الجزائر

الإهمال في مسشتفيات الجزائر، مصدر الصورة (مواقع التواصل)

ويرجع البروفيسور بوزيد مالك، رئيس مصلحة الجراحة في «مستشفى الخروب» بقسنطينة، الحالة المزرية التي يعيشها القطاع الصحي في الجزائر  في حديثه مع «ساسة بوست» إلى «تعاقب عدد هائل من الوزراء على القطاع في مدة زمنية ليست ببعيدة: فوزير الصحة في الجزائر لا يمكنه أن  يصمد في منصبه أكثر من سنتين ونصف في المتوسط، وبالتالي لا يستطيع أن ينفذ أي إستراتيجية لتطوير القطاع، ناهيك على أنّ كون غالبية هؤلاء الوزراء ليسوا متخصصين في الصحة، وهذه كارثة، دون أن نغفل عن سببٍ مهمٍ جدًا يتعلق بازدواجية عمل الأطباء المختصين بين القطاعين العام والخاص؛ الأمر الذي يجعلهم يهملون مرضى المستشفيات العمومية، وذلك بالنظر إلى الربح المادي الذي يجنونه في القطاع الخاص»، بحسبه.

وتشهد الجزائر اختلالًا في الخارطة الصحية في الجزائر، إذ ترتكز قرابة 80% من المؤسسات الاستشفائية الضخمة في المناطق الشمالية للبلاد، فيما تشهد العديد من مناطق الجنوب والهضاب العليا انعدامًا تامًا للمستشفيات والمراكز الصحية، وهو ما يكبد عشرات الآلاف من مرضى الجنوب والمناطق الداخلية عناء التنقل إلى الشمال طلبًا للعلاج.

وكانت «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان» قد انتقدت واقع الصحة في الجزائر واصفةً إياه «بالكارثة» التي تشبه الحالة التي مرّ بها القطاع بسنوات السبعينات، وأضافت في تقريرٍ لها سنة 2018 أن 81% من المرافقين للمرضى، يؤكدون بأن ظروف الانتظار داخل المستشفيات «مملة ومصحوبة، في كثير من الأحيان، بالاستياء والغضب، نتيجة غياب الاستقبال والتوجيه».

وليس بعيدًا عن مصائب قطاع الصحة في الجزائر تلك،  يعود البروفيسور بوزيد مالك ليضيف أن قطاع الصحة في حالة طوارئ حقيقية نظرًا لنقص الكوادر المختصة على مستوى المؤسسات الاستشفائية وهو – حسب البروفيسور بوزيد – «واحد من مظاهر معاناة قطاع الصحة في الجزائر، إذ تشهد معظم المراكز الاستشفائية نقصًا مهولًا في الإطارات الصحية، ففي بلد يتجاوز عدد سكانه 43 مليون نسمة لا يتجاوز عدد الساهرين على الصحة العمومية فيه سوى بضعة آلاف من الموظفين».

مستشفيات الجزائر.. قصص مأساوية للتسيّب وسوء التسيير

مستشفى «سليمان عميرات» بمدينة عين مليلة صار هذه الأيام من أشهر المستشفيات الجزائرية، وذلك بعد أن أقدمت مجموعة من المحتجين الغاضبين على تدهور الخدمات الطبية وسوء التسيير، وكذلك ارتفاع نسبة الوفيات بين المواليد الجدد في المستشفى، على إقتحام مكتب مدير المستشفى وإجباره على المغادرة بالقوة، وهو ما أظهرته الصور والفيديوهات التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي خلّفت جدلًا وانقسامًا بين الجزائريين بين متضامنين مع المحتجين ومعارضين لطرد المدير.

وفي حديثٍ مع أحد المشاركين في اقتحام مكتب مدير مستشفى – رفض ذكر اسمه – قبل إعتقاله من طرف مصالح الأمن بتهمة طرد مسؤول من مهامه، كان قد أكد لـ«ساسة بوست» حيثيات الاقتحام بالقول إنّ ما وقع يعدّ ردة فعل على التسيّب الذي يشهده المستشفى الذي صار مشرحة بدلًا عن كونه مستشفى، مضيفًا في هذا السياق: «على الجزائريين أن يعلموا أننا قمنا باجتماعٍ مع مدير المستشفى المطرود الذي وعدنا بتحقيق كل المطالب المرفوعة له، لكن هذا لم يحصل؛ لأن وضعية المستشفى أضحت أكثر سوءًا مما كانت عليه من قبل».

وليس ببعيدٍ عن مستشفى عين مليلة، شهد «مستشفى المسيلة» (شرق الجزائر) قبل شهرين حادثة وفاة سيدتين على طاولة الولادة، الأمر الذي أثار حفيظة أهالي المرضى والمتوفين وجعلهم يفتحون النار على مسيري القطاع الصحي واتهامهم بالتسيب والإهمال الذي انعكس سلبًا على المرضى، وهو الأمر نفسه الذي حدث مع سيدة ثلاثينية من ولاية تيبازة، دخلت مصلحة الولادة بـ«مستشفى القليعة» لوضع مولودها؛ فخرجت جثة هامدة معه.

تجدر الإشارة إلى أنّ «رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان الجزائرية» كانت قد أشارت إلى وجود أكثر من  1200 ملف لضحايا الأخطاء الطبية بالجزائر، وهو رقم «لا يعكس حقيقة الوضع»، وفق تقرير المنظمة الحقوقية.

عائلة الطفل أمجد من غارداية هي الأخرى كانت ضحية للأخطاء الطبية التي  تكاثرت في مستشفيات الجزائر؛ إذ يذكر عم الضحية أمجد لـ«ساسة بوست» قصة ابن أخيه بالقول: «إنّ الطاقم الطبي الذي أشرف على ولادة أمجد عن طريق العملية القيصرية لأمه قام باستعمال أدوات ممنوعة؛ سبب له تشوهات وكسرًا في فكه إلى جانب جروح غائرة برأسه».

وللوقوف على ملابسات القضية عن كثب، زار «ساسة بوست» مصلحة التوليد بمستشفى قضي بكير في ولاية غارداية، ليتبين أنها تجمع بين سوء التسيير والمحسوبية، في ظل توافد النساء الحوامل عليها من كل أرجاء الولاية، وهو الأمر نفسه الذي عايناه في «مستشفى 18 فبراير» بمدينة متليلي الشعانبة أحد أكبر مستشفيات الجنوب الجزائري، والذي يعيش هو الأخر وضعية كارثية بسبب التسيب وسوء التسيير. 

«تجار الأرواح».. هل تحوّلت كليات الطب في الجزائر إلى مصنعٍ للقتلة؟

لطالما كان الأطباء في الجزائر المعلّقة التي يعلق عليها المسؤولين الفشل وسوء التسيير الذي يشهده قطاع الصحة في الجزائر، نظرًا لكونهم أكثر المسؤولين احتكاكًا بالمرضى والمواطنين، وهو الأمر الذي جعلهم عرضةً للاتهامات والهجمات التي تطال العديد منهم، خصوصًا الأطباء القادمين مؤخرًا من كليات الطب الجزائرية التي ينظر إليها الكثير من الجزائريين على أنّها تجارة أرواحٍ وذلك على خلفية الفساد الذي ينخر كليات الطبّ ناهيك عن ضعف التكوين الذي يحصل عليه الأطباء أثناء دراستهم الجامعية وتربصاتهم التطبيقية.

وفي حديثٍ لـ«ساسة بوست» مع إحدى طالبات الطب بـ«جامعة الجزائر1»، أكدت الطالبة إكرام أنّ «دراسة الطب في الجزائر تفتقر للدروس التطبيقية والعملية، فمثلًا مادة التشريح التي تدرّس لمدة عامين لم تبرمج لنا سوى زيارة وحيدة إلى مخبر التشريح، ولا أدري إن كان ذلك لندرة المخابر، فكليتنا تمتلك مخبرًا واحدًا كبيرًا، أم لكثرة عددنا، فقد كنا 1800 طالب في السنة الأولى، وتتواصل هذه المشكلة في المستشفيات الجامعية، حيث يتجمهر عدد معتبر منا حول مريضٍ واحد، وحول أستاذ واحد أيضًا؛ فيعوق ذلك كثيرًا تحصيلنا العلمي والتجريبي»، بحسبها.

الاهمال في المستشفيات بالجزائر يبدأ من كليات الطب

كلية الطب بـ«جامعة الجزائر 1»

وعن المناهج الدراسية المعتمدة في كليات الطب الجزائرية، نوّهت الطالبة إكرام – إحدى طالبات كلية بن عكنون للطب – على أنّ الكثير من المصادر التي يُمتحن بها طلبة الطب في الجزائر قديمة جدًا، وتضيف أنّ «بعض التعريفات والطرق لم تعد صالحة – فقد تجاوزها العلم الحديث – لكنك تجد نفسك مضطرًا لحفظها وأنت تدرك أنها لن تفيدك في شيء، ناهيك عن أن بعض الأساتذة يعجزون حتى عن وضع أسئلة الامتحان، فترى موضوعات الامتحان لبعض المواد مكررة، ما يستدعي من الطلبة حفظ الأسئلة وإجاباتها دون تعبيرٍ للمستقبل المهني الذي سيضع الأرواح بين يدي هؤلاء الطلبة ذات يوم».

وعن معاناة طلبة الطبّ في التربصات التطبيقية التي تعدّ من أهمّ الحصص التي يتحصل من خلالها طلبة الطب على معارف تمكنهم من أداء واجبهم الطبي أثناء تخرجهم، أوضحت إكرام أنّ «سوء التسيير يظهر أيضًا في اللامسؤولية، فبعض الأطباء المسؤولين عن الطلبة خلال فترة التربص لا يتواجدون، إذ يمكنك أن تُعيّن في مصلحة ما لاجتياز تربص مدته خمسة أسابيع ولا ترى خلالها مسؤولك مرة واحدة، وإذا كنت محظوظًا برؤيته فإنّه لا يعلمك شيئًا، ولا يحدثك عن مريض، ولا يسمح لك بالاقتراب مما يفعله، فينتهي بك الأمر طوال مدّة التربص منتقلًا بين الأروقة، أو تتوسل لمريض أن يسمح لك بفحصه، أو سؤاله عن حالته».

تجدر الاشارة ألى أنّ كليات الطب في الجزائر تشهد سنويًا احتجاجاتٍ وإضراباتٍ طلابية كان آخرها الإضراب الذي شنّه طلبة الطب في مختلف الكليات العام الماضي احتجاجًا على الوضع الكارثي الذي يدرسون فيه، كما يُتوقع أن يشهد الدخول الجامعي الجديد إضراباتٍ في كليات الطب نظرًا لاستمرار نفس الظروف حسب المتحدث باسم نقابة «الاتحاد العام الطلابي الحر» سليمان زرقاني، الذي أكّد لـ« ساسة بوست» أن نقابته رفعت للوزارة الوصية ملفًا خاصًا بطلبة الطب في انتظار معالجته قبل تفجّر الأوضاع عند الدخول الجامعي.

صاحبة أكبر احتياطي للمياه الجوفية في العالم.. هل تعاني الجزائر من أزمة عطش؟

المصادر

تحميل المزيد