تعاني العديد من الدول المتنافسة في بطولة كأس الأمم الأفريقية من أزمات أمنية واقتصادية وسياسية، لكن البطولة توفر تصورات مختلفة عن الوحدة والتضامن والشعور بالبهجة والسرور. ولتغطية تفاعلات الشعوب الأفريقية مع البطولة وتأثيرها، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا أعدَّته روث ماكلين، مديرة مكتبها في غرب أفريقيا ومقره السنغال، وبريندا كيفن، مراسلتها في الكاميرون.

استهلت المراسلتان تقريرهما بالإشارة إلى أن روث كانت قد شاهدت بعض المباريات في الخفاء، وانخفض مستوى صوتها حتى لا يُبلِّغ عنها أحد. وأدركت التهديدات، وعرفت أنها قد تتعرض للاختطاف أو القتل لمشاهدتها بطولة كرة القدم الأفريقية التي تستضيفها بلادها الكاميرون، لكنها سئمت من احتواء حماسها في كل مرة سجَّل فيها منتخب الكاميرون أهدافًا، لذا قررت روث – التي تعيش بمنطقة في حالة حرب، حيث منع المتمردون الانفصاليون مشاهدة المباريات – السفر سرًّا إلى ياوندي عاصمة الكاميرون يوم الأربعاء لدعم منتخبها مباشرة.

أجواء البطولة تسيطر على القارة

ينقل التقرير عن روث، بعد أن وصلت بأمان إلى ياوندي في الوقت الذي كانت تستعد فيه العاصمة للمباراة الكبرى، قولها يوم الخميس: إنني «أعشق أن أصرخ وأنا أشجِّع فريقي، إذا كان ذلك ممكنًا. لذلك قررت المخاطرة». وتقترب كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم من انتهاء البطولة التي يتفق الجميع على أنها كانت شهرًا مذهلًا. ووفَّرت المباريات الـ52 التي شهدتها بطولة كأس الأمم الأفريقية هذا العام قسطًا من الراحة والهدوء للدول التي تواجه اضطرابات سياسية كبرى أو صراعات، والدول الأخرى التي صمدت في وجه التحديات والمصاعب التي خلَّفتها جائحة كوفيد-19.

Embed from Getty Images

يمكن القول إن عنوان بطولة كأس الأمم الأفريقية هذا العام هو «عام المنتخبات الضعيفة»؛ إذ هزمت منتخبات دول صغيرة، مثل جزر القمر وجامبيا، منتخبات قوية، مثل غانا وتونس، وأصبح جيسوس أوونو، حارس مرمى غينيا الاستوائية، بطلًا عندما تصدى مرتين لركلات الترجيح ضد فريق مالي الأقوى. وبعد ذلك تحولت البطولة إلى معركة بين الفرق الكبرى؛ إذ صعد إلى دور نصف النهائي أربع دول هي: مصر، والكاميرون، والسنغال، وبوركينا فاسو، فيما خرجت كل من بوركينا فاسو، والكاميرون البلد المضيف، من المنافسة لصالح كل من مصر والسنغال، المنتظر لقاؤهما الختامي للبطولة غدًا الأحد. ومع خروج بعض المنتخبات من البطولة حوَّل المشجعون ولاءاتهم إلى منتخبات أخرى، معلِّلين ذلك بثقافة الأخوَّة التي تتجاوز كل الحدود.

ويشير التقرير إلى أن أجواء البطولة تنتشر في جميع أنحاء قارة أفريقيا، في المقاهي الممزدحمة، والمطارات، وتجمعات أهالي القرى، وعلى أرصفة المدن، وفي كل مرة نجد أن هناك تطابق بين تعبير الشعوب وتفاعلها مع البطولة؛ إذ تفتح مجموعات من المتفرجين زجاجات البيرة، وتصنع أكوابًا من الشاي الثقيل الحلو المذاق، ويسحبون كراسي بلاستيكية ومقاعد خشبية خشنة، ويظلون جالسين عليها لمدة 90 دقيقة يقضونها في متعة المشاهدة للمباريات وهم يقضمون أظفارهم من فرط القلق.

وحدة وتكاتف خلال البطولة

يُنوِّه التقرير إلى رقص جنود بوركينا فاسو فرحًا عندما انتصر فريق بلادهم في اليوم التالي للانقلاب الذي نُفذ الأسبوع الماضي. وعندما هزم فريق السنغال بعد ذلك بوركينا فاسو في دور نصف النهائي مساء الأربعاء، امتلأت شوارع العاصمة السنغالية داكار بالسيارات التي تطلق الأبواق والأعلام التي ترفرف. وعلى شبكة الإنترنت، وعقب انتهاء كل مباراة يتدفق آلاف الأشخاص على ساحات منصة «تويتر» لتحليل أحداثها بصورة مشتركة.

وخلال البطولة تتكاتف الدول المنقسمة بشدة وتتوحَّد شعوبها، لكن لوقتٍ قصير، ومن ثم يُصبح التضامن من شخص لآخر، ومن مجموعة لأخرى، ومن منطقة لأخرى، واضحًا تمامًا. وحتى الكاميرون البلد المضيفة للبطولة، التي تواجه صراعات مميتة منذ أواخر عام 2016، تمكنت كرة القدم من لمِّ شَمْل شعبها.

وكانت الأزمة الكاميرونية قد بدأت عندما نظَّم بعض المُعلِّمين والمحامين في منطقة ناطقة باللغة الإنجليزية في غرب البلاد إضرابًا للاحتجاج على استخدام اللغة الفرنسية في المحاكم والفصول الدراسية. وتعاملت الحكومة الكاميرونية الناطقة باللغة الفرنسية مع هذا الإضراب بقسوة، وشنَّت حملة قمعية ضد المحتجين. وأدَّت انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها جيش البلاد إلى تأجيج صراع مسلَّح كامل بين الحكومة ومقاتلين يتحدثون اللغة الإنجليزية، ويُعرفون باسم جماعة «أمبا بويز»، وهو الاسم الذي أطلقوه على دولتهم المحتملة.

الأمر يستحق

يلفت التقرير إلى أن الانفصاليين في الكاميرون حذَّروا السكان هناك من مشاهدة مباريات بطولة كأس الأمم الأفريقية، وأمروهم بعدم دعم فريق الكاميرون. لكن العديد من سكان هذه المنطقة الناطقة باللغة الإنجليزية مثل روث، وهي موظفة حكومية طلبت الكشف عن هويتها باسمها الأول فحسب لحمايتها من الانتقام، تحدوا المخاطر وسافروا إلى المدن ذات الأغلبية الناطقة بالفرنسية لحضور المباريات. وقالت روث: «قد لا نكون أمة موحَّدة تمامًا، لكنني أعتقد أن هذا الشيء الوحيد الذي يلم شملنا»، مضيفة أنه لا يخفى على أحد أنه حتى عندما هددوا المشجعين واختطفوهم وعذبوهم، كان مقاتلو جماعة «أمبا بويز» يشاهدون المباريات في معسكراتهم.

Embed from Getty Images

ويؤكد التقرير أن بطولة كأس الأمم الأفريقية لها طابع خاص واستثنائي. إذ يلعب اللاعبون المغمورون نسبيًّا خارج حدود بلدانهم إلى جانب نجوم تقدر قيمتهم بملايين الدولارات من صفوة فرق كرة القدم العالمية، والذين يحصلون على عطلة من تلك الفرق لتمثيل منتخبات بلادهم، في منتصف الموسم الأوروبي.

وفي هذا الصدد أعلن محمد صلاح، نجم منتخب مصر، الأسبوع الماضي في مؤتمر صحافي قبل أن يلتقي مع منتخب ساحل العاج، ويطيح به من دور ثمن النهائي، أن المشاركة في البطولة تستحق ذلك. وأعرب صلاح الذي فاز ببطولة الدوري الإنجليزي، ودوري أبطال أوروبا مع فريقه نادي ليفربول، قائلًا: «من وجهة نظري سيكون الفوز بهذه الكأس مختلفًا تمامًا عن الكؤوس الأخرى الذين فزتُ بها. وستكون الأقرب إلى قلبي».

لم شمل الشعوب

أبرز التقرير أن إحدى الدول التي تمكَّنت من التركيز على كرة القدم على الرغم من الأزمات الكبرى التي تواجهها هي بوركينا فاسو. وبينما كان لاعبو منتخبها ومشجِّعوه على وشك الصعود إلى دور ربع النهائي، أطاح الجيش حكومتهم. ويقول سامبو ديالو، أحد المشجعين في أحد فنادق ياوندي الممتلئ بالجماهير من بوركينا فاسو وكان صديقه يغطي رأسه ووجهه وصدره بالكامل بألوان علم بلاده: إن «الأمر لم يكن سهلًا. ولم نكن سعداء بما حدث في بلادنا، لكن كان علينا التحلي بالشجاعة».

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من قلقهم على أحوال عائلاتهم الموجودين في بلادهم، فاز لاعبو منتخب بوركينا فاسو في ربع النهائي. ووصلت حافلة مليئة بمشجعي بوركينا فاسو الذي يهتفون لفريقهم في جميع أنحاء البلاد إلى ياوندي بعد ظهر يوم الأربعاء الماضي. وكان منتخبهم على وشك مواجهة السنغال في نصف النهائي.

وأفاد التقرير أنه من الواضح أن بطولة كأس الأمم الأفريقية لمَّت شَمْل منتخب السنغال، والذي يُعد اللاعب ساديو ماني، الذي يلعب أيضًا لفريق ليفربول الإنجليزي، جوهرة تاجه وأحد أقوى نجوم كرة القدم في القارة السمراء. لكن البطولة كذلك جمعت فريقًا آخر مكونًا من سبعة شبان، سافروا مع اللاعبين أينما ذهبوا. وكان كل فرد من الشباب السبعة يرسم، في كل مباراة، حرفًا من حروف اسم منتخب بلادهم، لكي يظهر اسم «السنغال» عندما يقفون جميعًا بعضهم إلى جانب البعض.

Embed from Getty Images

وتختلف مصائر هؤلاء الرجال اختلافًا تامًا عن اللاعبين: إذ إنهم عندما يعودون إلى حياتهم العادية في الوطن، تجد منهم عمَّال البناء والموظفين الكتابيين والباعة المتجولين في الشوارع الذين لا يجنون إلا قليلًا من قوت يومهم، لكنهم يتركون كل شيء كلما احتاجت بلادهم إلى التشجيع. كما أن بعضهم يدعم بعضًا، وأثناء وجودهم في الكاميرون غاب أحد هؤلاء الشباب السبعة عن ولادة ابنه، في اليوم الذي فازت فيه السنغال على منتخب الرأس الأخضر (بوركينا فاسو)، لكن بقية الشباب شاركوا في دفع تكاليف حفل المعمودية في الوطن بالعاصمة داكار، والذي أُقيم يوم مباراة السنغال وبوركينا فاسو.

هل تمثل كرة القدم استراحة من الأزمات؟

ينقل التقرير عن أميناتو نوجتارا، وهي سيدة تحمل جنسية بوركينا فاسو، لكنها تعيش في الكاميرون، وجاءت مع ابنتها سُكينة لدعم منتخب بلادها، قولها «إذا حققنا النصر، فسأعود بالكأس إلى بوركينا فاسو بنفسي». بينما أكدَّ عبدو موميني، أحد مشجعي بوركينا فاسو، قائلًا إنه «في ظل الانقلاب والإرهاب وكل شيء، سيؤدي الفوز بالبطولة إلى أن ينعم شعب بوركينا فاسو ببعض الارتياح»، لكن في نهاية المطاف انتصر منتخب السنغال بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، وسيواجه المنتخب المصري في المرحلة النهائية للبطولة يوم الأحد القادم.

وأثناء تناوله البيرة في إحدى الحانات في تقاطع ياوندي المزدحم، تجاذب جهيجيونج أوانتي، المفوض الإقليمي للمنطقة الشمالية الغربية الناطقة باللغة الإنجليزية، أطراف الحديث مع اثنين من زملائه. والذي خاضوا غمار المخاطرة الشديدة للوصول إلى ياوندي لمشاهدة مباراة الكاميرون؛ إذ تعرض نائب رئيس الجمعية الإقليمية التي عملوا من أجلها للاختطاف في شهر ديسمبر (كانون الأول)، إلا أن جهيجيونج قال: «كرة القدم تتجاوز شؤون السياسة».

وفي ختام التقرير تشير المراسلتان إلى أن روث تمكَّنت من الحصول على تذاكر مباراة الكاميرون ضد مصر في دور نصف النهائي يوم الخميس على ملعب أوليمبي الجديد المصمم للبطولة، حيث توفي فيه ثمانية أشخاص بسبب التدافع يوم 24 يناير (كانون الثاني)، لكن روث عَلَقت في زحام حركة المرور وهي في طريقها إلى الملعب، ولم تتمكن من الوصول في الوقت المناسب لبداية المباراة. لذا دخلت إلى الحانة وشاهدت المباراة هناك.

وكان منتخب الكاميرون قد خسر بنتيجة ثلاثة مقابل واحد بضربات الجزاء أمام منتخب مصر. تقول روث: «لم يزل الأمر يستحق ذلك لأنني تمكنت من مشاهدة المباراة مع مشجعين مفعمين بالحماس». وقد هتفتْ كثيرًا، وشجَّعتْ منتخب بلادها بعلو صوتها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد