نحن الآن في يوم 4 مايو (أيار) من عام 1799، الدخان والدماء يسيطران على الأجواء في حصن «سريرانجاباتانا» جنوبي الهند، ويتقاسمُها معهم الحسرة والألم، في ساحة المعركة التي انتهت للتو، سقط على الأرض تيبو سلطان مضرجًا بدمائه، بينما كان يقاتل في معركته الأخيرة ومعقله الأخير، ليكون هذا الحدث خاتمةً لأكثر من ربع قرنٍ من حروبه المتواصلة ضد الاحتلال الإنجليزي الذي كان يكمل ابتلاعه لشبه القارة الهندية في تلك الأثناء.

فقد كانت هزيمة تيبو سلطان، «نمر إقليم ميسور» كما كان يُلقَّب، فاتحةً لعقودٍ من الاحتلال الإنجليزي لشبه القارة الهندية، والذي سيدوم لقرنٍ ونصف لاحقيْن. والآن نعودُ إلى جذور تلك اللحظة في هذا التقرير.

حروب ميسور.. «صراع العروش» على طريقة الإنجليز

منذ وفاة السلطان القوي أورنكزيب عام 1707، شهد القرن الثامن عشر الميلادي تدهور ثم تفكُّك دولة مغول الهند المسلمة، والتي حكمت شبه القارة الهندية لما يقارب ثلاثة قرون، وتمزقت أوصال الهند إلى العديد من الممالك والدويلات، والتي تلاعبت بها شركة الهند الشرقية الإنجليزية، ذات الأساطيل والجيوش، والتي كانت وسيلة إنجلترا لاقتطاع الهند وابتلاعها تدريجيًّا.

وفي إقليم «ميسور» جنوبي غرب شبه القارة الهندية، ويقع في الدولة الهندية الحديثة في ولاية كارناتاكا، ظهر حاكم عسكري مغامر هو حيدر علي، عام 1761، والذي فرض نفسه على الساحة بمعارضته للتوسع الإنجليزي في الهند، وبانتصاره الكبير ضد اتحاد الماراثا الهندي عام 1758، والذي كان من أبرز القوى السياسية والعسكرية في الهند في ذلك العصر، لذا فقد سيطر على مساحة معتبرة من وسط وجنوبي الهند، بعد انفصاله عن دولة مغول الهند في الربع الأول من القرن الثامن عشر الميلادي.

موقع إقليم ميسور على خارطة الهند

موقع إقليم ميسور على خارطة الهند

وتمكَّن حيدر علي خلال سنوات حكمه الأولى من توسيع مساحة سيطرته في الجزء الجنوبي من الهند، مما دفع شركة الهند الشرقية الإنجليزية للتدخل من أجل تحجيم هذا المنافس الخطير لنفوذها، فحرَّضت حلفاءها حكام «حيدر آباد» على إعلان الحرب ضد حيدر علي عام 1766، ليفتتح هذا الحدث 33 عامًا من الحرب في جنوب الهند، عُرفت بـ«حروب ميسور». 

بعد عاميْن من الحرب، تعرَّض حكام «حيدر آباد» للهزيمة، وتكبَّدوا خسائر عديدة، مما دفعهم للانسحاب من تلك الحرب بالوكالة ضد حيدر علي، لاسيَّما بعد أن أوفد إليهم حيدر علي ابنَه الشاب تيبو سلطان مًحمَّلا بالهدايا، وأظهر الأخير أداءً دبلوماسيًّا باهرًا، أسهم في خروج «حيدر آباد» ولو إلى حين من «لعبة العروش» التي تلعبها إنجلترا جنوبي الهند ضد عدوها اللدود ميسور.

لذا فقد اصطدم حيدر علي بالإنجليز وجهًا لوجه منذ عام 1768، ولم تنجح القوات الإنجليزية في إلحاق الهزيمة به، فأخذ نفوذه يتوسع إلى الشمال قليلًا، حتى هدَّد بانتزاع مدينة «مدراس» الحيوية على الساحل الجنوبي الشرقي للهند، والتي أغار عليها ابنه تيبو سلطان بفرسانه عام 1769، وكانت تلك المدينة الحيوية التي أسَّستها شركة الهند الشرقية قبل أكثر من قرن، تضم مقر الحكومة المحلية الإنجليزية.

وتمكَّن حيدر وابنه تيبو سلطان أيضًا من انتزاع حصنيْن عسكرييْن من الإنجليز بمناورة خطرة عندما هاجماها أثناء موسم الفيضانات الموسمية الغزيرة، والذي عادةً ما يتجنبه الأطراف المحاربة لصعوبة التضاريس والعقبات المناخية الخطرة.

اضطر الإنجليز نتيجة هذا الوضع العسكري الخطير والذي كان يُنذر بسقوط «مدراس»، إلى عقد اتفاقية لوقف إطلاق النار مع حيدر علي، عُرفت بمعاهدة مدراس 1769، والتي اعترفت فيها السلطات الإنجليزية بما سيطر عليه حيدر علي من أراضي «ميسور»، وتبادل الطرفان الأسرى، ونصَّت المعاهدة على ما يشبه التحالف بين الطرفيْن ضد أي عدوٍ يهاجم أيٍّ منهما، وهكذا انتهت الحرب الإنجليزية الميسورية الأولى.

في عام 1771، هاجمت قوات اتحاد الماراثا أراضي «ميسور» بأكثر من 30 ألف مقاتل، وأخلَّ الإنجليز باتفاقهم مع حيدر علي ولم يقدموا له مساعدةً تذكر، لكنه تمكن من صد الحملة، وأظهر ابنه تيبو سلطان آداء عسكريًّا جيدًا في تلك الحرب.

موقع مدينة مدراس في جنوبي شبه القارة الهندية

 ثم دخلت المنطقة في حالةٍ يمكن وصفها باللاحرب واللاسلم لبضع سنوات، استغلَّها كل طرف في إعداد العدة للمواجهة التالية القادمة لا محالة، ثم توتَّرت الأمور مجددًا منذ عام 1776، عندما اندلعت الثورة الأمريكية ضد الإنجليز، ودعمتها فرنسا نكاية في إنجلترا، ليقرر الإنجليز إخراج الفرنسيين تمامًا من الهند عقابًا لهم على تدخلهم في أمريكا الشمالية، وكانت الصداقة بين «ميسور» والفرنسيين قد توطَّدت تدريجيًّا خلال تلك الفترة، فأعلنت الحرب ضد إنجلترا عام 1780.

في الجزء الأول من الحرب حتى عام 1782م، كانت الكفَّة مائلة لصالح حيدر علي وحلفائه، وتمكن ابنه تيبو سلطان في سبتمبر (أيلول) 1780 من إلحاق هزيمة ساحقة بقواتٍ إنجليزية كان يقودها الكولونيل بيلي، إذ أسر 4 آلاف من القوات الإنجليزية وحلفائها المحليين، وقتل المئات، وعُدَّت تلك الهزيمة من أقسى الهزائم التي تلقتها إنجلترا في الهند، وكانت القوات الإنجليزية تعاني من اضطرابٍ شديد في تلك الأثناء، لكن لم يستغله حيدر في انتزاع «مدراس» أو غيرها من الأهداف الإنجليزية الحيوية.

 لكن في عام 1782، جلب الإنجليز تعزيزات عسكرية كبيرة من مدينة كلكتا الهندية فأعادوا الاتزان لموقعهم العسكري في الحرب، كما شهد شهر ديسمبر (كانون الأول) 1782، حدثًا جللًا، هو وفاة القائد حيدر علي، في خضم هذا الصدام العنيف مع القوة العسكرية الأولى في العالم آنذاك، وخلفه في حكم «ميسور» وقيادة جيوشها ابنه تيبو سلطان، والذي كان آنذاك في الثانية والثلاثين من عمره.

تيبو سلطان .. مقاتل الهند الأخير

وُلِدَ تيبو بن حيدر علي عام 1750، وكانت أمه تسمى «فاطمة فخر النساء»، وكان اسمه الأصلي فاتح علي، لكن غلب لقب تيبو عليه، تيمنًا بأحد الشيوخ البارزين والذي كان يحمل اسم تيبو، وكان الأمير الصغير في الثامنة من عمره عندما ارتقى والده حيدر عرش إقليم «ميسور».

ومنذ شبابه المبكر، ومع بروز قدراته الذهنية والعسكرية، أشركه والده في الحروب العديدة التي خاضها، وذلك حتى يتشرَّب منه فنون الحرب والقيادة بخبرةٍ عملية حقيقية من الميدان، كما وفَّر له والده العديد من المعلمين والمدربين المتقنين الذين أشرفوا على تعليمه الفقه الإسلامي والتاريخ والفنون القتالية، والعديد من اللغات، لاسيَّما الهندية والفارسية والعربية.

وكان حيدر علي يشتدًّ على ابنه تيبو في كل ما يتعلَّق بشؤون القيادة، ولا يقبل منه أية بادرة تراخي، مثلما وقع عام 1771 عندما تأخَّر تيبو بقواته عن موعده المتفق عليه مع والده، فعاقبه حيدر علي بضربه بشدة على مرأى ومسمع من الجميع.

كما جلب والده حيدر بعض المستشارين العسكريين الفرنسيين لتدريبه على فنون القتال والسيطرة، وكانت مشاركته العسكرية الأولى عام 1766 في إحدى معارك والده ضد خصومه المحليين، وأظهر فيها تيبو سلطان كفاءة كبيرة رغم سنه الصغير، فكافأه والده بأن وضع تحت إمرته 500 فارس، وأوكل إليه إدارة بعض المناطق الخاضعة لسلطانه.

«كان تيبو جنرالًا قادرًا، وإداريًّا فذًّا. ورغم كونه مسلمًا، فإنه تمكن من كسب ولاء مواطني دولته من الهندوس.. لكنه افتقد بعض حكمة أبيه حيدر علي»*الموسوعة البريطانية عن تيبو سلطان

ولعب تيبو سلطان دورًا كبيرًا في قيادة فرسان أبيه في حروبه ضد اتحاد الماراثا بين عاميْ 1775 و1779، ثم شارك في حرب «ميسور» الإنجليزية الثانية تحت إمرة أبيه، وكان من أبرز أعماله فيها إلحاق الهزيمة بجيشٍ إنجليزي مُجهَّز في معركةٍ وقعت على ضفاف نهر كوليدام في شهر فبراير (شباط) من عام 1782، واستفاد فيها تيبو سلطان من اشتراك بعض القوات والخبراء الفرنسيين إلى جانبه. 

واعتلى تيبو سلطان عرش «ميسور» في ديسمبر (كانون الأول) 1782 بعد وفاة أبيه مباشرة، وفي وقتٍ حرج من تلك الحرب الشرسة، والتي انتهت عام 1784 بتوقيع معاهدة «مانجالور»، والتي اعترف فيها الإنجليز بتيبو سلطانًا على «ميسور»، وأطلق تيبو سلطان سراح المئات من الأسرى الإنجليز وحلفائهم الهنود.

ولكن ما كاد تيبو سلطان يلتقط الأنفاس بعد المعركة الطويلة مع القوات الإنجليزية، حتى اندلعت الحرب في العام التالي 1785 بينه وبين قوات الماراثا المتحالفة مع قوات نظام حيدر آباد، ولم تكن لتلك الحرب نتائج حاسمة جوهرية، وفي تلك الأثناء كانت القوات الإنجليزية تعد العدة وتراجع الأخطاء العسكرية والتكتيكية التي تسبَّبت في الهزائم المتكررة أمام قوات «ميسور» في الحربيْن الأولييْن.

Embed from Getty Images

تيبو سلطان

ورغم تركيز تيبو سلطان على الأمور الحربية والاستعدادات العسكرية، فإنه اهتمَّ أيضًا بإصلاح الطرق والنقود، كما كان مهووسًا بالعلوم وبالرياضيات، وبالاختراعات الجديدة مثل صاروخ ميسور، والذي كان قذيفة ذات دويٍّ مخيف، مداها يبلغ كيلومتريْن اثنيْن، وكانت تبث الرعب في قلوب خصومه في الحرب.

وفي عام 1789، هاجمت قوات تيبو سلطان منطقة «ترافانكور»، والتي كان حاكمها حليفًا للإنجليز، فكان هذا الحدث شرارة الحرب الميسورية الإنجليزية الثالثة، والتي كان توقيتها سيئًا بالنسبة لنمر ميسور، فقد اندلعت الثورة الفرنسية الشهيرة في ذلك العام، ومن ثم لم يحصل تيبو سلطان على دعمٍ فرنسي ضد الإنجليز، والذين حشدوا حلفاءهم المحليين وعلى رأسهم اتحاد الماراثا من أجل إلحاق هزيمةٍ ساحقة بتيبو سلطان. 

وكان قائد القوات الإنجليزية آنذاك هو جنرال ماهر من الذين شاركوا في الحرب الأمريكية 1776-1783، هو اللورد كورن واليس، والذي أحدث نقلةً نوعية عسكرية وخططية في القوات الإنجليزية، آتت ثمارها، فرغم صمود قوات تيبو سلطان في العاميْن الأوليْن، فإن الهزائم تلاحقت على الميسوريين حتى فقدوا نصف أراضيهم، وحوصِر تيبو في معقله حصن «سريرانجاباتانا»، واضطر عام 1793 إلى توقيع «معاهدة سرينجاباتام» المذلة، والتي اعترف فيها بما فقده من الأرض، وأجبره الإنجليز على تسليم ولديه الصغيرين رهائن لحين دفعه الغرامة الحربية، والتي دفعها واستنقذ الصغيريْن.

الحرب الرابعة ضد الإنجليز.. مشهد النهاية

خلال الأعوام الخمسة التالية، حاول تيبو سلطان إعادة تجهيز قواته للانتقام من الهزيمة التي لحقت به، وفي تلك الأثناء، احتلَّ القائد الفرنسي الشهير نابليون بونابرت مصرَ عام 1798، في الحملة الفرنسية المشهورة، والتي كان من أبرز أهدافها لنابليون استغلال موقف مصر الوسيط من أجل توجيه حملةٍ عسكرية قوية لانتزاع الهند من إنجلترا ليحرم عدوَّه اللدود من ثروات الهند البشرية والمادية الهائلة.

Embed from Getty Images

حصار القوات الإنجليزية لتيبو سلطان في معقله

وأرسل نابليون إلى تيبو سلطان بصفته الخصم الأبرز لإنجلترا في الهند، من أجل التحالف بين الطرفين، لكن لم يُتَح الوقت الكافي أمام تلك الاتصالات لتتبلور إلى تحالف ملموس على الأرض، إذ قطع الإنجليز الطريق عليها بإعلانهم الحرب ضد ميسور عام 1798.

إذ حشد الإنجليز وحلفاؤهم أكثر من 50 ألف مقاتلٍ من أفضل قواتهم، مزودين بمدفعيةٍ متقدمة، وفرضوا حصارًا مشددًا على معقل تيبو سلطان في «سريرانجاباتانا» وحاول تيبو سلطان التفاوض مع القائد الإنجليزي ويليسلي، لكنه رفض بشدة، وطلب من تيبو الاستسلام التام غير المشروط، فقرَّر تيبو الحرب حتى آخر رمق، وشنَّ بعض الهجمات المضادة القوية ضد القوات الإنجليزية، وكبَّدها بعض الخسائر، لكنه رغم الصمود عامًا كاملًا حتى ربيع 1799، فإنَّه عجز عن إلحاق الهزيمة بخصومه، لأن ما بحوزته من قواتٍ كان لا يزيد على 30 ألف مقاتل، وكانت تجهيزاته العسكرية أقل من نظرائهم من الإنجليز وحلفائهم.

دولي

منذ 7 شهور
في مرمى الكراهية.. هل التراث الإسلامي في الهند مُهدَّد بالهدم؟

وتشير بعض المصادر السنية إلى خيانة أحد الأمراء الشيعة، واسمه المير صادق، للسلطان تيبو، وأنَّ هذا كان من بين أسباب نجاح القوات الإنجليزية في هزيمته واجتياح آخر معاقله، وجديرٌ بالذكر أنه في عام 1997 أُنتج مسلسل هندي يحمل اسم السلطان تيبو، ويتناول قصة حياته، ومقاومته الفريدة للاحتلال الإنجليزي.

وعلى مدار أكثر من قرنيْن على استشهاد تيبو سلطان، كان يُنظر إليه بشكلٍ واسع بين الهنود على اختلاف أديانهم على أنَّه مناضل عظيم، وشهيد في سبيل الحرية ضد الاحتلال الإنجليزي، لكن في السنوات الأخيرة، مع تفاقم موجة التعصب الديني بين الهندوس ضد المسلمين في الهند، أصبح اليمين الهندوسي المتطرف يستنكر ترميز تيبو سلطان، ووصمه بأنه كان «إرهابيًّا مسلمًا يضطهد الهندوس».

ونظمت بعض الحركات اليمينية مظاهرة عام 2015 في مدينة مومباي الهندية احتجاجًا على إطلاق اسم تيبو سلطان على أحد المجمَّعات الرياضية بها، كما أرادت إحدى الولايات الهندية عام 2020 إسقاط الحديث عن تيبو سلطان من مناهج تدريس التاريخ، لكنها ما لبثت أن علَّقت قرارها بعد موجةٍ واسعة من الاعتراضات، ويبدو من تصاعد الشعبوية الهندوسية أن تلك الصراعات على الهوية التي تشمل التنازع حول الرموز التاريخية الهندية، لاسيِّما المسلمة، ستتصاعد في السنوات القادمة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد