نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تحقيقًا صحافيًّا حول رحلة الأرشيف الخاص بالحكم الشمولي لحزب البعث في العراق، والذي كان موجودًا في النصب التذكاري لمؤسس حزب البعث ميشيل عفلق، وأنقذه عراقيان أثناء الغزو الأمريكي للعراق من عبث الغوغاء واللصوص ليتجه هذا الأرشيف إلى مبنى البنتاجون في الولايات المتحدة، ثم إلى مؤسسة هوفر البحثية، ومن ثم إلى العراق مرةً أخرى، ولكن في ظروف ليست مواتية بالمرة.

 وفي البداية يشير التحقيق إلى أنه عندما انتشر اللصوص في بغداد بعد غزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003، سَمِع كنعان مكية أنهم في طريقهم نحو النصب التذكاري لمؤسس الجماعة السياسية، حزب البعث، التي تخرَّج منها صدام حسين والتي أصبحت قوة كبيرة أحدثت اضطرابات هائلة في منطقة الشرق الأوسط. وانطلق مكية ومصطفى الكاظمي، كل منهما من نشطاء حقوق الإنسان، صوب هذا الموقع، حيث وجدا كنزًا من المعلومات الرسمية في قبو مغمور بالمياه، والذي يلقي نظرة من الداخل على حزب البعث.

والآن، يشغل الكاظمي منصب رئيس وزراء العراق، أما مكية فيقيم في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة.

سياسة

منذ 5 سنوات
«ستراتفور»: كيف يؤثر حزب البعث العراقي على تنظيم «الدولة الإسلامية»؟

أمريكا تضع يدها على الأرشيف

وقد أُرسِل الأرشيف، الذي وضعت الولايات المتحدة يدها عليه لتحفظه مع تصاعد العنف داخل العاصمة العراقية منذ 15 عامًا، مرةً أخرى إلى بغداد سرًا. وهبطت طائرة شحن تابعة للبحرية الأمريكية في مطار بغداد يوم الاثنين وكانت تحمل أكثر من ستة ملايين صفحة من الأوراق التي تحفظ أسرار الديكتاتورية السابقة في العراق وأساليبها في الحكم، إلى جانب أسماء أعضاء حزب البعث والمخبرين التابعين له.

وجرى تصوير هذا الكنز الدفين باعتباره مصدر معلومات تاريخيًّا مفيدًا للعراقيين ووسيلة للانتقال نحو المصالحة في المجتمع العراقي الذي تخيم عليه الانقسامات العميقة. ومن منظور آخر، تحوَّل ظهور هذا الأرشيف في الوقت الحالي إلى تحدٍ خطير عند النظر إلى الأوضاع المشحونة في بغداد، حتى أنه سيُحفظ مبدئيًّا في مكان مغلق.

وقال مسؤول عراقي في بغداد: «نأمل أن نجهِّز مبنًى مؤسسيًّا مناسبًا حيث يمكن أن تصبح هذه الأوراق متاحة لعامة الناس، لا سيما الباحثين، للمساعدة في إطلاعنا جميعًا على الأهوال التي ارتكبها النظام البعثي». وأضاف: «نتمنى أن تكون هذه لحظة للدراسة، وليست لحظة للانتقام. وقد يستغرق إجراء هذا النوع من الترتيبات بعض الوقت».

Embed from Getty Images

فيلم وثائقي عن الديكتاتور

ولفت التحقيق إلى أنه في غضون الأشهر الأولى بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للإطاحة بصدام حسين، كان مكية يأمل حينذاك في أن تكون لحظة الدراسة هذه قريبة وممكنة. ووُلد مكية في بغداد، وذهب إلى الولايات المتحدة عام 1967 لدراسة الرياضيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. ولكن بعد أن تولى صدام حسين السلطة في عام 1979، تحول مكية بسرعة ليصبح واحدًا من المؤرخين البارزين لانتهاكات الديكتاتور العراقي. وبعد الكتابة تحت اسم مستعار خلال ثمانينيات القرن الماضي، غامر مكية بدخول شمال العراق في عام 1991 بمساعدة المتمردين الأكراد لتصوير فيلم وثائقي عن فظائع النظام، واعتمد في الفيلم جزئيًّا على كنز منفصل من المعلومات الخاصة بحزب البعث والتي جرى الاستيلاء عليها وتسليمها في وقت لاحق إلى الولايات المتحدة.

وكان مكية مؤيدًا للغزو الأمريكي، وعاد إلى بغداد في الأسابيع الأولى من الاحتلال بخيال واسع وبصيرة نافذة يحدوه الأمل في تأسيس «قاعدة ذكريات العراق»، والتي قد توثِّق تجارب الأمة مع النظم الديكتاتورية الشمولية. وكان يعتقد أن ذلك سيسمح للعراق الجديد بالبحث في جرائم الحرب وربما التوسُّع في العفو عن الجناة التائبين – وقد تحقق كثير من ذلك في المصالحة في جنوب أفريقيا بعد انتهاء حكم الفصل العنصري. وتحوَّل الكاظمي ليصبح قمة الإلهام في العمل السياسي في بغداد.

أصول حزب البعث

وأوضح التحقيق أن حزب البعث استند في الأربعينيات من القرن الماضي إلى حركة عربية قومية علمانية. وانضم صدام حسين إلى الجماعة عام 1957 واستخدم الالتفاف الاجتماعي حول الحزب لفرض إرادته الحديدية على الأمة بعد أن وصل إلى السلطة.

ولأن العاصمة العراقية تعرضت للنهب في عام 2003، سمع مكية أن الجماهير كانت تتجمع متجهة إلى نصب تذكاري لميشيل عفلق، وهو سوري الجنسية وكان أحد مؤسسي حركة البعث. وأصبح عفلق الرئيس الأسمى لحزب البعث في العراق، وبعد وفاته أُقيم ضريح سياسي على شرفه، إلى جانب تمثال ومكتبة تضم كتاباته ومؤلفاته. وبعد وصول مكية إلى النصب التذكاري برفقة الكاظمي، عثرا على أكوام من الوثائق الغامضة في القبو، والذي كان موجودًا أسفل مقر حزب البعث المجاور. وكان الأمر، بالنسبة للناشطين، أشبه بالعثور على معلومات عن شتازي (وزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقية أكثر المؤسسات المكروهة والمخيفة) بعد انهيار السلطة الشيوعية في ألمانيا الشرقية.

Embed from Getty Images

وبعد موافقة سلطات الاحتلال الأمريكية، نقل مكية الوثائق إلى مسكن عائلته السابق في بغداد والذي كان بمثابة مركزًا لمؤسسته. وهناك، تعاون هو والكاظمي مع مجموعة صغيرة من المتطوعين لفهرسة الأرشيف ودراسته، والذي كان يحتوي على معلومات شخصية عن التجمعات الاجتماعية، والمراسلات الداخلية، وقوائم المخبرين، بل وسجلات العائلات العراقية التي وقعَ أبناؤهم في الأسر خلال الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات.

وألمح التحقيق إلى أن الأرشيف كان ضخمًا، ومع سقوط قذائف الهاون بالقرب من المنزل وتلقى زملاء مكيه تهديدات بالقتل، ومع تصاعد أعمال العنف الطائفية داخل بغداد، تزايد قلق الباحثين بشأن إمكانية تعرض الأرشيف للتدمير أو الاستيلاء عليه من أعضاء سابقين في نظام صدام حسين، أو متطرفين شيعة مدعومين إيرانيًّا، أو مسلحين من تنظيم «القاعدة» في العراق. يقول مكية «تزايد قلقنا حيال ذلك، وأصبح من الواضح أن العراق لم يكن متأهبًا للتعامل مع ذكريات مثل التي حصلنا عليها».

كيف تحمى الوثائق؟

ومن أجل توفير حماية لمخبأ الوثائق، توجه مكية إلى بول وولفويتس، المسؤول الأعلى في البنتاجون، وتوصلا معًا إلى اتفاق في فبراير (شباط) 2005 لشحن الوثائق إلى الولايات المتحدة والتي خُزِّنت في البداية في فرجينيا الغربية. وهناك، كلَّف أحد المتعاقدين مع البنتاجون عددًا من السكان المحليين لترتيب الوثائق وترقيمها بمساعدة الباحثين الناطقين باللغة العربية. واعتقد بعض المسئولين الأمريكيين أن الوثائق قد تُوفر أدلة عن التمرد الناشئ في العراق وقتئذ، بينما رأي مكية أن التخلص من الوثائق بإرسالها إلى الولايات المتحدة وسيلة للحفاظ على الأرشيف.

وفي نهاية المطاف، أُرسِل الأرشيف إلى مؤسسة هوفر (المؤسسة الفكرية ذات التوجه المحافظ في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا). ولم يكن يُسمح بالوصول إلى الوثائق إلا تحت رقابة صارمة، ولم تُنشر أي وثيقة على الإنترنت، كما صدرت تعليمات مشددة إلى الباحثين بعدم الإفصاح عن أي تفاصيل ذُكرت في الوثائق تخص العراقيين المتمردين.

واستشهد التحقيق بما قاله مايكل بريل ، باحث دراسات عليا في كلية برينستون والذي درس الأرشيف: «إن الوثائق تُعد مصدرًا قيِّمًا جدًَا للطلاب العراقيين، لكن لابد، كما جرت العادة، ألا تقع هذه المستندات في أيدي الأشخاص الخطأ أو الذين قد يستخدمونها في الانتقام السياسي».

Embed from Getty Images

نقل الأرشيف محل نزاع

وشدد التحقيق على أن بالرغم من ذلك، كانت عملية نقل الأرشيف محل نزاع، إذ اشتكى مدير دار الكتب والوثائق الوطنية في العراق وعدد قليل من أمناء المحفوظات في كندا والولايات المتحدة من أن التخلص من الوثائق ونقلها إلى الولايات المتحدة يُعد سلبًا لتراث العراق. كما حثت جمعية أمناء المحفوظات الأمريكية ورابطة أمناء المحفوظات الكندية، في تقرير صدر عام 2008، على إعادة الوثائق إلى الحكومة الاتحادية العراقية، وهو الانتقاد الذي سعى مكية إلى تفنيده ودحضه بالقول إن السلطات العراقية وافقت رسميًّا على تولي مؤسسة هوفر مسئولية الحفاظ على الأرشيف.

 ونوَّه التحقيق إلى أن الولايات المتحدة أعادت، في عام 2013، كنزًا دفينًا وخاصًا من الوثائق استولت عليها في حرب عام 2003، دون أن يشعر الرأي العام العراقي. وهذا ما أيَّد اعتبارات بعض الباحثين الغربيين من إمكانية استغلال رئيس الوزراء العراقي، آنذاك، نوري المالكي لهذه الوثائق سياسيًّا، نظرًا لأنه تعرض لانتقادات شديدة بسبب سياساته الطائفية، وفقًا لمقال نشره بروس مونتجمري عام 2019، وهو أمين سابق للمحفوظات في كلية كولورادو وشارك مع بريل في تأليف كتاب إلكتروني عن أرشيف العراق.

بادرة لحسن النية

أما الآن، تتعامل الولايات المتحدة مع رئيس وزراء جديد وهو مصطفى الكاظمي، الذي تدرج في المناصب حتى أصبح رئيسًا لجهاز المخابرات العراقي وترك الإلهام ثم تقلد منصب رئيس الحكومة العراقية في مايو (أيار). وبعد أن قرر المسؤولون الأمريكيون إعادة الوثائق إلى العراق كبادرة لحسن نية للكاظمي، أصدرت الولايات المتحدة والعراق بيانًا مشتركًا نُشر في يوم 19 أغسطس (آب) أعلنوا فيه إعادة الأرشيف مع احتفاظ مؤسسة هوفر بنسخة رقمية من الوثائق.

وبحسب مسؤول أمريكي، طلب العراق إعادة الأرشيف، وأن الولايات المتحدة ليس لديها أي إثبات على أن الوثائق المعادة في عام 2013 أسيء استخدامها. أما بخصوص الوثائق التي أُعيدت يوم الإثنين، قال المسؤول: «إنها جزء من تاريخ العراقيين الذي يحق لهم الاحتفاظ به. والعراق دولة ذات سيادة، ويجب أن  يكونوا مسؤولين حيال اتخاذ الاحتياطات اللازمة لكي لا تتعرض هذه الوثائق لسوء الاستخدام المحتمل».

Embed from Getty Images

سرية عملية النقل

وذكر التحقيق أن عملية نقل الوثائق تمت في سرية خوفًا من محاولة الميليشيات المدعومة إيرانيًّا أو غيرها من الجماعات الخارجة على القانون اعتراض طريق الشحنة، والتي أصبحت مؤمنة تمامًا حاليًا وموجودة في مكان غير معروف في العاصمة العراقية.

وفي الختام، استشهد التحقيق بما قاله مونتجمري عن الأوراق: «إن العراق يستحق الحصول على إرثه التاريخي مرةً أخرى، ونشعر ببعض الثقة في أن حكومة الكاظمي ستتعامل معه بمسؤولية. لكن ما يحدث بعد انتهاء فترة رئاسة الكاظمي للحكومة قد يكون إشكالية كبيرة جدًّا».

عربي

منذ شهر
بدأ المعركة مبكرًا.. هل ينجح الكاظمي في كبح جماح الفصائل المسلحة العراقية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد