بعد مرور شهرين على مقتل الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، ترفض إسرائيل الاعتراف بمسؤوليتها عن حادثة الاغتيال، وما إنكارها إلا جزء من محاولة حكومة الفصل العنصري للقضاء على الوجود الفلسطينيين الفعلي. وهذا ما سلَّط عليه كزافييه جينارد وكولين باورز، الباحثان في مركز «نوريا ريسيرش» للأبحاث، الضوء في مقالهما المنشور في مجلة «جاكوبين»؛ صوت اليسار الأمريكي.

في مستهل مقالهما يشير الباحثان إلى أنه لم تكد الصور الأولى لمقتل شيرين تنتشر في صباح 11 مايو (أيار)، حتى سارعت القيادة الإسرائيلية إلى تحميل «مسلَّحين فلسطينيين» مجهولين مسؤولية مقتلها. وكررت السلطات الإسرائيلية وعدد من كبار مسؤوليها الحديث نفسه بتطابق ملحوظ، مستندين إلى فيديو صُوِّر في جزء من جنين بعيدًا عن الموقع الذي كانت تقف فيه شيرين. وزعم الإسرائيليون أن شيرين كانت محاصرة وسط تبادلٍ لإطلاق النيران بين أفراد من الجيش الإسرائيلي ومسلَّحين فلسطينيين، وادَّعوا أنها قُتلِت بهذه الصورة المأساوية بعدما أصابتها رصاصة في رأسها أطلقها متهور من بني جلدتها.

مواقع صديقة

منذ 7 شهور
النص الكامل لتحقيق «نيويورك تايمز» حول اغتيال شيرين أبو عاقلة

لكن هذه التصريحات صدرت في الواقع لتعقيد الأمر بشأن الحقيقة التي عرفتها القيادة الإسرائيلية بالفعل وللتشكيك في شهادة الشهود من زملاء شيرين. وبالتعارض مع الرواية الرسمية، شهد جميع الموجودين أنه لم يكن هناك تبادل لإطلاق النار بين مسلَّحين فلسطينيين وإسرائيليين عندما قتلت شيرين، بل ذكروا أنه كان هناك هدوء نسبي في اللحظات التي سبقت قنص شيرين، وحينئذ لم يكن موجودًا سوى القناصة الإسرائيليين على بعد 200 متر.

خداع السلطات الإسرائيلية

يوضح الكاتبان أن الحملة العامة الساخرة التي أطلقتها إسرائيل أثبتت فعاليتها للأسف، على الرغم من فضح مزاعمهم سريعًا. وقد كشف تحقيق استخباراتي أجرته منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية غير الحكومية، بعد لحظات من نزول رئيس الوزراء نفتالي بينيت من على المنصة (تعليقًا على الحادثة)، أن هناك مقطع فيديو يثبت أن روايته الرسمية مجرد كذبة. وبعد ذلك أيَّد تسريب لتحقيق إسرائيلي داخلي شهادة الشهود بأن الرصاصة التي قتلت شيرين خرجت من بندقية جندي إسرائيلي.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من ذلك لا يزال خداع السلطات الإسرائيلية قائمًا، وعندما نشرت هيئة تحرير «نيويورك تايمز» مقالًا تتساءل فيه: «مَنْ قتل شيرين أبو عاقلة؟»، وهو ما أضفى مصداقية على شعور الغموض الذي سعَت إسرائيل إلى ترسيخه حول مقتلها، دفع ذلك قرَّاء الصحيفة إلى اعتبار مقتل شيرين مأساة مجهولة جديدة مبنية على القيل والقال. وقد اعترف الجيش الإسرائيلي ضمنيًّا بذنبه عن جريمة القتل وفقًا لتصريحات ران كوخاف، المتحدث باسمه، التي أدلى بها للإذاعة الإسرائيلية، قائلًا: إن «شيرين لم تكن بريئة، ولكنها شخص «مسلَّح بكاميرات»، وهو ما يُعد تهديدًا للصحافيين حول العالم، وفضحًا لعبثية ما نشرته هيئة تحرير «نيويورك تايمز». 

ويؤكد الكاتبان أن الشيء الوحيد الذي لم يتحدد بعد في هذه المرحلة هو: هل سيشهد الداخل الأمريكي أي إجراءات فيما يتعلق بالمشاهد المروعة التي شُوهدت في جنازة شيرين. وفي 13 مايو وثَّقت الكاميرات اعتداء شرطة إسرائيل بوحشية على المعزِّين، وحاملي النعش، أثناء محاولتهم السير في الطريق من كنيسة القديس يوسف إلى قبرها في مقبرة جبل صهيون. وكانت الصُور، التي بُثت في كل وسائل الإعلام الدولية، «فاضحة» بدرجة كافية حتى أن الدبلوماسيين الغربيين، الذين اعتادوا غض الطرف، لم يتمكنوا من إغفال ما حدث.

من أجل بقاء الاستعمار

يُنوِّه كاتبا المقال إلى أن تصرفات السلطات الإسرائيلية بعد مقتل شيرين كشفت الطريقة التي تسعى من خلالها حاليًا إلى تمييع القضية الفلسطينية. وتستند استراتيجيتهم على ثلاثة مبادئ: أولًا: إفلات المشاركين في جرائم نظام الفصل العنصري الإسرائيلي والجهات الأمنية تمامًا من العقاب، ثانيًا: وضع الفلسطينيين، بغض النظر أين يقيمون، حتى هؤلاء الموجودين في الأراضي المحتلة، خارج نطاق القانون وفي حالة خطر دائم، ثالثًا: عرقلة أي محاولة لإخضاع السيادة الحاكمة لأنظمة عدالة خارجية أو داخلية.

حقوق إنسان

منذ 7 شهور
«جاكوبين»: هكذا تغطي أمريكا على اغتيال إسرائيل للصحافية شيرين أبو عاقلة

بيد أن المبدأ الثالث مهدد إزاء احتمالات عقد جلسة استماع في المحكمة الجنائية الدولية. ومع أن إسرائيل ليست من الدول الموقِّعة على قانون روما الأساسي، قررت المحكمة أن الأراضي الفلسطينية تقع تحت سلطتها القضائية. وبناءً على هذا القرار، تمكنت المحكمة فعليًّا من الشروع في تحقيق في مارس (آذار) 2021 في جرائم يُحتمل ارتكابها على الأراضي الفلسطينية منذ 13 يونيو (حزيران) 2014. وفي 27 مايو أضافت بعض شركات المحاماة الدولية اسم شيرين في شكوى قانونية سبق رفعها للمحكمة نيابةً عن صحافيين استهدفهم الجيش الإسرائيلي.

ويضيف الباحثان: بقي أن نرى ما الذي ستسفر عنه هذه القضايا. ومن المؤكد أن الولايات المتحدة وأوروبا ستضطلعان بدور أساسي في ذلك. ولطالما كانت حكومات الدول المعنية متواطئة في مؤامرات إسرائيل لإبقاء فلسطين وشعبها خارج المحافل الدولية. وبعدما عدَّت هذه الدول أن أي محاولة لتحقيق العدالة أو التحرر الوطني خارج المفاوضات الثنائية لن تفضي إلى سلام، فإنهم يظهرون سعي الضحايا للحصول على الحماية والدعم من مصادر خارجية على أنه عمل تخريبي. وبالفعل، علَّقت بريطانيا دعمها لمذكرة «وحدة دعم المفاوضات الفلسطينية» في عام 2012 بعد أن بدأت السلطة الفلسطينية عملية الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية. وقدَّم دبلوماسيون من دول أوروبية أخرى توصيات مماثلة، وشجبت واشنطن أية محاولة فلسطينية لاستئناف الوساطة المتعددة الأطراف.

وبذلك باركَ الغرب الازدواجية المنحرفة الآتية: يمكن لجندي إسرائيلي كقاتل شيرين، إذا ثبتت إدانته من جانب هيئات الرقابة العسكرية، أن يتوقع في أسوأ السيناريوهات أن يظل لبضعة أيام في خدمة المجتمع. وفي الوقت نفسه يمكن لأي فلسطيني من الأراضي المحتلة، بمن فيهم الأطفال، إذا قُدِّم إلى محاكم عسكرية إسرائيلية لأسباب واهية، أن يظل في الحجز مدة طويلة دون تهمة، ومن المحتمل أن يتعرض للتعذيب.

استهداف مَنْ قد يتكلم

يلفت الكاتبان إلى أن مقتل شيرين لم يكن حدثًا فرديًّا، بل كان الأحدث في سلسلة طويلة من الجرائم الإسرائيلية التي تُرتكب ضد صحافيين فلسطينيين ودوليين. وقبل ما يقرب من عام، استهدف الجيش الإسرائيلي مكاتب وكالة «أسوشيتد برس» وقناة «الجزيرة» في غزة ودمرها من خلال هجوم بقذيفة صاروخية، وتمكن موظفو المؤسستين الإخباريتين من الفرار في الوقت المناسب، لكنهم فقدوا جميع معداتهم وممتلكاتهم.

Embed from Getty Images

ووفقًا لاتحاد الصحافيين الفلسطينيين و«مراسلون بلا حدود»، قتلت إسرائيل منذ عام 1967 حوالي 86 صحافيًّا فلسطينيًّا، 35 منهم منذ عام 2001. وعلى مدار ثلاثة عقود دأبت قوات الأمن الإسرائيلية على ملاحقة الصحافيين الفلسطينيين ومعاملتهم بوحشية وترهيب، وكانوا يصادرون أجهزة الصحافيين تعسفيًّا أو يُتلِفونها. وحتى المراسلين الأجانب ليسوا بمنأى عن إيذاء القوات الإسرائيلية؛ إذ يرون إمكانية الوصول محدودة والقدرة على تنفيذ مهامهم مقيدة بسبب التهديد بسحب التأشيرة.

ويشير المقال إلى أن حياة النشطاء، والمثقفين، والباحثين، والنقابيين، والفنانين الفلسطينيين، الذين يجرءون على التحدث علنًا للرأي العام، يلقون المصير نفسه، بالإضافة إلى حقيقة أنهم يتعين عليهم أن يتعاملوا مع سلطة فلسطينية تكاد تكون مطابقة لإسرائيل عندما يتعلق الأمر بقمع هؤلاء الذين يضغطون من أجل وقف التعاون الأمني ​​الإسرائيلي الفلسطيني، وتجديد الدماء في الهيئات الفلسطينية المنتخبة، ويظهر ذلك وضعهم الذي أصبح أقرب إلى المستحيل.

النكبة مستمرة

تاريخيًّا تشير النكبة إلى الفترة الممتدة من 1947 حتى 1949، وهي التي أُجبِر فيها 750 ألف فلسطيني على النزوح، وأُخليت 418 قرية فلسطينية من سكانها، إما بعد تخصيصها لإسرائيل ضمن خطوط التقسيم الأصلية التي وضعتها الأمم المتحدة، أو بعد غزو جيوش لإسرائيل لها. ودُمِّرت 380 قرية من تلك القرى جزئيًّا أو كليًّا دون أي قتال من أجل منع عودة سكانها الأصليين إليها.

ويؤكد الكاتبان أن المحو المتعمد لفلسطين وشعبها، الذي ظهر خلال النكبة لم يقتصر على لحظة معينة من الزمان. لكن النكبة ما زالت مستمرة وباقية، إذ تستمر تضاريس الأراضي، التي كانت فلسطين يومًا ما، في التحوُّل يوميًّا، وتُسوَّى تلالها بالأرض وتُستنزَف مياهها، وتُنهَب أحجارها لكي يتراكم رأس المال الإسرائيلي وتُبنَى المستوطنات الإسرائيلية وتُروى المزارع الإسرائيلية. وقبل أيام قليلة من مقتل شيرين وافقت المحكمة الإسرائيلية العليا على خطة لطرد ألف فلسطيني يعيشون في منطقة «مسافر يطا» المتاخمة للخليل، من منازلهم؛ مما أدَّى إلى موجة أخرى من المهجَّرين داخليًّا حتى تتمكن إسرائيل من متابعة ما تراه قَدَرها المتجلي.

محو فلسطين مستحيل

يوضح الكاتبان أن المزارعين الفلسطينيين، يستخدمون منذ سنوات أشجار الصبار لتحديد ممتلكاتهم. وتنبت هذه الأشجار حاليًا بين المزارع المقامة على أرض ممولة من الصندوق القومي اليهودي، لكن وجودها، الذي لا يُمحى، يهمس بحقيقة أساسية: على الأرض وبين الأركان التي زعمت إسرائيل أنها حقّها، هناك شعب يرفض أن يستسلم أو أن يُمحى تاريخه، بغض النظر عن المعاناة التي يلقاها.

مواقع صديقة

منذ 7 شهور
وضاح خنفر: شيرين أبو عاقلة صارت رمزًا لوحدة الفلسطينيين وإسرائيل دولة فصل عنصري

ومن الصعب أن نتصور أننا سنعلم كل تفاصيل ما جرى لشيرين أبو عاقلة في 11 مايو. فهل تصرف الجندي من تلقاء نفسه أم أنها أوامر صدرت له لاستهدافها؟ ومهما يكن، يمكننا أن نتيقن أن هذه الجريمة النكراء لم تضع حدًّا لرسالة شيرين أو ما تمثله، حالها في ذلك حال أشجار الكمثرى والصبار التي تملأ آفاق إسرائيل.

ويختم الكاتبان مقالهما بالإشارة إلى نزول عشرات الآلاف إلى شوارع القدس لتوديع شيرين إلى مثواها الأخير، ولم تشهد القدس مثل هذه الحشود منذ وفاة فيصل الحسيني. ولم يعد أمام المجتمع الدولي، الذي نظر بدهشة ورعب إلى شجاعة هؤلاء، إلا خيارًا واحدًا، وهو أنه يجب إنهاء عصر إفلات إسرائيل من العقاب وتكريس حق الفلسطينيين في العدالة والتحرر بصورة كاملة، حتى يتحقق سلام حقيقي على تلك الأرض المقدسة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد