خلُصت الأبحاث إلى أنه كلما توطدت علاقات الدول العربية مع إسرائيل، امتلكت أنظمتها الحاكمة أدوات جديدة لقمع شعوبها.

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا أعدَّته دانا الكرد، أستاذة مساعدة في الحوكمة والعلوم السياسية بجامعة ريتشموند، سلَّطت فيه الضوء على أحد الأبعاد المهمة التي ستنتج من تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل، مشيرةً إلى أن الخاسر الأكبر من تلك العمليات هي الشعوب العربية التي ستشهد تزايدًا في ممارسات القمع وملاحقة المعارضة داخليًّا وخارجيًّا.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 8 شهور
قوانين مكافحة التطبيع عربيًا.. تجريم التعامل مع إسرائيل أم تشريع لها؟

استهلت الكاتبة تحليلها بالقول: في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الأمريكي جو بايدن لزيارة المملكة العربية السعودية ومقابلة تسعة من قادة الدول العربية، أفاد عدد من وسائل الإعلام السعودية والأمريكية والإسرائيلية أن هناك محادثاتٍ تُجرى حاليًا بشأن توسيع نطاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية المجاورة.

وسافرت ديبورا ليبستات، المبعوثة الأمريكية الخاصة بشؤون رصد معاداة السامية ومكافحتها، إلى السعودية لتشجيع مثل هذه المحادثات، وكشف بعض المسؤولين الإسرائيليين عن احتمالية إبرام اتفاق أمني إقليمي بقيادة الولايات المتحدة بين إسرائيل وبعض دول الخليج العربي. ومن جانبه، أكَّد بايدن أن السبب وراء زيارته إلى المنطقة هو أمن إسرائيل الذي يسعى لتحقيقه بدرجة أكبر حتى من التباحث بشأن أزمة النفط.

رؤية أمنية إقليمية

تشير الكاتبة إلى أن اتفاقيات أبراهام، التي وُقِّعت في عام 2020 وأسفرت عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة (إلى جانب البحرين والمغرب)، تُمثل حجر الزاوية في هذه الرؤية الأمنية الإقليمية. وقد دفع التنسيق الأمني ​​المتزايد، بالإضافة إلى زيادة معدلات التجارة الثنائية، بعض المحللين إلى استنتاج أن هناك «عملية سلام بدأت في الانطلاق». ولكن عملية التطبيع بين إسرائيل والدول العربية لا ترتبط بإحلال السلام في حد ذاته، إذ لم تكن الدول العربية التي طبَّعت العلاقات مع تل أبيب في حالة حرب مع إسرائيل من قبل، وقد توالت عمليات التطبيع تلك دون إحراز أي تقدم نحو المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.

Embed from Getty Images

وتضيف الكاتبة: «يُظهر بحثي الذي أجريته حول اتفاقيات أبراهام، وغيرها من خطوات التطبيع بين إسرائيل والحكومات العربية، أن مثل هذه الاتفاقيات يُمكن أن تؤثر تأثيرًا سلبيًّا في الأوضاع داخل الدول العربية المشاركة في التطبيع. ويرجع ذلك، على وجه التحديد، إلى أن هذا النوع من الاتفاقيات يُسهل تبادل التكنولوجيات، مثل برامج التجسس للمراقبة الرقمية، والتي قد تمكِّن الأنظمة الاستبدادية من زيادة ممارسات القمع. كما أن تطبيع الدول العربية للعلاقات مع إسرائيل قد يكون وسيلة للحصول على رضا واشنطن دون اضطرارها لإحداث تغييرات في سياساتها الداخلية المتعلقة بقضايا حقوق الإنسان والسجناء السياسيين».

وفي ضوء ذلك، تُفيد بعض التقارير بأنه يمكن فهم إطار الأمن الإقليمي، الذي يهدف بايدن إلى تأسيسه، على نحو أفضل، ليس بوصفه مجرد اتفاقية سلام ولكن بوصفه شكلًا من أشكال إدارة الصراع الاستبدادي. وقد تسوء الأوضاع المحلية لمواطني الدول التي ستنضم إلى هذا الإطار الإقليمي، وفقًا للكاتبة.

شرَاكات تكنولوجيا التجسس في تزايد

تُنوِّه الكاتبة إلى أن عملية التطبيع بين إسرائيل وشركائها الجدد تنطوي على مُكوِّن اقتصادي. وفي الآونة الأخيرة، كشفت دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية عن أرقام تُظهِر زيادة بنسبة 120% تقريبًا في التبادل التجاري الثنائي مع الإمارات منذ العام الماضي، وأظهرت زيادة كبيرة بنسبة 40% في العلاقات التجارية بين إسرائيل والمغرب. وتعكس تلك القفزات في التجارة الثنائية، بدرجة كبيرة، اتساع نطاق العلاقات بين هذه الدول، مثل الإمارات والصناعات الدفاعية الإسرائيلية، إذ تَضَاعف حجم الاستثمارات الإماراتية في شركات المراقبة والتجسس والقرصنة الإسرائيلية، إلى جانب عقد شراكات بين الشركات الإماراتية والإسرائيلية.

وأسفر ذلك عن سهولة حصول الإماراتيين على تكنولوجيات قمعية، مثل أدوات التجسس وطائرات المراقبة من دون طيار، التي يمكن للحكومات العربية استخدامها بعد ذلك لملاحقة الناشطين والمعارضين داخل البلاد وخارجها. ومن الأمثلة البارزة التي يُستشهد بها في هذا الصدد، هي قضية آلاء الصديق، الناشطة الإماراتية التي كانت تعيش في المنفى في العاصمة البريطانية لندن، والتي أبلغت عن تعرِّضها للقرصنة من جانب حكومة الإمارات باستخدام برامج إسرائيلية قبل أسابيع قليلة من وفاتها في حادث سيارة.

وعلى الجانب الإسرائيلي، تُسهم هذه الاستثمارات والأسواق الجديدة في تعزيز قدرة المنشآت الصناعية العسكرية الإسرائيلية على تطوير أدوات وأساليب جديدة، على الرغم من وجود قائمة سوداء وضعتها الولايات المتحدة تضم بعضًا من تلك الشركات مثل مجموعة «إن إس أو (شركة تكنولوجيا إسرائيلية تركز على الاستخبارات الإلكترونية)». 

دول الخليج تكبت المشاعر الداعمة للقضية الفلسطينية

تَلفت الكاتبة إلى أن عددًا من الدراسات الاستقصائية، بالإضافة إلى بحثها الميداني، أظهرت أن الغالبية العظمى من الجماهير العربية لا تزال مؤيدة للقضية الفلسطينية. وبصفة عامة، يعارض مواطنو الدول العربية التطبيع مع إسرائيل قبل حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وفي الواقع، تلجأ الحكومات العربية، في كثير من الأحيان، إلى التخلص من أي معارضة شعبية من أجل إتمام عملية التطبيع مع إسرائيل.

Embed from Getty Images

وأظهرت مجموعة كبيرة من الأبحاث والدراسات أن القضية الفلسطينية ما زالت تحشد الرأي العام العربي. وينطوي ذلك على مكون داخلي: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي لم يُحل يدفع المواطنين في الدول العربية لمطالبة حكوماتهم بقدر أكبر من المساءلة، ومن ثمَّ يُشكِّل تهديدًا للسلطة الاستبدادية.

وتتجلى هذه الديناميكية أيضًا في الدول التي طبَّعت العلاقات مع إسرائيل. وفي البحرين، اتخذت الحكومة تدابير للحد من الغضب الشعبي بشأن اتفاقيات أبراهام من خلال تمرير لوائح جديدة للخدمة المدنية تمنع موظفي الحكومة (جزء كبير من السكان) من التعبير عن آراء تتعارض مع سياستها الخارجية الرسمية. وفي الإمارات، حثَّ المسؤولون الحكوميون المواطنين والمقيمين على استخدام تطبيق مخصص للإبلاغ بعضهم عن بعض في حال ارتكاب جريمة معارضة السياسة الحكومية الرسمية. وبعد توقيع الاتفاقيات، سارعت الحكومتان لإسكات المعارضة، فعلى سبيل المثال فرَّقت الحكومة في البحرين الاحتجاجات ومنعت إقامة كثير من الفعاليات مثل حلقات النقاش والمحاضرات التي كانت تُلقى حول قضية فلسطين.

وتُشير الكاتبة إلى أن الروابط الاجتماعية في دول التطبيع شهدت، على ما يبدو، تدهورًا نتيجة لهذه الممارسات القمعية. وأفاد عدد من الناشطين الإماراتيين أن العائلات الإماراتية قطعت علاقاتها بأقاربها الذين تحدثوا عن تلك القضايا خشية التعرض إلى العقاب من الدولة. وعلى نحو مماثل في البحرين، يُلاحظ المواطنون أن تعبيرهم علنًا عن آرائهم أصبح «أكثر تقييدًا مما كان عليه في الماضي» وأن الشعب البحريني «مشوش» ويشعر بعدم الثقة في التحدث بأمان إلى أي شخص.

هل نشهد صراعات جديدة في المنطقة؟

وبالنظر إلى هذه الاتجاهات، فإن اتفاقيات التطبيع الإقليمية لا تعني أن السلام قد وصل إلى الشرق الأوسط، أو أن الأطراف لم تعد في حالة صراع. وفي مقابل ذلك، يبدو أن المستبدين في المنطقة يستخدمون السياسة الخارجية للمساعدة في كبح جماح المعارضة الداخلية. 

وتؤكد الكاتبة أن هناك خطرًا قد يؤجج صراعات جديدة. إذ يسمح التنسيق الأمني ​​المتصاعد داخل المنطقة لإسرائيل بتجاهل السبب الجذري للصراع العربي الإسرائيلي: الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وإنكار حق الفلسطينيين في تقرير المصير. ومن ثمَّ، سيجد الفلسطينيون أنفسهم في عزلة متزايدة عن جيرانهم العرب وتتضاءل آمالهم بشأن إمكانية حل الدولتين. وقد تتجرأ إسرائيل لاتخاذ خطوات أسرع وأكثر عدوانية، بما فيها ضم الأراضي الفلسطينية ومصادرة ممتلكات الفلسطينيين. وهذا بدوره، قد يؤدي إلى اندلاع مزيد من أعمال العنف، على غرار احتجاجات القدس الشرقية والقمع الإسرائيلي الذي حدث في صيف العام الماضي.

منطقة الشرق

منذ 8 شهور
مترجم: «أفق جديد» للتطبيع.. الإمارات توقع اتفاقية تجارة حرة كاملة مع إسرائيل

وربما تعتقد الإمارات وغيرها من الأنظمة العربية التي طبَّعت العلاقات مع إسرائيل أن زيادة مستويات القمع والحملات الرسمية الدعائية ستؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير الرأي العام، إلا أن هناك جيلًا جديدًا من الناشطين في العالم العربي أصبح على دراية أكثر فأكثر بالرابط الذي يربط بين نضاله من أجل تعزيز الديمقراطية والمساءلة في بلاده، وبين الظلم المستمر الذي يتعرض له الفلسطينيون. وعلاوةً على ذلك، يُدلل تاريخ المنطقة على تأثير الصراع الفلسطيني في حشد الشعوب سياسيًّا على نطاق واسع، بما في ذلك أثناء اندلاع انتفاضات الربيع العربي قبل عقد من الزمان. وعلى هذا النحو، يُمكن أن تتسبب اتفاقيات أبراهام في المشكلات نفسها التي تزعم أنها تخلصت منها، وفق ما تختم به الكاتبة تحليلها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد