نشرت مجلة «جاكوبين» مقالةً لعالم الأنثروبولوجيا الأناركي ديفيد جريبر، كان قد كتبها قبل فترةٍ وجيزةٍ من وفاته، وبها يتحدث عن توقعاته للكيفية التي ستجري الحياة بها بعد انتهاء جائحة كوفيد-19، وما يعتقده من تغييرات لازمة الحدوث، ودروس ينبغي تعلمها من هذه الأزمة لمواجهة الأزمات المستقبلية بأنواعها.

حلمٌ ثقيل

في مرحلةٍ ما من الأشهر القليلة المقبلة، سيُعلَن عن انتهاء الأزمة، وسنستطيع العودة إلى وظائفنا «غير الضرورية»، وسيكون الحال للعديد منَّا أمرًا مشابهًا للاستيقاظ من الحلم.

يتوقع جريبر أن تشجعنا وسائل الإعلام والقطاعات السياسية على ذلك أيضًا، فهذا ما حدث بعد الانهيار المالي في عام 2008. كانت هناك لحظة وجيزة من التشكك: «ما هو (التمويل) على أي حال؟ أليست ديون أشخاص آخرين؟ ما هو المال؟ هل هو مجرد دين أيضًا؟ ما هو الدين؟ أليس وعدًا فحسب؟ إذا كان المال والديون مجرد مجموعة من الوعود نعطيها لبعضنا بعضًا، فلماذا لا نصنع وعودًا أخرى على القدر نفسه من السهولة؟».

العالم والاقتصاد

منذ 4 سنوات
مترجم: لماذا تخلق الرأسمالية وظائف عديمة الفائدة؟

لكن جريبر يقول إن نافذة التساؤلات هذه أُغلقت على الفور تقريبًا من قِبل أولئكم الذين يحرصون على أن نصمت ونتوقف عن التفكير ونعود للعمل، أو على الأقل البدء في البحث عنه.

وقعنا جميعًا في هذا الفخ في المرة الماضية، لكن من المهم للغاية ألا نفعل ذلك هذه المرة.

الواقع الفعلي للحياة البشرية

يعتقد جريبر أن الأزمة التي عشناها هي الاستيقاظ الحقيقي من الحلم، المواجهة التي وجدنا أنفسنا فيها مع الواقع الفعلي للحياة البشرية والذي يلخصه جريبر على الشكل التالي: نحن مجموعة من الكائنات الهشة نعتني ببعضنا بعضًا، ومن يقومون بنصيب الأسد من عمل الرعاية الذي يبقينا على قيد الحياة يتحملون فوق طاقاتهم ويتقاضون أجورًا منخفضة ويتعرضون للإهانة اليومية.

فيما يقابلهم نسبةٌ كبيرةٌ جدًا من السكان ممن لا يفعلون أيَّ شيء على الإطلاق سوى تدوير الخيال، واستخراج الإيجارات، والوقوف عمومًا في طريق الأشخاص الحقيقيين الذين يصنعون ويصلحون ويحركون الأشياء أو يعتنون باحتياجات الكائنات الحية الأخرى. من الضروري ألا ننزلق مرةً أخرى إلى واقعٍ يُقبل فيه كل هذا بمنوالٍ مبهم، على الطريقة اللامنطقية التي تجري بها الأشياء في الأحلام عادةً.

Embed from Getty Images

ويطرح جريبر أسئلةً أخرى لمواجهة الواقع السابق: لِم لا نتوقف عن اعتبار الأمر طبيعيًّا حين يقلُّ احتمال تلقي الأجر كلما ازدادت فائدة عمل المرء للآخرين؟ أو الإصرار على أن الأسواق المالية هي أفضل طريقة لتوجيه الاستثمارات طويلة الأمد بالرغم من أنها تدفعنا لتدمير معظم أشكال الحياة على الأرض؟

اقتصادٌ في خدمة الأثرياء

بمجرد إعلان انتهاء حالة الطوارئ الحالية، لِمَ لا نتذكر فعليًّا ما تعلمناه: إذا كان «الاقتصاد» يعني أي شيء، فهو الطريقة التي نوفر بها لبعضنا بعضًا ما نحتاجه للبقاء على قيد الحياة (بكل معنى من معاني المصطلح)؟ أما ما نسميه بـ«السوق» فيقول جريبر إنه ليس سوى طريقة لجدولة مجموع رغبات الأشخاص الأثرياء، ومعظمهم أشخاص باثولوجيون قليلًا.

كما أن الطبقة الأكثر نفوذًا ضمنهم تستكمل بالفعل بناء وتصميم المخابئ التي يخططون للهروب لها، إذا ما كنا حمقى بما فيه الكفاية لتصديق محاضرات أتباعهم بأننا جميعًا – وعلى نحوٍ جماعيٍّ – نفتقر إلى الحسِّ الأساسي السليم اللازم لفعل أي شيء لمواجهة الكوارث القادمة.

يختتم جريبر مقالته بالقول: معظم العمل الذي نقوم به الآن هو من ضمن أعمال الأحلام. عملٌ موجودٌ فقط في حدِّ ذاته، أو أنه موجود لجعل الأغنياء يشعرون بالرضا عن أنفسهم، أو لإشعار الفقراء بالسوء تجاه أنفسهم. وإذا ما توقفنا ببساطة، سيمكن إعداد مجموعة وعود أكثر منطقية لأنفسنا، ومن ذلك على سبيل المثال: إنشاء «اقتصاد» يُمكِّننا من العناية بالأشخاص الذين يعتنون بنا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد