لا يزال العراق بعد 10 أشهر من إعلان النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية المبكرة، والتي أجريت في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2021؛ بدون حكومة أو موازنة عامة، ويسيِّر أعمال البلاد حكومة «تصريف أعمال» عاجزة عن اتخاذ أي قرار لخدمة العراقيين.

وفي الوقت الذي كانت النخب السياسية العراقية على موعدٍ مع اتخاذ أول خطوة جدية لتشكيل حكومة جديدة قد طال انتظارها؛ فقد انقلبت محاولة تسمية رئيس الوزراء العراقي الجديد ومن ثم تشكيل الحكومة المقبلة، إلى مظاهرات ومظاهرات مضادة، خوف وترقب من احتمال تصاعد الأمور إلى حد اندلاع حرب أهلية بين الجماعات السياسية الشيعية، وانهار كل شيء بين ليلةٍ وضحاها، فما الذي يحدث في العراق؟ وهل الصراع الحالي بين رجل الدين الشيعي والسياسي الشعبوي مقتدى الصدر، وخصومه من الإطار التنسيقي الشيعي بقيادة نوري المالكي، قد ينذر باقتتال شيعي شيعي، لا يحمد عقباه؟

البداية.. انتخابات مبكرة وظهور الصراعات

لكي نستطيع فهم ما الذي دفع العراق إلى الوضع الحالي، يجب الإشارة باختصارٍ إلى بوادر الأزمة الحالية، والتي كانت الشرارة الأولى لما وصل إليه العراق الآن.

Embed from Getty Images

في أكتوبر 2019 شهد العراق أكبر حركة احتجاجية مناهضة للحكومة والفساد السياسي والمالي، إذ اجتمع عشرات الآلاف من المتظاهرين – أغلبهم من الشباب – للمطالبة بتغيير النظام السياسي العراقي القائم منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في عام 2003، واتهمه المتظاهرون بالفساد والطائفية، كما احتج المتظاهرون على البطالة، والفقر، وسوء الخدمات العامة، وعرفت هذه الحركة باسم «حركة تشرين».

كانت من ضمن مطالب «حركة تشرين» الاحتجاجية، تغيير نظام الانتخابات البرلمانية السابق، وتشريع قانون انتخابي جديد، يقسم العراق إلى دوائر كثيرة، مما يمنع الأحزاب السياسية الشيعية التقليدية من الهيمنة على مقاعد البرلمان.

وبالفعل قام البرلمان العراقي السابق، بضغطٍ كبيرٍ من نواب التيار الصدري، الذي يرأسه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، بتشريع قانون انتخاباتٍ جديدٍ، أعطاهم الفرصة للحصول على أكبر عدد من المقاعد بسبب اتساع قاعدتهم الجماهيرية فى جميع أنحاء العراق.

أقيمت الانتخابات البرلمانية المبكرة في العاشر من أكتوبر 2021، واكتسح التيار الصدري النتائج، حاصلًا على 73 مقعدًا من مقاعد البرلمان البالغ عددهم 329، ثم جاء في المرتبة الثانية تحالف «السيادة» السني، بقيادة رئيس البرلمان الحالي، محمد الحلبوسي، بالحصول على 33 مقعدًا، وتلاه «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، أحد أكبر الأحزاب الكردية المهيمنة على الحكم في إقليم كردستان العراق المتمتع بالحكم الذاتي، بحصوله على 32 مقعدًا من أصل 329 مقعدًا في المجلس التشريعي العراقي.

ووفقًا للدستور العراقي، وتفسير المحكمة الاتحادية العليا العراقية؛ فإن التيار الصدري الحاصل على 73 مقعدًا فى الانتخابات الأخيرة، هو الكتلة البرلمانية الأكبر، ويحق له تشكيل الحكومة المقبلة وتسمية رئيس الوزراء العراقي الجديد.

تجدر الإشارة هنا، إلى مصطلح «الكتلة البرلمانية الأكبر»، يشير إلى الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان العراقي، ووفق الدستور العراقي، يكون له الحق في تشكيل الحكومة المقبلة بالتشاور مع باقي الأحزاب الأخرى، كما عرف العراق منذ عام 2003، نظامًا سياسيًّا تقليديًّا غير مكتوب لكنه أشبه بالقانون، الذي ينص على تقاسم المناصب والسلطة بين كافة الأحزاب السياسية التقليدية، وفقًا للطائفة الدينية والعرقية والقبلية، وكان مقتدى الصدر جزءًا من هذا التوافق السياسي لسنواتٍ طويلةٍ.

لكن في الانتخابات الأخيرة، وبعد الفوز الساحق للتيار الصدري، ومطالبة مقتدى الصدر بتشكيل حكومة «أغلبية وطنية»، بدلًا من تشكيل حكومة توافقية كما جرت العادة في عراق ما بعد عام 2003، ودخوله في تحالفٍ ثلاثي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتحالف السيادة السني؛ بدأت ملامح الصراع السياسي العراقي في التبلور أكثر وأكثر.

تحالف مقتدى الصدر مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة السني، وتصميمه على تشكيل حكومة «أغلبية وطنية»، دفع خصومه الشيعة من الإطار التنسيقي الشيعي، وهي هيئة تجمع كافة الأحزاب السياسية الشيعية التقليدية سواءً الموالية لإيران أو المعتدلة منها، إلى الاعتقاد بأن مقتدى الصدر يحاول إقصاءهم من السلطة وتهميشهم، فرفضوا مسألة تشكيل حكومة الأغلبية، وسعوا بكل الطرق الممكنة إلى تفكيك التحالف الثلاثي الذي يقوده مقتدى الصدر.

على ضوء هذه الخلفية، فشلت كل محاولات المفاوضات والتقريب بين التيار الصدري والإطار التنسيقي الشيعي، ووصلت الأمور إلى انسداد سياسي هائل، استخدم فيه الإطار التنسيقي الشيعي، مسألة «الثلث المعطل»، من خلال مقاطعة الجلسات البرلمانية السابقة لاختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، فمنع مقتدى الصدر وحلفاؤه الأكراد والسنة، من الحصول على النصاب القانوني اللازم لاختيار رئيس الجمهورية على أقل تقدير، وتجدر الإشارة هنا إلى أنه من المفترض فى الجلسة البرلمانية لاختيار رئيس الجمهورية وهو منصب يستحوذ عليه الأكراد العراقيون منذ عام 2003، أن يحضر 222 نائبًا من أصل 329 نائبًا.

في هذا الصدد، يقول الباحث السياسي المقيم ببغداد، علاء منتظر لـ«ساسة بوست»: «استطاع خصوم الصدر من الإطار التنسيقي، أن يكونوا حجر عثرة أمام محاولات مقتدى الصدر، تشكيل حكومة يجري إقصاؤهم منها، ولم ينجح الصدر وحلفاؤه إلا في اختيار رئيس البرلمان الحالي، محمد الحلبوسي».

جدير بالذكر، أن محمد الحلبوسي، هو أول رئيس برلمان يعاد انتخابه للمرة الثانية منذ عام 2003، في العراق، فكان الحلبوسي رئيسًا لبرلمان عام 2018، كما أنه أصغر سياسي سني عراقي يتولى هذا المنصب.

انسحاب الصدر.. وتسريبات المالكي

بعد نحو ثمانية أشهر من الانسداد السياسي في العراق، واستمرار البلاد بلا حكومة جديدة، أعلن رجل الدين الشيعي والسياسي البارز مقتدى الصدر، في شهر يونيو (حزيران) 2022، أوامره لنواب التيار الصدري، بتقديم استقالاتهم الجماعية من البرلمان في محاولة لحل الأزمة السياسية.

كان انسحاب مقتدى الصدر من العملية السياسية، وهو الفائز الأكبر في الانتخابات الأخيرة فرصةً ذهبيةً لخصومه من الإطار التنسيقي الشيعي، وكان يجب عليهم انتهازها بشكلٍ سريعٍ، إذ وفق الدستور العراقي، يحل المرشح الحاصل على أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات، والذي جاء في المرتبة الثانية بعد المرشح الفائز، محل النائب البرلماني المستقيل؛ فكان على قادة الإطار التنسيقي الشيعي، العمل على إصدار قائمة النواب البدلاء لنواب التيار الصدري، بسرعةٍ كبيرةٍ، لكن كان البرلمان العراقي في عطلته الصيفية.

يقول سياسي شيعي عراقي في حزب الدعوة الإسلامية لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته: «كان قادة الإطار التنسيقي يخشون أن يتراجع مقتدى الصدر عن قراره باستقالة نوابه التيار، لذلك لجأ المالكي إلى عقد جلسة برلمانية طارئة بزعم مناقشة الاعتداءات التركية على الأراضي العراقية».

في هذه الجلسة التي أشار إليها المصدر السابق، قام نحو 60 نائبًا بأداء اليمين بدلاءً لنواب التيار الصدري، وبذلك أصبح الإطار التنسيقي الشيعي، هو الكتلة البرلمانية الأكبر في المجلس التشريعي العراقي، ويحق له تشكيل الحكومة وتسمية رئيس الوزراء المقبل.

من الممكن أن يجادل المرء، حينها بأن مقتدى الصدر قد خسر كل شيء بانسحابه من البرلمان، وبعد أن كان الفائز الأكبر، تحول إلى الخاسر الأكبر في هذه الأزمة، واستطاع خصومه من الإطار التنسيقي الشيعي، الانتصار عليه بحركة مباغتة وسريعة، لكن مقتدى الصدر لم يكن واقفًا مكتوف الأيدي، وكان ما زال في جعبته الكثير، وهو ما كشفت عنه الأيام اللاحقة.

في منتصف شهر يوليو (تموز) 2022، تصاعدت التوترات بين نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق (2006 – 2014)، ورئيس كتلة دولة القانون النيابية، والأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية العراقي، وبين مقتدى الصدر، في أعقاب تسريب سلسلة من التسجيلات الصوتية يزعم أنها لنوري المالكي.

في أحد تلك التسجيلات الصوتية المسربة، يسمع المتحدث، والذي يزعم أنه نوري المالكي وهو يتهم خصمه اللدود مقتدى الصدر، بأنه «متعطش للدماء»، وأنه «عميل بريطاني»، يحاول إقصاء باقي السياسيين الشيعة من السلطة للهيمنة على الحياة السياسية العراقية.

تجدر الإشارة هنا، إلى أن العداوة بين مقتدى الصدر ونوري المالكي تعود إلى عام 2008، حين قرر مقتدى الصدر، من خلال فصيله المسلح السابق «جيش المهدي»، والذي كان يقاتل القوات الأمريكية الموجودة في العراق بعد الغزو الأمريكي في عام 2003، السيطرة على مدينة البصرة الغنية بالنفط؛ حينها قاد نوري المالكي رئيس الوزراء آنذاك، حملة عسكرية موسعة بمساعدة الولايات المتحدة وأطلق عليها اسم «معركة الفرسان»، لقتال «جيش المهدي»، والقضاء عليه تمامًا.

بالعودة إلى التسجيلات الصوتية المسربة والتي يزعم بأن المتحدث بها هو نوري المالكي، أظهر مقتدى الصدر في البداية عدم اهتمام بشأن هذه التسريبات التي انتشرت على نطاقٍ واسعٍ على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية العراقية.

لكن بعد نحو خمسة أيام، أظهر مقتدى الصدر ردة فعل حادة تجاه هذه التسريبات، ودعا نوري المالكي إلى التقاعد عن العمل السياسي، كما اتهمه بأنه يسعى إلى تأجيج الفتن بين الشيعة في العراق.

ومن جهته، رفض نوري المالكي الزج باسمه في هذه التسريبات، مؤكدًا أن المتحدث في التسجيلات الصوتية ليس هو، وأنها ملفقة؛ في هذا الصدد، يقول سياسي عراقي بارز في حزب الدعوة الإسلامية لـ«ساسة بوست»، «يبدو أن الصوت في التسجيلات المسربة أقرب إلى صوت السيد نوري المالكي، لكنني أؤكد أنه ليس هو، إنها مفبركة بالكامل، والجميع يعرف من يقف وراءها»، في إشارة إلى مقتدى الصدر.

على الجهة المقابلة، يبدو أن مقتدى الصدر وقادة التيار الصدري، لديهم يقين كامل بأن الصوت المسموع في التسريبات هو لنوري المالكي، فيقول مصدر مقرب من مقتدى الصدر، لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم ذكر اسمه: «الصوت لنوري المالكي بكل تأكيد، الأفكار نفسها أيضًا التي يحملها نوري المالكي، إذا كنا في بلدٍ يحترم القانون، كان لا بد من تقديم المالكي إلى المحاكمة».

إلى الآن لم يجر التحقق من أي جهة بصحة التسريبات الصوتية المنسوبة لنوري المالكي، لكن التحقق ليس هو كل شيء، فالشيء الأهم، أن هذه التسريبات وأيًّا ما كانت الجهة أو الشخص الذي يقف خلفها، أعطت دفعة كبيرة لاستعادة مقتدى الصدر لنفوذه مرةً أخرى بعد خطوة الانسحاب من العملية السياسية.

ترشيح «السوداني».. القشة التي زادت الصراع

في يوم 26 يوليو الماضي، أعلنت هيئة الإطار التنسيقي الشيعي، ترشيح محمد شياع السوداني لمنصب رئيس الوزراء، وحصل السوداني على دعمٍ كبيرٍ من قادة الإطار التنسيقي الشيعي، والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كان جزءًا من التحالف الثلاثي مع مقتدى الصدر في السابق، وأيضًا أعلن تحالف «عزم»، بقيادة السياسي السني العراقي خميس الخنجر، وهذا التحالف هو جزء من تحالف السيادة السني الذي كان أيضًا جزءًا من حلفاء مقتدى الصدر في التحالف الثلاثي؛ دعمه لترشيح محمد السوداني.

لكن، ترشيح السوادني، كانت الشرارة التي فجرت الوضع في العراق ليصل إلى ما هو عليه الآن، فقد رفض مقتدى الصدر والتيار الصدري ترشيح السوادني بوصفه مواليًا لنوري المالكي، فيقول مصدر مقرب من التيار الصدري لـ«ساسة بوست»: «إذا أصبح السوداني رئيس الحكومة، فإن هذا يعني أن المالكي هو من يحكم ويقود الحكومة المقبلة، السوادني ما هو إلا ظل للمالكي»، على حد تعبيره.

ووفق المصدر السابق، فإن نوري المالكي عندما أدرك أنه لن يستطيع الترشح لرئاسة الحكومة المقبلة، أصر على ترشيح شخصية سياسية موالية له، فيقول لـ«ساسة بوست»: «سيكون السوداني أداة في يد المالكي، سينفذ كل أوامره والأول يحكم من وراء ستار، وهذا أمر لن يقبله الصدريون ولا الشعب العراقي».

بعد إعلان الإطار التنسيقي الشيعي (خصوم مقتدى الصدر)، عن ترشيح محمد السوداني لرئاسة الحكومة الجديدة، نزل أنصار مقتدى الصدر إلى الشوارع للاحتجاج واقتحموا المنطقة الخضراء شديدة التحصين وأزالوا الموانع الإسمنتية للدخول إلى البرلمان، يوم 27 يوليو (تموز) 2022.


وفي وقتٍ متأخرٍ مساءً من يوم 27 يوليو، كتب مقتدى الصدر تغريدة على حسابه الشخصي على منصة «تويتر»، يدعو فيها أنصاره إلى الانسحاب قائلًا «رسالتكم وصلت وقد أرعبتم الفاسدين، ارجعوا إلى البيت بسلام»، بعدها أخلى المتظاهرون التابعون للتيار الصدري المنطقة الخضراء وغادروا البرلمان العراقي.

استعراض قوة.. مظاهرات ومظاهرات مضادة

بعد مظاهرات يوم 27 يوليو لمؤيدي مقتدى الصدر، وانسحاب المتظاهرين المؤقت، انتشرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي لنوري المالكي، وهو يتجول في شوارع العاصمة العراقية بغداد، حاملًا بندقية برفقة حراس مسلحين، وعلى ما يبدو أن هذه الصور قد استفزت مقتدى الصدر، الذي أصدر أوامر لمؤيديه في 31 يوليو، بالعودة إلى الشارع مرةً ثانية للاحتجاج، والاعتصام داخل البرلمان العراقي، وقد كان.

يقول المحلل السياسي العراقي علاء منتظر لـ«ساسة بوست»: «أراد المالكي إرسال رسالة إلى مقتدى الصدر من خلال صورته بالسلاح، مفادها أنه لن يتراجع عن موقفه من تشكيل الحكومة، وأن استمرار مظاهرات التيار الصدري ستكون نهايتها حرب مفتوحة بين الشيعة العراقيين».

ويضيف السيد منتظر قائلًا: «لكن مقتدى الصدر لن يخاف من مثل هذا التهديد، بل واجهه بالمزيد من العناد، من خلال عودة أنصار التيار الصدري للاعتصام داخل البرلمان».

اعتصام مؤيدي مقتدى الصدر داخل البرلمان العراقي، جاء أيضًا لوقف الجلسة البرلمانية التي كان من المقرر عقدها يوم السبت الماضي 31 يوليو، لاختيار رئيس الجمهورية الذي بدوره سيقوم بتكليف المرشح لرئاسة الحكومة بتشكيل حكومته الجديدة.

في المقابل، ومع اعتصام مؤيدي مقتدى الصدر داخل البرلمان العراقي، دعا نوري المالكي أنصار الإطار التنسيقي إلى النزول إلى الشارع للاحتجاج على ما أسماه «الانقلاب على شرعية مؤسسات الدولة العراقية».

في هذا الصدد، يقول أحد قادة الإطار التنسيقي الشيعي لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم ذكر اسمه، «لم يقبل المالكي بأفعال مقتدى الصدر، ولم يوافق على ترك تشكيل الحكومة واللجوء إلى حل وسط مثل حل البرلمان وإجراء انتخابات برلمانية جديدة، استمر كلا الرجلين في العناد».

بعد انقضاء ساعات الذروة وانخفاض الحرارة قليلًا، يوم الاثنين 1 أغسطس (آب) 2022، نزل أنصار الإطار التنسيقي الشيعي، للاحتجاج بالقرب من المنطقة الخضراء، بينما كان العراقيون يحبسون أنفاسهم خوفًا من اندلاع أي اشتباكات بين الطرفين؛ لكن المظاهرات مرت دون وقوع أي حوادث مقلقة، وعاد مؤيدو الإطار التنسيقي إلى منازلهم ليلًا، بينما ظل مؤيدو التيار الصدري في اعتصامهم داخل البرلمان.

يقول القائد السياسي في الإطار التنسيقي الشيعي لـ«ساسة بوست»: «لم أكن أرى أي جدوى من نزول مؤيدي الإطار إلى التظاهر، كانت فقط رغبة في إظهار القوة من جانب المالكي، وتلويحه بالخطر الذي من الممكن أن يقود العراق إلى حرب أهلية شيعية، إذا اشتبك المتظاهرون من الجانبين».

انقلاب أم ثورة إصلاح؟

بعد انسحاب متظاهري الإطار التنسيقي الشيعي من الشوارع، أشاد مقتدى الصدر في تغريدة له بمؤيديه المعتصمين في مبنى البرلمان العراقي، قائلًا: «أدعو الجميع إلى دعم الثوار من أجل الإصلاح، بمن فيهم قبائلنا وقواتنا الأمنية، وأفراد الحشد الشعبي، الذين يرفضون الاستسلام والخضوع، وجميع فئات الشعب العراقي، أدعوهم إلى دعم الإصلاح» مضيفًا: «إذا فاتتك الفرصة فلا تلمني فأنا أدعوك إلى ما هو في صالحك وإصلاحك وحفظ كرامتك ووطنك».

يقول المحلل السياسي العراقي علاء منتظر لـ«ساسة بوست»، معلقًا على دعوة الصدر للشعب العراقي للتظاهر، «يقول مقتدى الصدر إن المتظاهرين المعتصمين حاليًا في البرلمان هم ثوار الإصلاح، وأنها ثورة إصلاح، لكن في حقيقة الأمر الإصلاح لا يحدث بتجاهل باقي الشعب العراقي، المتظاهرون الموجودون الآن في البرلمان هم أنصار التيار الصدري فقط، وليسوا كل الشعب العراقي».

في الجهة المقابلة، يرى أنصار الإطار التنسيقي الشيعي، أن ما يفعله مقتدى الصدر ليس إصلاحًا؛ بل انقلابًا على شرعية الانتخابات ومؤسسات الدولة، فيقول قائد من الإطار التنسيقي الشيعي لـ«ساسة بوست»: «أي إصلاحٍ الذي يتحدث عنه مقتدى، طوال السنوات الماضية كان جزءًا من هذا النظام، ولم نره يتحدث عن الإصلاح، كان جزءًا من البرلمان وقرر الانسحاب، وقررت باقي الأحزاب المضي قدمًا في تشكيل الحكومة، ثم يعود الآن لينقلب على كل هذا، ويدعى أنها ثورة إصلاح؟ إنه واهم».

فشل دعوات الحوار والتفاوض

عاش العراق أيامًا عصيبة في الفترة الأخيرة، منذ أن قرر مؤيدو مقتدى الصدر الاعتصام داخل البرلمان العراقي، فالكل كان خائفًا من عودة الحرب الأهلية بين الشيعة، وهذا آخر ما يحتاجه العراقيون في تلك الأيام الصعبة التي يمرون بها؛ فمنذ نهاية الشهر الماضي، جرت العديد من الاجتماعات بين قادة الإطار التنسيقي الشيعي في محاولة للخروج من هذه الأزمة، فلا أحد يريد الانجرار إلى اقتتال وتعريض البلاد إلى حافة الهاوية بعد سنوات طويلة من الغزو الأمريكي ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

من ضمن الجهود المعلنة من أجل إيجاد طريقة لحل الصراع السياسي الحالي، دعا رئيس الوزراء العراقي الحالي مصطفى الكاظمي، جميع الأطراف المتناحرة إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات لإيجاد طريقة للخروج من هذا المأزق.

يقول مصدر مقرب من نوري المالكي، لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته: «وافق المالكي وقادة الإطار التنسيقي مثل هادي العامري وعمار الحكيم على التفاوض مرة أخرى مع مقتدى الصدر بواسطة الكاظمي، لكن الصدر رفض أيدينا الممدودة له».

على الجهة المقابلة، وفي حديثه لـ«ساسة بوست»، قال مصدر مقرب من مقتدى الصدر: «نعم، رفضنا التفاوض مع الإطار التنسيقي، كان لدينا العديد من الشروط التي رُفضت من قبل قادة الإطار، لا يمكن التفاوض معهم بعد الآن». 

ومقتدى الصدر مستمر في «ثورته»

في مساء يوم الأربعاء 3 أغسطس 2022، خرج الصدر في خطاب متلفز لأول مرة منذ اعتصام مؤيديه في البرلمان العراقي، ليؤكد استمرار التيار الصدري في الاعتصام، لكنه رفع سقف مطالبه في الخطاب!

فقد أعلن مقتدى الصدر في خطابه، أن أنصاره سوف يستمرون في الاعتصام داخل البرلمان حتى يُحل البرلمان الحالي، وتجرى انتخابات جديدة، وأن مؤيديه مستمرون في الاعتصام حتى تُلبى كافة المطالب التي أشار إليها.

يقول علاء منتظر المحلل السياسي العراقي لـ«ساسة بوست»: «على ما يبدو أن مقتدى الصدر يريد التصعيد ولن يتنازل بسهولة عن مطالبه، لكنه أيضًا يخشى اندلاع صراع مسلح، لذلك سوف يحافظ على سلمية اعتصام مؤيديه، إنه يريد نسف خصومه وإقصاءهم بالكامل عن المشهد السياسي العراقي».

الخطاب الأخير لمقتدى الصدر يظهر إصراره على الاستمرار فيما أطلق عليه «ثورة الإصلاح»، وإن كل الحلول المطروحة حاليًا لإنهاء هذا الصراع، باءت بالفشل.

يقول قائد في الإطار التنسيقي الشيعي لـ«ساسة بوست»: «بعض القادة داخل الإطار مثل هادي العامري وعمار الحكيم وحيدر العبادي، يرون أن الحل الأمثل الآن هو حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة كما دعا الصدر، لكن الأزمة في نوري المالكي، فهو يرفض الانصياع لمطالب الصدر».

عربي

منذ شهرين
أطول أزمة سياسية منذ الغزو الأمريكي: هل وصل العراق إلى حافة الانهيار السياسي؟

كما أوضح الزعيم السياسي أن كلا الجانبين سواءً التيار الصدري أو الإطار التنسيقي الشيعي، لا يرغبون في تطور الأمور إلى اقتتال شيعي شيعي، فيقول لـ«ساسة بوست»: «الجميع يعلم خطورة انزلاق الأزمة الحالية إلى صراع مسلح، إذا وصلت الأمور لهذه النقطة فسيكون الجميع خاسرين، لذلك لا أتوقع تطور الأمور إلى حرب أهلية أو ما شابه، لكن من المتوقع أن تطول فترة الصراع السياسي الحالي بين الصدر والمالكي».

على جانب آخر، يقول سجاد سالم (35 عامًا)، وهو أحد الناشطين السياسيين الذين شاركوا في حركة «تشرين»، المناهضة للحكومة العراقية: «لن يكون هناك إصلاح في العراق، طالما استمرت هذه النخب في حكم بلادنا، ومن الغباء تصديق أن الصدر يريد الإصلاح، إنه صراع فيما بينهم على الهيمنة، وسينتهي بتقسيم الغنائم بينهم، والشعب العراقي هو الخاسر الوحيد».

عرض التعليقات
تحميل المزيد