نسمع كثيرًا عبارة «شغَّل مخك» عندما نعجز عن حل مسألة، كنايةً عن الاعتقاد في قدرة العقل غير المحدودة على حل أية مشكلة، ولكن على عكس الشائع، تشيرُ أبحاث علمية حديثة إلى أن التوجيه الدائم باستخدام الدماغ قد لا يكون كافيًا، وأنَّ علينا إشراك أجسادنا، وعوامل خارجية، في عملية التفكير، للوصول للنتائج المرجوَّة.

«محدودية العقل والذاكرة».. ما لا تعرفه عن الدماغ

اعتقد الباحثون سابقًا أن العقل البشري هو آلة تفكير شاملة، وبالفعل تكشف الكثير من الأبحاث عن القدرات المذهلة للدماغ، والمهام المعقدة التي يمكن أن ينفذها بسرعة ومرونة وبلا جهد، ولعلَّ العقل البشري أحد عجائب الكون فعلًا، إلا أن قدراته تظلُّ محدودة، وهذا ما كشفته إحدى الأوراق البحثية، المنشورة عام 2010 للباحث نيسلون كوان بجامعة ميسوري الأمريكية.

ويحوى الدماغ 100 مليار خلية عصبية، وكلُّ خلية تنشط نحو 200 مرة في الثانية الواحدة، وكل خلية عصبية ترتبط بـ7 آلاف خلية عصبية أخرى، وهو ما يعني أن كل مرة تطلق فيها خلية عصبية إشارة تستقبلها نحو 7 آلاف خلية أخرى، وبذلك تتنقل المعلومات داخل الدماغ في كلِّ ثانية، ما يبرهنُ على قوة العقل البشري وتعقيده الذي لا نفهم الكثير عنه حتى الآن، فما هي حدوده؟

Embed from Getty Images

تأتي محدودية الدماغ الأولى في صعوبة جمع معلومات جديدة عند الحاجة لتركيز الانتباه الكامل، فمثلًا، نجد أنفسنا أثناء المحاضرات الدراسية مشتتي الانتباه بشكلٍ منهك، فالدماغ يتنقل بين الكثير من المعلومات المختلفة في الدقيقة الواحدة، ولذا نواجه صعوبة في التركيز في هذا المشهد.

وثانيًا تأتي الذاكرة، فبعد دراستك لمحاضرة جديدة، تحتاج لتخزين المعلومات التي حصَّلتها، وللإنسان نوعان أساسيان من الذاكرة: طويلة المدى وقصيرة المدى، وتتضمن الذاكرة القصيرة المعلومات التي تحتفظ بها في ذهنك لحين الحاجة لاستخدامها، مثلَ حاجتك لتذكر رقم هاتف لحين كتابته على ورقة.

أما الذاكرة الطويلة فهي أعقدُ بعض الشيء، مثل ذاكرة السيرة الذاتية، وأحداث الحياة التي تتذكرها، ومعرفتك الواعية بالحقائق، وتشملُ الذاكرة الضمنية، التي تتضمن الأشياء التي نستفيد منها ذهنيًّا دون الحاجة للتفكير الواعي بها، مثل ذاكرة قيادة السيارة.

علوم

منذ سنتين
«خلايا زمنية» في الدماغ البشري.. هل وجدنا علاجًا للزهايمر؟

وتعتمد الذاكرة على تكوين اتصالات عصبية جديدة، وهي قدرةٌ تضعفُ مع التقدم في العُمر؛ ولذا تضعف ذاكرتنا، وتكوين ذكريات طويلة المدى يحتاج للممارسة، أو الاستمرارية بالأحرى، للاحتفاظ بالمعلومات بالتوازي مع الأحداث المؤلمة ولحظات الفرح التي شكَّلت حياتنا، ونظرًا إلى محدودية الوقت المتاح لنا للتمرس في كل ما نرغب بتعلمه، يفرضُ هذا ويضع حدًّا طبيعيًّا بين العقل البشري للفرد والفهم الكامل للعالم.

ويتحايل بعض أبطال مسابقات الذاكرة على هذه العوائق بتوظيف بعض التقنيات، منها ربط المعلومات التي يريدون تذكرها بقصص، فكلما كانت المعلومة أكثر أهمية كنا أكثر قدرة على تذكرها، وقد أثبتت الدراسات أن الذكريات طويلة المدى تُصنع بخلق قصةٍ للمعلومات التي نريد أن نتذكرها؛ إذ تعطي القصة للمعلومة معنى.

العقل وحده لا يكفي.. عن التفكير خارج الرأس

تعوَّدنا على فكرة استخدام عقولنا لأقصى درجة ممكنة، مع افتراض أن العقل قادرٌ على حل أية مشكلة، ولكن يبدو أن هناك بديلًا، يصبح فيه العقل مجرد قائد أوركسترا، بإعادة تمرينه على لعب دور مختلف، عبر تجنيد مصادر أخرى لتعمل تحت قيادته، وهو ما يعرف بـ«التفكير خارج الدماغ»، والذي يعني تعلُّم طرق وتقنيات، لإشراك مصادر خارجية مع الدماغ في عملية التفكير، أهمها أجسادنا، فنحن عادةً ما نتعامل مع الجسد وكأنه منفصل عن عملية التفكير في الدماغ، وننسى في كثير من الأحيان أن الجسد قادر على مساعدتنا في التفكير بشكلٍ أفضل.

وتعكسُ حركة الجسد إحدى هذه الطرق، فحركاته التي قد تبدو تلقائيةً ومُباشرة، تكشف عن ذاكرة خاصة، نستخدمها بطريقة تلقائية للتحرك دون تفكير واعٍ، وهذا جزء من الذاكرة الضمنية، فالموسيقيون يحفظون حركات آلاتهم بأصابعهم، ولاعبو الكرة تعرف أجسادهم ما عليهم فعله لركل الكرة دون تفكير؛ إذ يزيد استعمال الجسم من التركيز والانتباه ويحفز الذاكرة لتعمل بشكل أدق، وينتج من التجربة فهمٌ أعمق للأمور.

أما الباحث إليوت هاتشينسون، فقد جادل في أبحاثه عام 1959 بأن الإبداع يتطلب مهارة بدنية، مشيرًا إلى أن الفكر وحده لا يمكن أي يخلق إبداعًا دون الارتباط بالمهارات الخاصة بحركة الجسد، مُلقيًا الضوء على عازفي البيانو والراقصين والفنانين التشيكليين والنحاتين؛ إذ لا يعد الإبداع بالنسبة إليهم مسألة عقلية فقط، بل إن المهارة الجسدية التي تعتمد على الذاكرة الضمنية تشكل ركنًا أساسيًّا في عملية الإبداع، قد تحدث فيما بعد بشكلٍ تلقائي، بلا تفكير، تمامًا مثل عملية قيادة السيارات.

Embed from Getty Images

ويمكن للمشاعر أيضًا أن تتدخل في عملية التفكير، فلا أحد منا يستطيع أن ينكر سطوة المشاعر، التي قد تتحكم في عملية الإدراك والسلوك والذاكرة كذلك، فعندما يتعلق الأمر بما نُحب، تكون قدرتنا على تذكر التفاصيل أعلى؛ إذ بإمكاننا دائمًا تجنيد مصادر خارجية إلى جانب العقل، لتعزيز قدرتنا على التعلم وإنجاز المهام الصعبة، بدءًا من كياننا ذاته، المكون من عقل وجسد ومشاعر، ووصولًا إلى طلب مساعدة الآخرين، عقولهم وتفكيرهم تحديدًا، وإشراكهم في عملية التفكير لمساعدتنا على الفهم بشكلٍ أعمق.

وتعد تلك الأساليب من تقنيات تحفيز الإبداع، فبمجرد الخروج من حيز العقل المحدود، نستكشف أفكارًا وطرقًا جديدة أكثر إبداعًا لا يمكن للعقل المُنفرد الوصول إليها، وكذلك يعد التفاعل مع اللآخرين طريقة فعالة لنقل المعلومات وتحفيز الدماغ والإبداع، وهنا يعمل التفاعل مع عقلٍ آخر على توليد الأفكار الجديدة والبراقة، فأنت بهذا الفعل البسيط تخطو خارج نطاق تجربتك الخاصة وتلتحم مع آخر ذي تجربة جديدة ومختلفة، وهو ما يعمل على تنشيط القدرات العقلية.

التغلب على محدودية العقل.. لهذا اخترع الإنسان الكتابة

اخترع الإنسان بمرور الزمن تقنيات للتعامل مع محدودية العقل، ولإعادة برمجته وتوسيع قدراته، فاختراع الكتابة في حد ذاته واحدٌ من هذه الأساليب التي استخدمها الإنسان لتقييد الذكريات بالرسم والكتابة، بدءًا من جدران الكهوف والمعابد القديمة إلى الكتابة الحديثة التي نعرفها اليوم، حتى تدوين المعلومات والملاحظات السريعة، تزيد من قدرة العقل على تذكر المعلومات وتحديد معنى لها، ولذا نجد للمعلومة المكتوبة قدرةً على الثبات في الذاكرة أكثر من المعلومات العابرة التي لم ندونها، والأمر نفسه مع الآلات الحاسبة التي تساعدنا على حساب العمليات الرياضية الأكثر تعقيدًا، وأصبحت أجهزة الكمبيوتر تمثل ذاكرة أخرى للفرد، يستطيع من خلالها حفظ بيانات العمليات المعقدة التي يعجز العقل عن الاحتفاظ بها داخل الذاكرة، ومن ثم وسعت تلك الأجهزة قدرة العقل لنصبح في النهاية أكثر ذكاءً، ومع عصر الإنترنت أصبح لدينا القدرة على الوصول للمعارف في أي وقتٍ نريد.

Embed from Getty Images

وفي العام الماضي، أعلن إيلون ماسك عن تكنولوجيا جديدة مثيرة للاهتمام، تدمج العقل البشري مع الذكاء الاصطناعي، الأمر أشبه ببناء عقل ثانٍ بجانب عقلك، وذلك بربط أدمغتنا بأجهزة الكمبيوتر، ومن ثم القدرة على الوصول للمعلومات التي نريد أسرع من أي وقتٍ مضى، حينها لن تحتاج للدراسة؛ إذ ستصبح المعلومات حاضرةً في الدماغ بمجرد التفكير بها، وهو أمرٌ لن يزيد فقط من قدرة الدماغ على التفكير، بل سيجعله ينافس الذكاء الاصطناعي.

وتعمل الشبكات الاجتماعية بوصفها عقولًا جماعية، لذا يمكنك التفكير في الإنسانية كلها وكأنها عقل كبير أو جهاز كمبيوتر عملاق، قد يصبح لدينا بالفعل في المستقبل طرق فعالة للتواصل معه، ومن ثم الوصول إلى المعرفة دون أي قيود.

وبحسب منحنى مضاعفة المعرفة، فإن المعرفة البشرية كانت تتضاعف حتى عام 1900 كل 400 سنة تقريبًا، هذا الرقم تغير بحلول الحرب العالمية الثانية؛ إذ أصبحت المعرفة البشرية تتضاعف كل 25 عامًا، واليوم يُعتقد أن المعرفة البشرية تتضاعف كل 12 ساعة، وذلك بحسب «IBM»، وهي شركة تكنولوجية أمريكية متعددة الجنسيات، وهو ما يعني أن قدرًا كبيرًا من المعرفة ينصبُّ في وعينا الجمعي.

علوم

منذ 5 سنوات
«نيورالينك».. خطة إيلون ماسك المذهلة لربط الدماغ البشري بالحواسيب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد