نشر موقع «لايف ساينس» مقالًا للصحافي جو فيلان يقول إنَّه على مر التاريخ البشري، كان أسلافنا راضين بالعيش في مجتمعات مكتفية ذاتيًّا إلى حد كبير، ولم يكن منتشرًا حينها العيش والعمل مع الغرباء، كما هو الحال اليوم في المدن والدول. كان الجميع يعرفون جيرانهم، ودورهم لضمان تماسك المجتمع. ووفقًا لنظرية لعالم الأنثروبولوجيا روبن دنبار، التي نشرها عام 1993؛ يمكن للمرء الحفاظ على علاقات اجتماعية مفيدة مع 150 صديقًا فقط.

هل لا تزال النظرية صامدة؟

يتساءل فيلان في مقاله عن هل لا تزال نظرية دنبار صامدة أمام الواقع. فبعد عقود من نشرها، لا يزال دنبار متمسكًا بها، مع دعمٍ من أبحاث أخرى. وفي هذا الصدد صرح دنبار لموقع «لايف ساينس»: «لم يطرأ أي تغيير على عدد العلاقات». ومع ذلك، فإن بعض الدراسات والخبراء يشككون في ذلك.

وقال صامويل روبرتس، أستاذ علم النفس في جامعة «جون مورس» البريطانية، للموقع: «هناك الكثير من الاختلاف في حجم الشبكات الاجتماعية للأشخاص. وكما هو الحال مع أي نظرية، يوجد نقد للعدد الذي حدده دنبار».

فلسفة

منذ سنة واحدة
دائرة معارف لا تزيد على 150 شخصًا! هل أثبتت السوشيال ميديا خطأ «نظرية دنبار»؟

ومن جانبها، تعتقد سارة جونز، طالبة الأنثروبولوجيا التطورية في جامعة «كنت البريطانية»، أنه على الرغم من أن رقم دنبار دقيق على نطاق واسع، فإنه يحمل في طياته العديد من التحذيرات.

وصرحت سارة للموقع: «لن أقول إن الرقم ثابت في كل الظروف، فمن المرجح أن تؤدي كلمة (قريبة وذات مغزى) إلى عدد أقل بكثير، ولكن هذا يمكن أن يعتمد أيضًا على عوامل فردية، مثل الانفتاح على المجتمع والانطوائية. ومع ذلك، فإن رقم دنبار مدعوم على نطاق واسع».

لماذا 150 صديقًا؟

ينقل فيلان عن دنبار: «الحد (150 صديقًا) مرتبط بالإدراك إلى حد كبير»، وأضاف أن هناك رابطًا بين حجم المجموعة الاجتماعية وحجم القشرة الدماغ الحديثة (Neocortex)؛ وهو الجزء من الدماغ المشارك في الوظائف عالية المستوى، مثل الإدراك الحسي، والعاطفة، واللغة، المرتبطة بالسلوك الاجتماعي لدى الرئيسيات (Primates).

تتفق سارة على أن عدد الأشخاص الذين يمكننا تكوين علاقات معهم هو إلى حد كبير نتيجة للكيفية التي أُجبر بها جنسنا البشري على العمل منذ فترة طويلة. قالت سارة: «يبدو أن هذا هو ما يمكن للبشر التعامل معه معرفيًّا. بالإضافة إلى رقم 150، فأنت بحاجة إلى المزيد من القواعد واللوائح الاجتماعية للحفاظ على العلاقات. ويتعين على البشر الموازنة بين القيام بأمورهم الخاصة للبقاء على قيد الحياة والتكاثر، ولكن أيضًا لمعرفة ما ينوي الآخرون فعله، ومن قد يساعدنا، ومن سيشارك الطعام معنا. 150 هو العدد المتوقع للأشخاص الذين يمكننا تتبعهم باستمرار والحصول على معلومات محدثة عنهم».

وفقًا لروبرتس، هناك أيضًا شيء آخر يجب مراعاته عندما يتعلق الأمر بقدرتنا على الحفاظ على علاقات تتجاوز حدودنا الإدراكية: الوقت والجهد اللازمين للقيام بذلك. وقال روبرتس: «إذا أخبرك شخص أن لديه 50 صديقًا مقربًا حقًّا، فمن المحتمل ألا تصدقه، لأن هناك شعورًا بديهيًا بأن الحفاظ على هؤلاء الأصدقاء المقربين يتطلب درجة من الجهد في التواصل والاجتماع وقدرًا كبيرًا من الوقت».

ومع ذلك هناك نظريات أخرى لا تتوافق مع نظريات دنبار، حيث يقترح البعض أن الرقم أعلى بكثير. وخلصت ورقة بحثية نُشرت في عام 1978 من قبل علماء أنثروبولوجيا إلى أن الرقم يقترب من 290. في حين حددت مقالة عام 2001 تقارن بين طريقتين مختلفتين؛ تُعرفان باسم «طريقة التوسع» و«طريقة الجمع» على عدد 291.

Embed from Getty Images

أب يصطحب ولديه خارج المنزل

وينوه فيلان إلى دراسة نشرت في مجلة «Biology Letters» عام 2001 تتساءل حول دقة رقم دنبار. ووفقًا للدراسة، أيدت بعض الدراسات التجريبية هذا العدد، في حين أبلغت دراسات أخرى عن أعداد مختلفة. وقال أندرياس وارتيل، الباحث في مركز التطور الثقافي في جامعة ستوكهولم والمؤلف المشارك للدراسة في بيان: «ليس من الممكن إجراء تقدير دقيق باستخدام الأساليب والبيانات المتاحة».

ومع ذلك، يحرص دنبار على تأكيد أن الرقم 150 هو متوسط عدد وليس حدًّا صارمًا، للعلاقات التي يمكن للفرد الحفاظ عليها. ويقترح أن هذه العلاقات الـ150 ليست متساوية في الأهمية أو درجة العلاقة الحميمة. قال: «من المهم أن نقدر أن العدد 150 هو ببساطة واحد من سلسلة كسورية من الطبقات في دوائر صداقتنا».

وأكد أن هذه الطبقات تُحدَّد من خلال «الكثافة العاطفية للعلاقة»، وكذلك الوقت الذي نميل إلى استثماره مع كل شخص، والأكثر من ذلك، وفقًا لجونز، أن العلاقة «الهادفة» ليست بالضرورة علاقة مبنية على الحب أو حتى الولاء.

قالت جونز: «قد لا نحب حقًّا الـ150 فردًا، لكننا نحافظ على العلاقة لأنها تساعدنا بطريقة ما، أو لأننا بحاجة إلى مواصلة التفاعل معهم. إنه ليس حدًّا له قيمة مرتبطة به، إنه مجرد سمة من سمات التطور البشري».

الانفجار السكاني

ظهر الإنسان الحديث منذ 300 ألف عام على الأقل، وفي معظم ذلك الوقت، لم تكن هناك مدن وبلدات كبيرة. وتعد «تشاتال هويوك»، التي تقع أطلالها في تركيا الحديثة، واحدة من أولى المدن في التاريخ، حيث يقترح الخبراء أنها بنيت منذ نحو 9 آلاف عام.

ووفقًا للمؤرخ إيان موريس، الذي كتب كثيرًا عن النمو السكاني العالمي في كتابه «لماذا يتفوق الغربي حتى الآن؟»، كانت تشاتال هويوك أكبر مستوطنة على هذا الكوكب لما يقرب من ألفي عام، مع عدد سكان نادرًا ما يتجاوز 3 آلاف نسمة.

ويضيف فيلان أنَّه منذ ذلك الحين توسع سكان العالم بسرعة، وأنشأوا مراكز حضرية ضخمة وكثيفة. وفي السنة الأخيرة قبل الميلاد، كانت هناك مدينة واحدة فقط في العالم يتجاوز عدد سكانها المليون، وهي روما.

في المقابل، وبحلول عام 2030 سيحتوي كوكبنا على 662 مدينة يزيد عدد سكانها على مليون نسمة، وفقًا للأمم المتحدة. ومن ثم فإن قدرتنا الحديثة على التواصل مع المزيد من الأشخاص، باتت أكبر من أي وقت مضى، فكل شخص في العالم تقريبًا لديه القدرة على أن يكوِّن صداقة.

صديقان يقضيان وقتًا ممتعًا

ولكن هل غيَّر المجتمع الحديث والتكنولوجيا عدد الصداقات التي يمكننا الحفاظ عليها؟ يقول دنبار: «لم يتغير أي شيء، لا يقتصر الحد فقط على تذكر من هم الأصدقاء، ولكن القدرة على فهم جودة العلاقة، وتوظيف تلك المعلومات عند التفاعل معهم».

ويختم فيلان مقاله بالقول إنَّ روبرتس أقل اقتناعًا قليلاً فيما يتعلق بتأثير الإنترنت. قال: «تتركز إحدى القضايا النظرية الرئيسية التي لم تُحل حول ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي، وخدمات الرسائل، ستغير هذه القيود بشكل أساسي من خلال تسهيل البقاء على اتصال مع الناس». لدى سارة وجهة نظر مماثلة. إذ قالت: «من الواضح أن التكنولوجيا الجديدة قد تزيد من عدد الأشخاص الذين نتفاعل معهم يوميًّا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد