نشر موقع المنتدى الاقتصادي العالمي تقريرًا شارك في إعداده مارك بالاهي، مدير معهد الغابات الأوروبي، وجاستن آدامز، مدير مكتب تحالف الغابات الاستوائية التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، ولي وايت، وزير الغابات والمحيطات والبيئة وتغيُّر المناخ في الجابون، استعرضوا فيه الجهود التي تبذلها الدول الأفريقية من أجل الاستثمار في الغابات، بعد أن أفادت توقُّعات ارتفاع مُعدَّل سكان القارة الأفريقية إلى نحو 2.7 مليار نسمة بحلول عام 2050. وخلُص الكُتَّاب إلى أن الجابون تُعد نموذجًا يُحتذَى به في مجال الاستثمار في الغابات المُستدَامَة؛ ما يؤدي بطبيعة الحال إلى توفير مزيد من فُرص العمل المحلية وتحسين حماية الغابات.

وأبرز التقرير ثلاث نقاط محورية:

  • تواجه أفريقيا تحديات غير مسبوقة، تتمثَّل في النمو السكاني السريع، والتكيُّف مع المناخ.
  • تتمتَّع القارَّة الأفريقية بمكانة جيدة تمكِّنها من تسخير الحلول القائمة على الطبيعة من خلال الغابات المستدامة.
  • يُثبِت مشروع تدعمه الأمم المتحدة في الجابون أنه أصبح من الممكن حماية التنوُّع البيولوجي وتوفير فرص عمل.

يستهل الكُتَّاب تقريرهم بالقول: من المُتوقُّع أن يتضاعف عدد السكان في أفريقيا بحلول عام 2055 من مُعدَّله الحالي إلى 2.7 مليار نسمة. ومن المتوقع أيضًا أن تشهد القارة أسرع مُعدَّل للنمو الحضري في أي مكان في العالم: إذ ستصبح المدن الأفريقية بحلول عام 2050 موطنًا لـ950 مليون شخص آخرين. ومن المُتوقَّع أن تحدث هذه الزيادة السكانية في وقت ستحتاج فيه المجتمعات الأفريقية إلى تحويل اقتصاداتها لمواجهة الآثار غير المسبوقة لتغيُّر المناخ وتدهور الأراضي.

وتوفِّر هذه التحدِّيات سلسلة من الفرص المحورية إذا استُخدمَت الموارد الحالية استخدامًا أفضل. ومن الجدير بالذكر أن الجابون أصبحت أول بلد أفريقي يحصل على دعم لحماية غاباته المطيرة. وباعتبار هذا الدعم جزءًا من الصفقة التي أُبرِمَت في عام 2019 سلَّمت «مبادرة الغابات في أفريقيا الوسطى» المدعومة من الأمم المتحدة أكثر من 17 مليون دولار إلى البلاد، وهي الدفعة الأولى من أصل 150 مليون دولار مُخصَّصَة للجابون.

الفرق بين غابات أفريقيا وغابات الاتحاد الأوروبي

وينوِّه التقرير إلى أن الغابات الأفريقية تُمثِّل نحو 21٪ من إجمالي مساحة أراضيها: أي ما يُعادل تقريبًا مساحة غابات أمريكا الشمالية أو آسيا، وأربعة أضعاف مساحة غابات الاتحاد الأوروبي. غير أنَّ القيمة التصديرية لمنتجاتها من الغابات أصغر بكثير من القيمة التصديرية في أي منطقة أخرى.

Embed from Getty Images

وعلاوةً على ذلك ارتفع صافي مُعدَّل خسارة الغابات ارتفاعًا سريعًا على مدار العقد الماضي. وفي عام 2019 ارتفعت القيمة التصديرية لمنتجات الغابات في الاتحاد الأوروبي ارتفاعًا مذهلًا وصل إلى 17 ضعف القيمة التصديرية لمنتجات الغابات الأفريقية، بواقع 100 مليار دولار (في الاتحاد الأوروبي) موازنةً بـ6 مليارات دولار (في أفريقيا). ولكن أنتجت أفريقيا في العام ذاته أخشابًا أكثر من الاتحاد الأوروبي بواقع 54٪. ويطرح التقرير سؤالًا: ما الذي يفسر هذا التباين؟

ويُجيب الكُتَّاب: يتمثَّل السبب الرئيس الأول في أن أفريقيا تستخدم حوالي 90٪ من أخشاب الأشجار المقطوعة لإنتاج الوقود الخشبي والفحم، فضلًا عن أغراض التدفئة والطهي. بينما يستخدم الاتحاد الأوروبي في المقابل معظم أخشابه (75٪) لأغراض صناعية، مثل صناعة اللُّب الخشبي، وأغراض التعبئة، والبناء الخشبي. أما السبب الثاني فهو أن صادرات أفريقيا من الأخشاب تأتي في هيئة جذوع الأشجار.

والحصيلة المُجمَّعة هي أن أفريقيا لا تحتفظ بأقل من 10٪ من قيمة أخشابها فقط، ولكن توفِّر هذه الصناعة أيضًا أقل من 10٪ من الوظائف المُحتملَة التي يمكن أن توفِّرها إذا أُنتِجَت حصة أكبر من المنتجات المُصنَّعة، وشبه المُصنَّعة، وصُدِّرَت «خارج القارة».

إنتاج الطاقة يحتاج إلى تنويع الموارد

ووفقًا للتقرير من الواضح أن هناك حاجةً مُلِحَّة لخفض تكاليف موارد الغابات في أفريقيا. ولكن حتى نُقلِّل اعتماد أفريقيا على الفحم الخشبي، تبرُز حاجة أيضًا إلى استثمار كبير لتنويع إنتاج الطاقة. وهناك كثير من الفرص التي تهدف إلى الاستثمار في صناعة تجهيز الأخشاب، التي ربما تبدو للوهلة الأولى كأنها حل توافقي – وربما خيانة – للأهداف البيئية في العالم. بيد أنَّه من المفارقات أن الواقع يختلف اختلافًا جذريًا. وفي الحقيقة: العكس تمامًا هو الصحيح.

وفي ظل الحوكمة الرشيدة والإستراتيجيات المُترسِّخة في الاستدامة، سيقدِّم الاستثمار الأكبر في المنتجات الخشبية المُبتكرَة وذات القيمة المضافة الحوافز الملائمة للأفراد والمجتمعات والحكومات من أجل تحسين حماية غاباتها. على سبيل المثال يمكن تحرير 353 مليون متر مكعب من الأخشاب لأغراض أخرى إذا انخفض الطلب على الطاقة الخشبية بواقع 50٪ من خلال زيادة الكفاءة وتعميم مصادر أخرى من مصادر الطاقة المُتجدِّدة.

الغابات المُستدَامَة في الجابون

يؤكد كُتَّاب التقرير أن الغابات تغطِّي زهاء 90٪ من أراضي الجابون، بينما لا تتمتع أية دولة في الاتحاد الأوروبي، عدا السويد، بمساحة أكبر من الغابات. وفي أواخر عام 2009 حظرت الجابون تصدير جذوع الأشجار. واتخذت الحكومة هذا القرار لأن صناعة الأخشاب بِرُمَّتِها تقريبًا قد تجاهلت قانون الغابات الجابوني الذي أقرَّه البرلمان في عام 2001.

Embed from Getty Images

وقد فرض القانون انتقالًا تدريجيًّا صوب مزيد من تجهيز الأشجار داخل البلد، بحيث إنه بحلول عام 2009 كان يجب تجهيز 60٪ على الأقل من جذوع الأشجار على هذا النحو. ولكن عندما حان الوقت بلغت النسبة الفعلية للأشجار المُجهَّزة 15٪ فقط.

وكان رد فعل الحكومة على الأمد البعيد مبدعًا ونموذجيًّا. ونظرًا لرؤيتها المتمثِّلة في مضاعفة عدد الوظائف المرتبطة بالغابات والناتج الاقتصادي لهذا القطاع إلى 10 أضعاف، أنشأت الحكومة منطقة اقتصادية خاصة مُتخصِّصة في تجهيز الأخشاب، وتقع على بُعْد 20 كم فقط خارج العاصمة ليبرفيل. وأُجبِرَت كل غابات الجابون التجارية على تشغيل خطوط إنتاجها بالكامل، فضلًا عن تعزيزها بمزارِع جديدة.

هل يمكن تكرار النجاح؟

واليوم – بحسب التقرير – يحوِّل قرابة ألف مصنع أخشاب نفايات «الأخشاب الصلبة» إلى فحم مُنشَّط، فيما تنتقل نفايات «الاخشاب الأكثر نعومة» إلى أول مصنع للألواح الحُبيبية في المنطقة. وقد وفرت هذه التطوُّرات أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة للشباب من كلا الجنسين، بعد أن كانت هذه الوظائف من حظِّ سكان أوروبا أو آسيا في السابق.

وعلاوةً على ذلك قرِّرت الحكومة في عام 2018 أن تصبح الشهادة التي يمنحها مجلس رعاية الغابات الدولي إلزامية على قطاع الأخشاب بحلول عام 2022. والأهم من ذلك أن الجابون تستوعب الآن نحو 100 مليون طن صافٍ من ثاني أكسيد الكربون سنويًّا، بالإضافة إلى كونها واحدة من أفضل البلدان الاستوائية ذات «الغطاء الحرجي الكثيف» الذي تقل فيه إزالة الغابات.

دولي

منذ 5 شهور
«فورين بوليسي»: في ظل نفوذ فرنسي.. ما الدور المنتظر من إدارة بايدن في الساحل الإفريقي؟

ونتيجةً لذلك أرسَت الجابون أُسُس نظام إيكولوجي صناعي ناجح للاستخدامات البديلة للأخشاب. وليس من المُستغرَب أن صحيفة «فاينانشال تايمز» أشادت في عام 2020 بهذا النظام باعتباره أفضل «منطقة اقتصادية خاصة» لمُنتجَات الأخشاب في جميع أنحاء أفريقيا.

ويختم الكُتَّاب تقريرهم بالإشارة إلى أن السؤال الذي يجب أن يقدم العالم إجابةً عنه الآن، وليس أفريقيا فقط، هو: هل يمكن تكرار هذا النجاح في جميع أنحاء القارة الأفريقية؟ وهل يتَّسِم المجتمع الدولي بالجرأة الكافية للاستثمار في الغابات المُستدَامَة، بحيث يمكن توفير فرص عمل محلية، وتحسين حماية الغابات؟

يجيب الكُّتاب: إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فستكون الجابون نموذجًا رائعًا للبلدان الأخرى حتى تحذو حذوها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد