نراهم ببشرتهم السوداء التي زاد شحوبها من قلة الطعام والنظافة، ونرى أيضًا السلاسل الحديدية تقيد أيديهم وأرجلهم وهم يسيرون في صف واحد إلى مصيرهم المحتوم؛ ويتحولون إلى سلعة يتداولها البشر ويتناقشون في أسعارها، وفي النهاية يتحول هذا الشخص أسود البشرة إلى عبد لدى السيد الأبيض، والأموال تذهب. تلك هي القصة عن العبيد. لكن السطور التالية نحكي قصة مختلفة تمامًا.

«لم نكن نأكل سوى الخبز والماء»

في النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي وصلت قوة القراصنة المتمركزين في سواحل شمال أفريقيا، حيث كانوا يستهدفون السفن البريطانية، ويسرقون السفن كاملة بما عليها من بشر، فيحتفظون بالغنائم لأنفسهم، ويبيعون البحارة بيض البشرة للأسياد ذوي البشرة الأغمق في طرابلس، وتونس، والمغرب، أما نصيب الأسد من هؤلاء العبيد فكان يذهب إلى الجزائر.

ولم يكن العبيد البيض من البحارة فقط، بل كان الصيادون والقرويون الساحليون يقعون أحيانًا في قبضة هؤلاء القراصنة، الذين لم يكتفوا بمهاجمة السفن، بل كانوا يتسللون ليلًا إلى المستوطنات الساحلية، مستهدفين الشواطئ التي لا تتمتع بحراسة كافية، ويخطفون سكان القرى ويهربون قبل أن يكتشفهم أحد.

لوحة تجسد طفل أوروبي يباع عبدًا في أفريقيا – مصدر الصورة موقع «drsales»

وتعتبر قرية بالتيمور في أيرلندا التي هُجم عليها في العام 1631 أكبر مثالًا على ذلك، كما ذكر صموئيل بيبس أحد مسئولي البحرية البريطانية في مذكراته، حينما حكى عن لقائه برجلين – الكابتن موتهام والسيد دويس – كانا ضمن العبيد البيض بالجزائر في تلك الفترة الزمنية، واللذان حكيا له عن المعاناة التي تعرض لها العبيد هُناك موضحين له: «لم نكن نأكل سوى الخبز والماء».

تعرض المؤرخون كثيرًا في كتاباتهم إلى ما تعرض له الأوروبيون من استعباد في تلك الفترة، ولكن المؤرخ الأمريكي روبرت ديفيس في كتابه «White Slavery in the Mediterranean»، والذي نُشر في العام 2004؛ أعاد إلقاء الضوء على تلك القضية، محاولًا حصر أرقام العبيد البيض الذين خطفهم القراصنة وباعوهم في أفريقيا، والتي قدرها بما يقرب من مليون ونصف المليون أوروبي.

ولكن أستاذ التاريخ الاقتصادي بجامعة إدنبرة  إيان بلانشارد لم يوافقه مصرحًا أن «تلك الأرقام نتجت عن إحصاءات غير حقيقية»، ولكنه رغم ذلك يرى أن أعداد العبيد البيض الذين شحنهم القراصنة إلى أفريقيا كان كبيرًا جدًا؛ وإن كان يُصعب علينا تحديد الرقم بالتفصيل. البعض رجح أن الزيادة الملحوظة في تقدير أعداد العبيد البيض والتي ذكرت في كتاب ديفيس كانت بغرض إظهار الأوروبيين في صورة الضحية بدلًا عن صورة المستعمر «الشرير» معظم الوقت.

من جانبه لم ينكر روبرت ديفيس في كتابه أنه لا يوجد سجلات عن عدد الرجال والنساء والأطفال البيض الذين استعبدوا في أفريقيا، ولكنه يرى أنه من الممكن حساب عدد الأسرى عن طريق حساب ما  كان يحتاجه السكان في تلك المنطقة من عبيد سنويًا. خاصة وإن أخذنا في الاعتبار العبيد الذي يموتون أو يدخلون في الإسلام، ويصبح سيدهم في حاجة لاستبدالهم.

وقدر روبرت الرقم السنوي الذي احتاجته أفريقيا من عبيد بيض بما يقرب من 850 ألف أسير، وخلال 250 عامًا من استعباد البيض؛ يمكن بسهولة شديدة – يؤكد ربورت – الوصول إلى رقم مليون ونصف؛ ولكن حتى الآن لازال هذا الرقم نابعًا عن قناعاته واستنتاجاته الشخصية دون تأكيدات تاريخية موثقة.

مكبلين بالسلاسل محرومون من الانتحار.. رحلة العبيد الأفارقة فوق سفن التجار

«دون كيشوت» عبدًا في الجزائر

كان ألونسو كيخانو صاحب مزرعة ميسور الحال، وليس في حاجة للعمل لدى أي شخص آخر؛ فاختار قضاء وقته في القراءة، ولفت انتباهه قصص الفرسان بالعصور الوسطى، حينما كانوا يقتلون الأشرار وينقذون الأميرات، وراوده حلم أن يكون فارسًا مثلهم؛ فارتدى ملابسهم وأطلق على نفسه «دون كيشوت». وامتطى حصانه متجولًا باحثًا عن مغامرة أو تنين شرير ليقتله، فلم يجد تلك المخلوقات الأسطورية على أرض الواقع؛ فبدأ في محاربة طواحين الهواء متخيلًا إياها إحدى الوحوش الأسطورية؛ حتى يمل في النهاية، ويموت بالحمى في فراشه.

تلك رواية «دون كيشوت» التي كتبها الإسباني ميجيل دي سيرفانتس بعد مغامرة حقيقية لم تكن من وحي خياله، تلك المغامرة التي وصفتها عالمة الآثار فيونا ماكدونالد بأنها «مغامرة صنعت منه الرجل الذي استطاع كتابة واحدة من أعظم الروايات في التاريخ»، وقد كان هذا بعدما أسره القراصنة ونقلوه إلى الجزائر حيث ظل عبدًا مدة خمسة أعوام؛ حتى دُفعت فديته وعاد إلى وطنه.

تلك الفترة التي عاشها ميجيل عبدًا في الجزائر لم تُمح من خياله، وهو ما حاول تجسيده في مسرحيته «Life in Algiers»، وحتى أعماله التي لم يذكر فيها صراحة تلك التجربة الأليمة، كان صداها من الألم موجود في جميع أعماله المسرحية والأدبية.

وقد وصف المؤرخ الثقافي الإسباني أميريكو كاسترو فترة العبودية التي عاشها سيرفانتس بكونها «الحدث الأكثر تأثيرًا في سمو روحه» وأنها كانت نقطة التحول التي شكلت شخصية الكاتب كليًا، مؤكدًا أن استعباد الكاتب وسع نطاق رؤيته للحياة ودفعه إلى النظر إلى إسبانيا وأفريقيا والمقارنة بينهما اجتماعيًا وسياسيًا، كما أن العلاقات الشخصية التي جمعته بالمسلمين ولقائه بالديانات والثقافات المختلفة في هذه المدينة التي كانت ترحب بالقراصنة من كل صوب وتسمح لهم بنشاطاتهم في البحر، أتاحت له الفرصة للنظر إلى هذه القضايا من منظور فريد.

حينما تقرأ عن تاريخ العبيد البيض في أي ثقافة أجنبية، ستجد هؤلاء القراصنة موصوفين باسم «البربر»؛ حتى في كتب المؤرخين الأكاديميين، والبربري هو مصطلح كان يستخدمه الأوروبيون خلال الإمبراطوريتين الرومانية واليونانية لوصف سكان المناطق الساحلية في شمال أفريقيا، فبالنسبة لهم كان من يتحدثون لغة غير لغتهم هم برابرة، ومن لا ينتمون إلى الحضارات اليونانية أو الرومانية أو المسيحية بشكل عام فهم برابرة أيضًا.

خريطة لتلك  المنطقة تعود للقرن السابع عشر رسمها رسام الخرائط الهولندي يان جانسونسيوس مصدر الصورة موقع «warhistoryonline»

وعلى سبيل الخطأ كان يطلق بعض الأوروبيين على هؤلاء القراصنة لقب «ترك»، ولفترة طويلة لم يستطع الغريبين التفرقة بين التركي والعثماني والبربري- وفقًا لوصفهم-  والعربي. وهذا الاضطراب المعرفي بالأجناس لدى الغربيين جعلهم يطلقون على أقاليم شمال أفريقيا منذ القرن السابع الميلادي على خرائطهم اسم «ساحل البربر».

أمريكا تنهي الأمر للأبد

إذا أردت لسفنك التجارية أن تمر بسلام في المنطقة البحرية التي يسيطر عليها القراصنة في ذاك الوقت؛ كان عليك دفع الجزية التي فرضوها على الدول الأوروبية، وهو الأمر الذي كان يسير على ما يرام؛ حتى واجه القراصنة عدوًا جديد في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، حينما قررت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة الرئيس توماس جيفرسون التوقف عن دفع تلك الجزية؛ لتشتعل حرب بين البحرية الأمريكية والتي كانت في مهدها بذلك الوقت، وبين القراصنة الأفريقين.

في بداية الحرب رجحت كفة أمريكا بعدما استعرضت البحرية الأمريكية قوتها في البحر واستطاعت القبض على بعض من سفن القراصنة وكان النجاح حليفهم؛ حتى انقلبت عليهم الطبيعة عليهم، وتسببت في خسارتهم حينما تسبب المد في تدمير إحدى السفن الأمريكية في ميناء طرابلس؛ حيث أُسر القبطان الأمريكي وطاقمه.

لوحة تجسد الحرب بين البحرية الأمريكية والقراصنة. مصدر الصورة موقع «.politifact»

الاستيلاء على السفينة الأمريكية كان نصرًا للقراصنة، ولكنه أيضًا كان نصرًا قصير الأجل، حينما تمكن تمكن الملازم ستيفن ديكاتور من البحرية الأمريكية من القيام بخدعة من شأنها استعادة الأسرى الأمريكيين فتحول إلى بطل قومي في أمريكا وترقى إلى رتبة نقيب، وانتهت الحرب الأولى بين أمريكا والقراصنة بفوز أمريكا ونجاحها في تعيين حاكم جديد لطرابلس أو ليبيا حاليًا.

ولكن بعد هذا الانتصار بما يزيد عن 10 سنوات، حاول بعض القراصنة شن حرب أخرى ضد أمريكا بمساعدة الجزائر، ولكن تلك الحرب أيضًا انتهت لصالح أمريكا؛ وكان هذا في عام 1815 حينما انتهى عصر القراصنة الأفريقيين وانتهى معه عصر العبيد البيض.

بعضها تعلّمتها من البشر.. هل سمعت من قبل عن العنصرية في عالم الحيوان؟

المصادر

تحميل المزيد