نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا لجيراد آي. هاربر، الأستاذ المساعد في الكلية الحربية للجيش الأمريكي، يوضح من خلاله كيف يمكن أن يؤدي التمرد في أوكرانيا ودعم الدول الغربية له ضد روسيا إلى اندلاع حرب كبرى في القارة الأوروبية العجوز.

منشأ التمرد

في مستهل المقال، يقول الكاتب إنه على الرغم من الدعم الغربي العسكري والتهديد بفرض مزيد من العقوبات على روسيا في ظل تدخلها العسكري في أوكرانيا، ربما بغرض الاستيلاء على منطقة دونباس أو سعيًا وراء غزو أوكرانيا بأسرها، وعلى الرغم من الإصلاحات الكبرى التي نفَّذها الجيش الأوكراني، إلا أن قدراته لا تزال محدودة حتى يمكنه التصدي لقدرات روسيا المتطورة وقواتها وامتيازاتها الجغرافية، وقد يجد الجيش الأوكراني نفسه مهزومًا بسرعة.

دولي

منذ سنة واحدة
«فورين بوليسي»: الجميع يتحدث عن القدرات الروسية.. ماذا عن القوات الأوكرانية؟

ومع ذلك، وبدلًا من أن تكون هذه هي نهاية الصراع، يرى عدد من المحللين، مثل جون ناجل، الضابط الأمريكي المتقاعد والكاتب في مجلة «فورين بوليسي»، أنه ربما تكون هذه الهزيمة هي مجرد البداية؛ إذ يُرجَّح أن تُخوِّل روسيا لنفسها التمدد للسيطرة على الأراضي التي احتلتها وتتورط بذلك في مستنقع من التمرد، وقد يستهوينا الاعتقاد بأن هذا التمرد سيكون مكلفًا لروسيا فحسب، على اعتبار أنه سيصبح جرحًا نازفًا يردع روسيا عن ارتكاب مزيد من الممارسات المتهورة.

بيد أن هذا التمرد قد يُؤدي إلى اندلاع مزيد من الصراعات مع الغرب، إذ إن الملاذات الآمنة التي يوفرها الغرب للتمرد الأوكراني، ودعمه الواضح المناهض لروسيا قد يكون سببًا في استفزاز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتنفيذ مزيد من التدخلات في الوقت الذي يكافح فيه للحفاظ على الاستقرار على الصعيد المحلي في مواجهة الخسائر المتعاظمة.

ويوضح الكاتب أن الغزو الروسي الفوري لأوكرانيا قد يُؤدي إلى أن يحمل عدد من الجنود الأوكرانيين السابقين، والمدنيين كذلك، أسلحة ومعدات، فضلًا عن استثارة دوافعهم لاستعادة بلادهم، ومن المؤكد أن الدول الديمقراطية المجاورة، مثل بولندا ودول البلطيق وكل المنضمين حديثًا إلى حلف الناتو وكل الدول التي لديها أسباب تاريخية وجيهة وممتدة للخوف من العدوان الروسي، بالإضافة إلى سوابق تاريخية وطنية ووجدانية مع حركات المقاومة الفدائية، ستوفر ملاذًا آمنًا لمثل هؤلاء المقاتلين، ويعقب ذلك على الفور إرسال متطوعين والالتزام بتقديم دعم خفي، خاصةً إذا أثبت المتمردون الأوكرانيين، الذين يُقاتلون في بادئ الأمر وحدهم، أنهم قادرون على استنزاف دماء الروس.

مخاطر من الدرجة الثانية والثالثة

يلفت الكاتب إلى أن شعار القوات الخاصة للجيش الأمريكي باللغة اللاتينية هو «دي أوبريسو ليبر» والذي يعني «لتحرير المظلومين»، وهو شعار وُضِع أساسًا لتحدي الاتحاد السوفيتي من خلال إثارة حركات التمرد داخل الستار الحديدي (يُشير إلى سياسة العزلة التي انتهجها الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، بعدما أقام حواجز تجارية ورقابة صارمة) على الرغم من أنهم، بدلًا من ذلك، انتهى بهم المطاف إلى شن حرب ضد إحدى الدول الواقعة في جنوب شرق آسيا (فيتنام).

 Embed from Getty Images

وقد تكون حركات التمرد في أوكرانيا إيذانًا لعودة القوات الخاصة الأمريكية بصورة طبيعية إلى مهمتهم الأساسية في أوروبا الشرقية، وهي مهمة لطالما كانوا مناسبين لها تمامًا، بحسب التقرير، وبعد عقدين من محاربة المتمردين في العراق وأفغانستان، ستكون قوات حلف الناتو الخاصة الشديدة الفعالية والمجرَّبة في المعارك قادرة تمامًا على التحول إلى أداء مهمة دعم حركات التمرد ومناصرتها بدلًا من محاربتها، ويمكن أن يتخذ هذا شكلًا من أشكال تنفيذ دور فعَّال أو إرسال متطوعين، سواءً كانوا أفرادًا سابقين أو حاليين تابعين للقوات الخاصة، ولكن ما هي المخاطر ذات الدرجة الثانية والثالثة التي يمكن أن يُمثلها مثل هذا التمرد؟

يجيب الكاتب قائلًا إنه في الوقت الذي يصب فيه ما يُسمى بصراع المنطقة الرمادية أو الحالة ما بين الحرب والسلام جيدًا في مصلحة الأنظمة الاستبدادية، مثل روسيا، سيكون التحدي الأهم أمام الأنظمة الديمقراطية الغربية هو إدارة الدعم المقدم لحركات التمرد على مستوى الصراع في أوكرانيا من دون إسناد نسبي واضح لهذه المسؤولية إلى دولة معينة، إن الحرب الهجينة، التي تعتمد بالأساس على القوة العسكرية غير النظامية أو غير التقليدية بالإضافة إلى تنفيذ عمليات إعلامية معلوماتية مزعزعة للاستقرار، تُعوِّل على إنكار مثل هذا الإسناد. 

كيف تفضح البيئة المعلوماتية الدعم الغربي للتمرد؟

يفيد الكاتب أنه نظرًا لأن القوات غير النظامية، سواءً كانت متمردة أو قوات رسمية نظامية تحارب بالوكالة، أو مرتزقة أو عصابات الدراجات النارية أو قوات خاصة سرية أو تتمثل (أحيانًا) في الاستخدام الخفي للقوات التقليدية، تُقدم منظورًا مختلفًا عن القوات العسكرية التقليدية، من هنا تتوفر للدول الداعمة إمكانية إنكار استخدامها، وبخلاف هذه القوات، قد يكون من الصعب تمامًا إسناد تنفيذ العمليات المعلوماتية، مثل الهجمات السيبرانية، إلى جهات فاعلة حكومية محددة. 

وينجح العمل بهذه الطريقة جيدًا في بيئة معلوماتية محلية خاضعة لرقابة صارمة من الأنظمة الاستبدادية، مثل روسيا؛ وصحيحٌ أن العالم يدرك ذلك، لكن تأجيل إقرار الدولة المُبَادِرة بذلك يُعد كافيًا لضمان عدم تجاوز الحدود القانونية المعيارية المحددة بدقة لحالة الحرب و«اللاحرب» بين الدول، ومع ذلك، فمن غير المحتمل أن يُكشَف في أي بيئة إعلامية معادية للديمقراطية الغربية، سواءً كانت وسائل إعلام تقليدية أو شبكات اجتماعية غير رسمية، عن أنواع الدعم المُقدَّم لحركات التمرد المناهضة لروسيا في أوكرانيا من خلال إجراء تحقيقات مستقلة.

Embed from Getty Images

وقد أدركت الولايات المتحدة ذلك عندما فشلت محاولاتها لدعم ثوار «الكونترا» ضد نيكاراجوا في ثمانينيات القرن الماضي بعد انتشار الحديث عنها في كل الأخبار، وهذا الأمر سيواجه صعوبةً أكبر في بيئة وسائل التواصل الاجتماعي المتوفرة حاليًا، وسيكون من الصعب جدًّا إنكار الإسهامات الغربية الفعلية في التمرد المناهض لروسيا في أوكرانيا.

فائدة الملاذات الآمنة للمتمردين

يُنوِّه المقال إلى أن توافر الملاذات الآمنة أيضًا كان أحد المتطلبات المهمة لنجاح حركات التمرد في العصر الحديث، وواجهت التحالفات في العراق وأفغانستان تحدياتٍ تتمثل في إمكانية إعادة القوات تشكيل نفسها في سوريا أو باكستان، تمامًا كما عانى السوفيت مع المجاهدين المتمركزين في باكستان وكما عانت الولايات المتحدة من ذلك مع القوات الفيتنامية الشمالية ووكلائهم الذين يعملون انطلاقًا من لاوس وكمبوديا.

وتُعد هذه الملاذات الآمنة ذات أهمية جوهرية للمتمردين لتفادي تفوق القوات التقليدية لمقاومة التمرد من خلال توفير حرية نسبية في التنقل والحركة، وضمان سلامة عناصر القيادة والتحكم، وإمكانية الحصول على قسط من الراحة وإعادة التجهيز لتنفيذ مزيد من العمليات.

منذ 11 شهر
«فورين بوليسي»: 3 أمور على العالم أن يعرفها عن بوتين

وجديرٌ بالذكر أن تكلفة تجنب الدخول إلى هذه الملاذات الآمنة يمكن التغلب عليها، ومع ارتفاع التكاليف الناجمة عن التمرد، يُصبح الحاجز للتدخلات عبر الحدود مخاطرةً تستحق أن يتحملها القادة السياسيون، وكان الزعماء المدنيون الأمريكيون قد رفضوا مرارًا طلبات القادة العسكريين الأمريكيين في جنوب فيتنام لتنفيذ عمليات عابرة للحدود لقطع مسار «هو شي منه (شبكة من مسارات الغابة المتعرجة من فيتنام الشمالية عابرة من لاوس وكمبوديا إلى جنوب فيتنام، وكانت فيتنام الشمالية تستخدمها طريقًا عسكريًّا لتزويد المقاتلين خلال حرب فيتنام)» خلال ستينيات القرن الماضي. 

لكن مع ارتفاع تكاليف الحرب، وافقت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون أخيرًا على تنفيذ عمليات برية واسعة النطاق للولايات المتحدة وفيتنام الجنوبية في كمبوديا في عام 1970 وتنفيذ توغُّل بري من فيتنام الجنوبية في لاوس مدعومًا بأعداد هائلة من الطائرات المروحية والطائرات المقاتلة الأمريكية في عام 1971، وكانت كلتا العمليتين من الخيارات غير المقبولة سياسيًّا بسبب الخوف من التصعيد المبكر في حرب فيتنام.

بوتين يحافظ على الاستقرار الداخلي

يُرجح الكاتب أن أي تمرد أوكراني ناجح يُسفر عن تزايد الخسائر الروسية سيُوفر ضرورة مماثلة للقضاء على هذه الملاذات الآمنة، ولا تود موسكو مشاهدة أكياس الجثث العائدة إلى أراضي الوطن، والذي من شأنه إضعاف قبضة بوتين المحكمة على الاستقرار الداخلي، وهو اهتمامه الأول دومًا.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من سيطرة بوتين الكبيرة على وسائل الإعلام المحلية، لكن ثمة حدود، ويعتمد نفوذه على الحفاظ على الدعم المحلي، وعلى الرغم من أن ذلك قد يعني تحمل مزيد من المخاطر، إلا أن التهديد بشأن فقدان السيطرة على السلطة قد يدفع بوتين أو من يخلفه في المستقبل إلى تفضيل مثل هذا الخيار، وليس بالضرورة أن يكون هذا غزوًا مباشرًا للغرب، ولكن قد يكون أي شكل آخر من العمليات المباشرة الخفية والمرنة ضد الدول المجاورة، مثل دول البلطيق أو بولندا أو رومانيا.

ولكن يبرز هنا الاختلاف الرئيس عن حركات التمرد السابقة التي واجهتها القوى العظمى في العصر الحديث، فمن المؤكد تقريبًا أن التمرد الأوكراني سيستفيد من الملاذات الآمنة داخل دول حلف الناتو المعارض، ويختلف هذا تمامًا عن الملاذات الآمنة في الدول التي يُمكن أن تدَّعي الحياد ولا يرجح أن تصبح أعداءً في المستقبل للقوة المكافحة للتمرد، ولن تفضي العمليات العابرة لحدود هذه الملاذات الآمنة، في مثل هذه الحالة، ببساطة إلى اندلاع اشتباكات مع دولة صغيرة، بل قد تفضي، بدلًا من ذلك، إلى اندلاع حرب كبرى.

لكن في حين أن هذا قد يؤدي إلى ردع التدخلات العابرة للحدود في حالة قوة عظمى لا تتعرض مصالحها الحيوية أو الأساسية للتهديد، إلا أن الصراع المستمر في أوكرانيا قد يضرب مصالح موسكو في مقتل، سواءً كانت مصالح جيوسياسية أو محلية، ويمكن أن يبرر ذلك وجود مخاطرة كبيرة إذا ظل بوتين في السلطة.

ولا تعني كل هذه التداعيات أن استبعاد تقديم الدعم للتمرد هو أحد الخيارات المطروحة للغرب، ورجح الكاتب، في تحليله الذي نشر قبل أيام من الهجوم الروسي على أوكرانيا: «إجراء تقييم لقرارات تقديم الدعم لحركات التمرد في أوكرانيا في المستقبل بالمقارنة مع الخطر الذي تمثله روسيا التي لديها قوات رئيسة على حدود حلف الناتو مباشرةً، وتتأهب لمواصلة العمل ويُشجعها في ذلك النجاح الذي حققته مؤخرًا، وسيكون من الصعب جدًّا على دول الناتو الحدودية أن ترى روسيا المُعتدية وهي تحرم المقاتلين الأوكرانيين، الذين يقاتلون من أجل الحرية، من الحصول على الإمدادات الأساسية، مثل حق اللجوء والدعم الطبي، وربما أكثر من ذلك؛ ومع ذلك ينبغي دراسة الآثار المترتبة بدقة، وستكون المخاطر عالية لكلا الخيارين».

يستدرك الكاتب موضحًا أنه نظرًا لأنه فات الأوان للحيلولة دون الغزو الشامل أو كبح جماحه، فقد تُوفر هذه التقديرات أيضًا أداة ممكنة أخرى يستخدمها الغرب، ويبدو أن بوتين قد أجرى هذا النوع من التحليل بالتأكيد، ولا يسعى بوتين لصراع تقليدي بين دولة وأخرى مع حلف الناتو الذي تفوق قدراته العسكرية قوة روسيا العسكرية بدرجة كبيرة.

ويختم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن إثبات الغرب للعزيمة وإقناع بوتين أن الغزو السريع لأوكرانيا لن يكون طريقًا إلى مستنقع التمرد فحسب، لكنه سيكون أيضًا دافعًا أساسيًّا نحو اندلاع حرب أكثر فتكًا في المستقبل مع حلف الناتو، قد يكون انطلاقة لتدشين نقطة حوار محتملة أخرى للحيلولة دون اندلاع حرب أوكرانيا أو الخروج منها حتى بعد اندلاعها، وإذا لم يكن بالإمكان ضمان الخروج من مثل هذا المأزق، فإن التكاليف المحتملة لأوروبا ستكون مرتفعة وستستمر في الارتفاع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد