استعرض تقرير نشره موقع «هيستوري إكسترا»، التابع لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، تداعيات سياسة الترضية التي انتهَجَها رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين (كان رئيسًا لوزراء بريطانيا في المدة من مايو 1937 إلى مايو 1940) في تعامله مع الزعيم الألماني أدولف هتلر (حكم ألمانيا النازية في المدة من 1933 حتى 1945).

فعندما تولى الزعيم الألماني زمام السلطة في بلاده، أفرغ رئيس الوزراء البريطاني جُهده في مُهادنته، ولكن ماذا لو وجدت تحذيرات ونستون تشرشل (رئيس وزراء المملكة المتحدة من 1940 حتى 1945 (إبان الحرب العالمية الثانية)، ومن 1951 حتى 1955)، النائب عن حزب المحافظين آذانًا صاغية لدى تشامبرلين، فهل كان التاريخ سيُسطر مسارًا مختلفًا تمامًا؟

ما هي سياسة الترضية؟

أوضح تقرير الموقع البريطاني في البداية أن الترضية تُستخدَم في أغلب الأحيان لوصف استجابة صانعي السياسة البريطانيين لصعود ألمانيا النازية في ثلاثينات القرن العشرين، ويُنظر إليها باعتبارها سياسة تقوم على تقديم تنازلات أحادية الجانب لدولة مُعتدية، غالبًا على حساب أطراف خارجية، دون أن تُقدِّم الدولة المُعتدية أي تنازل في المقابل باستثناء وعود جوفاء بممارسة سلوك أفضل في المستقبل.

Embed from Getty Images

لقد كان منطق تشامبرلين نابعًا من أمله في أن تُفلِح تلك السياسة في إنهاء أسرع للأزمة التي نشأت في أوروبا بسبب الصخب النازي الرامي إلى مراجعة معاهدة فرساي وتعديلها، معتقدًا أنه بالإمكان تحقيق التهدئة من خلال التفاوض على تسوية عامة تحل محل معاهدة فرساي في جميع النواحي تقريبًا، وتَدخُل ألمانيا بموجبها في علاقات تعاهدِية مُرضية مع جيرانها.

تحذير ونستون تشرشل

وأشار التقرير إلى أن تشرشل حذَّر من مخاطر نزعة القومية الألمانية بعد صعود النازيين إلى السلطة عام 1933، لكن الحكومة البريطانية تجاهلت تحذيراته وبذلت كل ما في وسعها لإبقاء بريطانيا بعيدًا عن طريق هتلر، بعدما ضاق البريطانيون ذرعًا بالحرب، وأحجموا عن الانخراط في الشؤون الدولية مرةً أخرى في تلك الحقبة.

وبحلول ذلك الوقت بات تشرشل صوتًا مهمَّشًا على نحو متزايد، ولم يُعِرْه تشامبرلين الاهتمام الكافي، وقد كان تشرشل من أشد المعارضين البارزين لسياسة الترضية، ولطالما حذَّر الحكومة البريطانية من المخاطر التي تفرضها سياسة ألمانيا النازية، غير أن تحذيراته لاقت آذانًا صُمًّا وذهبت أدراج الرياح. وكان تشرشل يرى أن إعادة تسليح بريطانيا على نحو أسرع كان من الممكن أن يردع الديكتاتور الألماني، وأن الاستعداد لاتخاذ موقف في اللحظات الحاسمة يمكن أن يوقف تقدم هتلر قبل فوات الأوان.

اتفاقية ميونيخ

وألمح التقرير إلى أن سياسة الترضية بلغت أوُجَّها في سبتمبر (أيلول) 1938 مع اتفاقية ميونيخ، وكان تشامبرلين يأمل في تجنب الحرب على تشيكوسلوفاكيا من خلال الإذعان لمطالب أدولف هتلر. وقد سمحت الاتفاقية لألمانيا النازية بضم إقليم سوديتنلاند، وهي المناطق الناطقة باللغة الألمانية في تشيكوسلوفاكيا.

ولفت التقرير إلى أن تشامبرلين وعد بأن الاتفاقية ستحقق «السلام في عصرنا»، لكن تشرشل وبَّخه على أنه «ترك دولة صغيرة تواجه مصيرها» في مقابل وعدٍ بالسلام.

وقال ونستون تشرشل مُعلقًا على توقيع تشامبرلين الاتفاقية: «لقد خُيِّرتم بين الحرب والعار، لكنكم اخترتم العار، ولن يحول ذلك دون خوضكم الحرب في نهاية المطاف». ولم يمضِ سوى عام واحد حتى تحقق ما حذَّر منه تشرشل؛ إذ حنث هتلر بوعده، وغزا بولندا في الأول من سبتمبر 1939، وتبددت آمال السلام.

تاريخ

منذ سنة واحدة
معركة الثغرة.. رقصة هتلر الأخيرة التي كادت تقلب مسار الحرب العالمية

وبحلول 3 سبتمبر 1939 انخرطت بريطانيا من جديد في حرب مع ألمانيا، وأعلن تشامبرلين الحرب ضد هتلر، لكن الأشهر الثمانية التي تلَت ذلك أثبتت أنه غير مؤهل للاضطلاع بالمهمة الشاقة المتمثِّلة في إنقاذ أوروبا من الغزو النازي. وبعد فشل القوات البريطانية في منع الاحتلال الألماني للنرويج في أبريل (نيسان) 1940، خسر تشامبرلين دعم عديد من أعضاء حزبه المحافظ، وبحلول مايو (أيار) 1940 كانت خسائر الحلفاء تتوالى، وفي العاشر من مايو 1940 احتل هتلر بلجيكا ومملكة الأراضي المنخفضة (هولندا).

وفي اليوم نفسه خسر تشامبرلين رسميًّا ثقة مجلس العموم، لذا قدَّم استقالته من منصبه. وفي مواجهة الرياح النازية العاتية التي عصفت بمختلف دول أوروبا، أذعن تشامبرلين للضغوط واستقال من منصبه. وعندما رفض المنصب اللورد هاليفاكس، الذي كان من المُتوقع أن ينجح في تولي رئاسة الحكومة، برز تشرشل بوصفه البديل الوحيد الجدير بالثقة لقيادة البلاد في تلك الظروف.

كيف أصبح تشرشل رئيسًا للوزراء؟

بحسب التقرير تفيد النسخة المقبولة عمومًا من الأحداث التاريخية أن اللورد هاليفاكس، الذي اختاره في الأساس تشامبرلين خلفًا له، رفض منصب رئيس الوزراء؛ لأنه تصور أنه لا يستطيع أن يحكم على نحو فعَّال بوصفه عضوًا في مجلس اللوردات، بدلًا عن مجلس العموم.

Embed from Getty Images

وقد جرت العادة أن رئيس الوزراء لا ينصح الملك بشأن مَنْ يخلُفه في المنصب، ولكن تشامبرلين أراد شخصًا يحظى بدعم الأحزاب الرئيسة الثلاثة في مجلس العموم، وقد أثمر اجتماع بين تشامبرلين، وهاليفاكس، وتشرشل، وديفيد مارجيسون، رئيس الحكومة السوط (منصب برلماني)، عن توصية للملك بتولي تشرشل المنصب، ونتيجةً لذلك طلب جورج السادس بصفته ملكًا دستوريًّا من تشرشل تولي منصب رئيس الوزراء، وكان أول ما قام به تشرشل هو توجيه الشكر لتشامبرلين على دعمه له.

وبحسب ما يختم الموقع تقريره، لو كانت الحرب العالمية الثانية وضعت أوزارها قبل مايو 1940 كما كان يأمل كثيرون، لكان التاريخ يذكر تشرشل الآن بوصفه مجرد لورد أول عادي يتحمل قدرًا محرجًا من المسؤولية عن إخفاقات حملة بريطانيا لمنع غزو ألمانيا للنرويج، ولكن مع تحول غريب في أحداث التاريخ، قوَّض هذا الفشل شعبية تشامبرلين، ومنح تشرشل الفرصة الكبيرة لدخول التاريخ من أوسع أبوابه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد