خلال شهر مارس (آذار) الماضي، بدأ وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، رحلته المكوكية للشرق الأوسط، حيث قصد زيارة ست دول من المنطقة، ووقع أثناءها عدة اتفاقات إستراتيجية. أثارت الزيارة العديد من التساؤلات حول أسبابها، وما الذي يربط الصين بهذه الدول؟ وما هو واقع التحركات الصينية في المنطقة؟ وهذا ما سيحاول هذا التقرير عرضه، قارئًا تاريخ العلاقة ومحدداتها، وواضعًا هذه التحركات الأخيرة ضمن إطارها الكبير.

نظرة تاريخية سريعة إلى علاقة الصين بالشرق الأوسط

منذ تأسيس الجمهورية الشعبية الصينية عام 1949، لم تحظ الصين بعلاقات حقيقية مع الشرق الأوسط. واقتصرت على بعض الاعترافات الدبلوماسية من الدول العربية، وقد كانت مصر وسوريا أول دولتين تعترفان بها في المنطقة عام 1956. وبعدما حصلت الصين على مقعدها في مجلس الأمن عام 1970، توافدت الاعترافات شيئًا فشيئًا.

كان الحزب الشيوعي الصيني، منهمكًا بشؤونه الداخلية، لتثبيت حكمه وتأسيس مشروعه الذي نرى ثمراته اليوم. ولم تبدأ الصلات الفعلية مع الشرق الأوسط إلا عام 1980، عندما بدأ الرئيس الصيني، دينج شياو بينج، سياسة التحديث والانفتاح الاقتصادي، وسياسة «البناء الصامت» التي تبعد الصين عن أي مواجهة خارجية، قبل دينج كانت الأيديولوجيا تأخذ حيزًا كبيرًا في فتح العلاقات مع الدول الأخرى. وبشكل عام، أخذت العلاقات مع المنطقة الطابع التجاري والاقتصادي، خاصةً في سوق الطاقة والنفط، وما زالت كذلك اليوم، إلى حدٍ كبير.

تستثمر الصين علاقاتها بشكل رئيسي مع العدوين اللدودين: السعودية وإيران. وتعود العلاقة بين الصين والسعودية إلى الثمانينيات، عندما حاولت السعودية عقد صفقة سلاح ثانية مع إدارة الرئيس الأمريكي، رونالد ريجان، ولكن إدارته لم ترغب بذلك.

حينها توجهت أنظار السعوديين إلى بكين، وفتح السفير السعودي، بندر بن سلطان، خطًّا مع السفير الصيني بواشنطن، هان شو، واستطاع إتمام صفقة صواريخ باليستية سرية مع الصين، علمت بها أمريكا لاحقًا وأثارت انزعاجها. ولكنَّ أساس العلاقة مع السعودية، يتمحور حول استيراد النفط، فاليوم تعد السعودية من أكبر مصدري النفط للصين، بنسبة 16.8% من وارادتها النفطية.

دولي

منذ 6 شهور
لماذا سيعيش العالم قرنًا آخر من الهيمنة الأمريكية؟

عقدت الصين مع السعودية «شراكة إستراتيجية» عام 1999، وبعدها بعام عقدت الشراكة ذاتها مع غريمتها، الجمهورية الإسلامية الإيرانية. أحدثت الثورة الإسلامية تغيرًا كبيرًا في العلاقات الثنائية بين الصين وإيران، فبعد أن كانت طهران في المخيم الغربي تحت قيادة الشاه، صبت الثورة تركيز طهران على الشرق الأوسط، وكان آية الله الخميني حينها متوجسًا من الصينيين، ولكنَّ العزلة التي عاشتها إيران بعد الثورة، أجبرتها على تطوير العلاقة مع الصين، خاصةً بعد اندلاع الحرب الإيرانية العراقية، حيث كانت بكين القوة الكبيرة الوحيدة المستعدة لبيع السلاح لطهران.

إبان الحرب تطورت العلاقات التجارية والاقتصادية والعسكرية بين البلدين، فقد قدمت دعمها للبرنامج النووي الإيراني عام 1997. وتستورد اليوم الصين النفط الإيراني بنسبة 3% من احتياجها. وفي ملف أمن الطاقة، تعتمد الصين سياسة تنويع وارداتها النفطية، وتستورد اليوم من ست دول مختلفة. بالإضافة إلى هاتين الدولتين، لدى الصين علاقات مميزة مع إسرائيل، وتبادل تجاري في قطاعات الزراعة والتكنولوجيا. ورغم هذه العلاقة، ما زالت تتمتع الصين بعلاقة تاريخية مع السلطة الفلسطينية.

كيف نقرأ التحركات الأخيرة للصين في الشرق الأوسط؟

بعد إعلان وزير الخارجية الصيني، وانج يي، رحلته المكوكية للشرق الأوسط، حدد الوزير ست وجهات: السعودية، وتركيا، وإيران، والإمارات، وعُمان، والبحرين، وأثناء زيارته لطهران، وقعت الصين اتفاقية تعاون اقتصادي تصل مدتها إلى 25 عامًا، وتبلغ قيمتها 400 مليار دولار، وتضمن مبادرة الحزام والطريق ضمن الاتفاقية. شملت الاتفاقية بنودًا عديدة منها إنشاء مطارات، وبناء موانئ منها على شواطئ عُمان، وأحدها بقرب مضيق هرمز، حيث تقترب بذلك إلى المواقع الإستراتيجية للولايات المتحدة، وتأتي هذه الاتفاقية بعد مفاوضات مستمرة من عام 2016.

ستواجه الاتفاقية صعوبات مرتبطة بالعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران للامتثال والعودة إلى التفاوض من أجل الاتفاقية النووية الإيرانية، فهذه العقوبات ستحد من دخول الأموال، وستعوق مسارات الاستثمار. لا تضمن الاتفاقية تفاصيل، أو عقودًا خاصة، وإنَّما هي عبارة عن توجه، بعيد المدى، تستثمر فيه الصين علاقتها مع إيران، وفي الوقت نفسه ترسل رسالاتها إلى واشنطن، بأن يدها واصلة إلى المنطقة.

Embed from Getty Images

لقاء وزير الخارجية الصيني وانج يي مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف 

من الممكن أن تعزز هذه الاتفاقية تيار المحافظين داخل إيران الذي يدعو للتقرب أكثر إلى الشرق، وإذا ما أخذت الاتفاقية مجالًا أكبر، وأصبح اعتماد إيران على الصين أكبر، فهذا يعني على المدى البعيد أنَّ الحل لا يأتي دائمًا من واشنطن. يعتقد المحافظون في إيران، أنَّ التحالف الإستراتيجي مع الصين، قد ينقذهم من عزلتهم الدولية، ويعزز اقتصادهم، ويخفف عنهم وطأة العقوبات الاقتصادية، ولكنَّ المسألة ليست بهذه البساطة، فالصين في نهاية الأمر جزء من مجلس الأمن، والدول الخمس الكبرى «P5+1»، وبدورها في المجلس فإنَّها دعمت مسار المفاوضات الذي توصل إلى الاتفاقية النووية الإيرانية عام 2015.

وفيما يخص بقية المنطقة، فإن أحد التحركات التي اعتمدتها الصين في الشرق الأوسط بعد جائحة كورونا، هي دبلوماسية اللقاح، فقد استطاعت الصين تصدير لقاحها إلى العديد من دول المنطقة مثل الإمارات، والمغرب. وأثناء زيارته للإمارات؛ عبر وانج يي عن أنَّ الصين تريد العمل مع الإمارات لتسريع إنتاج اللقاح، بسعر ميسر. وتأتي هذه الدبلوماسية ضمن التوسع التجاري الكبير في المنطقة، وفي سياق العلاقات الحزبية، فقد عقد الحزب الشيوعي الصيني لقاءً مرئيًّا مع حركة مجتمع السلم الجزائري «إخوان الجزائر».

لقاء مرئي بين الحزب الشيوعي الصيني وحركة مجتمع السلم – مصدر الصورة: موقع حركة مجتمع السلم

يأتي هذا اللقاء ضمن إستراتيجية أكبر للحزب الشيوعي الصيني للانفتاح على النخب العربية، فيوجد المنتدى الصيني العربي للحوار السياسي، الذي يسعى لفتح خطوط حوارية مع النخب العربية. ويسعى الحزب الشيوعي الصيني لدعوة 200 قيادي من الدول العربية إلى الصين، وتأتي دبلوماسية الكمامات واللقاح في سياق تطوير العلاقة مع الأحزاب الأخرى. ويقدم الحزب الشيوعي برامج تدريبية للأحزاب الأخرى، وقد حققت مثل هذه البرامج نجاحًا مع القادة السياسيين في أفريقيا.

«التنين الحذر».. محددات إستراتيجية الصين في الشرق الأوسط

يذكر تقرير نشرته مؤسسة راند التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، أنَّ الصين لديها إستراتيجية تجاه الشرق الأوسط ولكنها غير معلنة، على عكس ما يصرح به المحللون بأنَّه لا يوجد أي إستراتيجية. ويسمي التقرير هذه الإستراتيجية «التنين الحذر»؛ فالصين لا تريد الوقوع في مستنقع الحروب الطائفية والأهلية للشرق الأوسط، وتكتفي بتطوير علاقاتها التجارية والاقتصادية. وتنجح حاليًا الصين في الموازنة بين علاقاتها في المنطقة، خاصةً بين السعودية وإيران.

إحدى المصالح للصين في الشرق الأوسط، الحفاظ على الأمن الداخلي والحدودي. وبحسب تقرير مؤسسة راند، فإنَّ أكبر مخاوف الصين بأن تصبح قضية الإيغور، قضية إسلامية عالمية مثل التي حدثت عام 1980 في الغزو السوفيتي في أفغانستان.

تعلم الصين تمامًا بأنَّ قضية المسلمين الإيغور تجلب استعطافًا كبيرًا في العالم الإسلامي، وبالتالي تحاول جاهدة بالضغط على الدول الإسلامية لإخراج تصريحات مؤيدة للدولة الصينية واحترام سيادتها، وذلك ما تفعله معظم دول المنطقة، وقد كانت الحكومة التركية استثناءً عندما استنكرت القمع الصيني للاحتجاجات في إقليم شينجيانج عام 2009.

ورغم العلاقات التجارية القوية بين الصين وتركيا، فإنَّ مسألة أقليات الإيغور التي تعيش في تركيا تبقى مصدر توتر بين الطرفين، فعند زيارة رئيس الخارجية، يانغ يي، إلى تركيا مؤخرًا، احتج مئات من مسلمي الإيغور على الزيارة في كلٍّ من إسطنبول وأنقرة.

Embed from Getty Images

احتجاجات الإيغور في تركيا على زيارة وزير الخارجية الصيني  

وبالأمس 6 أبريل (نيسان) 2021 استدعت الخارجية التركية السفير الصيني، بسبب منشور لحساب السفارة، ينتقد فيه زعيمة حزب الجيد، ميرال أكشنار، بسبب إحيائها لذكرى مذبحة «بارين» التي ارتكبها الجيش الصيني ضد الإيغور عام 1990. يمكن قراءة تحركات الصين في المنطقة قراءة لها علاقة بإستراتيجية أمريكا المحيطة والخانقة للصين، مما يجعل الأخيرة تفكر دائمًا بالخروج من هذا المأزق الجغرافي، واتباع إستراتيجية «الزحف غربًا».

يأتي مشروع طريق الحرير الذي ينطلق من إقليم «شينجيانج» إلى وسط آسيا ومن ثم الشرق الأوسط إلى أوروبا ضمن هذه الإستراتيجية. بالإضافة إلى مشروع طريق الحرير البحري، الذين ينطلق من الموانئ الصينية عبورًا بقناة السويس إلى أوروبا.

تحيط الولايات المتحدة الصين من جميع الاتجاهات، فلديها شبكة من التحالفات مع الدول المحيطة للصين مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند، والتي تحاول خنق الصين في محيطها الجغرافي والإستراتيجي، بالإضافة إلى النفوذ العسكري لأمريكا في المجال البحري للصين.

تخطو الصين خطوات بطيئة في مد نفوذها العالمي، وهي خطوات شديدة البرجماتية، خاصةً في منطقة مشتعلة مثل الشرق الأوسط، فاتخاذ مواقف سياسية في مثل هذه المنطقة، يعني الإضرار بمصالح الصين التجارية، وكل هذا سيتطلب إدارة حذرة، بالإضافة إلى ثقل واشنطن.

Embed from Getty Images

شعارات تضامن في هونج كونج مع تونس – يناير 2011 

يشعر القادة الصينيون بقلقٍ كبير من الربيع العربي حتى اللحظة، فقد رأوا آثاره عندما اندلعت ثورة الياسمين بنسختها الصينية في شوارع بكين، حيث تجمع الصينيون مطالبين بالديمقراطية، ورأوا مؤخرًا احتجاجات هونج كونج، فما الذي سيحدث في شوارع الصين إذا اندلعت موجةٌ أخرى من الربيع العربي في المنطقة؟ وما الذي سيبقي الحزب الشيوعي إذا اجتمع الشعب الصيني على كلمة سواء «الديمقراطية»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد