نشر موقع «معهد الشرق الأوسط» دراسة لجيسي ماركس وهو المدير المشارك لقسم الشرق الأوسط والصين في شركة إيدلمان للاستشارات العالمية، حول أدوار الوساطة التي تقوم بها الصين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تسير فيها على خيط رفيع بين عدم التدخل وحماية مصالحها. 

على مدى العقدين الماضيين، اضطلعت الصين بدور أنشط في تشكيل نتيجة الصراعات في الشرق الأوسط حيث كانت تفتقر إلى المصالح الاقتصادية أو المادية المهمة. وأظهرت الصين درجة من المرونة فيما يتعلق بسياستها المتمثلة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتي تمثلت في سلسلة أوسع من جهود الوساطة في الحروب الأهلية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتطور نهج الصين في إدارة الصراع، كما تطورت دوافعها. ونبحث هذا التطور من خلال نافذة إدارة الصراع الصيني في السودان وليبيا وسوريا.

نهج الصين المتغير تجاه الوساطة

منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انتقلت الصين من كونها متجنبًا للصراع إلى مدير للصراع. وعرّضت إستراتيجية «التوجه نحو العالمية» الصينية في أواخر التسعينيات بكين لمخاطر السعي وراء مصالح في مناطق متقلبة وغنية بالموارد في أفريقيا والشرق الأوسط.

كانت الحوافز التي جذبت الصين إلى دول مثل السودان – المواد الخام وموارد الطاقة والنفط وأسواق التصدير الجديدة – مرتبطة باستقرار الدول الضعيفة، التي كان الكثير منها يعاني من عدم الاستقرار أو يتعافى من الحرب الأهلية. وزاد تعرض الصين لهذه المخاطر مع اتساع مشاركتها الاقتصادية، مما أجبر بكين على التعمق في الوساطة في الصراع، وفي بعض الأحيان حتى النشر النشط للقوات لحماية مصالحها ومواطنيها عندما فشلت الوساطة.

Embed from Getty Images

واتبعت بكين تدريجيًا نهجًا أكثر مرونة وتكيفًا تجاه الوساطة لإدارة الأزمات التي تشكل خطرًا على مصالحها، وإذا أمكن، حل النزاع بطريقة مواتية للمصالح الصينية. وهذا الموقف الدبلوماسي المتطور تجاه الصراع هو علامة على أن تفسير بكين لـ «عدم التدخل» في شؤون دولة أخرى ليس ثابتًا. ويتشكل عدم التدخل، من خلال درجة كبيرة من البراجماتية، خاصة عندما تكون المصالح والأصول على المحك.

ويجادل وزير الخارجية الصيني وانغ يي بأن نهج الصين في الصراع ينطوي على الإقناع بالسلام وتعزيز المحادثات والوساطة، وليس فرض حل أو استخدام سياسة القوة لفرض نتيجة معينة. وفي الواقع، يكون النهج مرنًا للغاية، حيث تُحدد استجابة الصين للأزمة بناءً على السياق المحدد للصراع وتأثيره في المصالح الوطنية للصين.

يهدف هذا إلى تزويد الصين بمزيد من المرونة في تأسيس رواية تهدف لإضفاء الطابع الاجتماعي على مشاركتها الأكبر في وساطة الصراع مع الجهات الإقليمية، مع تمييز نفسها عن الدول الغربية التي تنظر إليها على أنها تتدخل في شؤون الآخرين. ويسمي الباحث الصيني وانج ييتشو هذا النهج بـ«المشاركة الإبداعية» – أي استخدام الوساطة الحذرة والانتقائية والبناءة، وبهذه الطريقة، يلاحظ وانغ يي أن «المزيد من الدول على استعداد للترحيب بمشاركة الصين في تسوية المشاكل الدولية والإقليمية». 

ويطمس نهج الصين في الوساطة الخط الفاصل بين المشاركة والتدخل، ويوفر هذا الغموض مساحة لبكين لاتخاذ مواقف إستراتيجية. ويجادل مردخاي تشازيزا بأن دور وسيط السلام الدبلوماسي يعتبر هو وسيلة الصين «المشروعة» للتدخل دبلوماسيًا لتأمين مصالحها الخاصة من خلال إدارة الصراع في الدول الأخرى دون خيانة مبدأ عدم التدخل.

السودان

تشير الدراسة إلى أن الصين كانت في البداية غير مبالية بالعنف الذي قادته الدولة في دارفور، في فبراير (شباط) 2003. واعتقادًا منها أن أزمة دارفور قضية محلية، سعت بكين إلى تجنب اتخاذ أي موقف سلبي قد يهدد بتقويض تحالفها النفطي مع نظام عمر البشير. غير أن الغطاء الدبلوماسي الذي وفرته بكين للحكومة السودانية، أثار حفيظة الدول الغربية، مما أدى إلى دعوات للتدخل الإنساني الذي شكل بدوره تهديدًا محتملاً لمصالح بكين الأساسية في السودان.

عربي

منذ سنتين
دارفور.. قصة مدينة أبادها حميدتي وقواته!

وتحت ضغط دولي كبير في عام 2004، أفسحت لامبالاة الصين الطريق لوساطة ثانوية. واستخدمت بكين امتناعها عن التصويت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في سلسلة من قرارات دارفور الرئيسية (بما في ذلك إحالة مجرمي الحرب السودانيين المشتبه بهم إلى المحكمة الجنائية الدولية في مارس (آذار) 2005) وعينت مبعوثًا خاصًا للشؤون الأفريقية للتعامل بشكل مباشر مع المسؤولين السودانيين، وسعت بكين إلى ممارسة ضغوط هادئة على النظام لتحسين الوضع الإنساني في دارفور، ووقف القتل، والعمل على حل الأزمة.

Embed from Getty Images

وفي النهاية، أقنعت جهود الوساطة الصينية السودان بالتعاون مع المجتمع الدولي، والموافقة على قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة في دارفور. ونشرت قوات حفظ السلام الصينية إلى جانب قوات الاتحاد الأفريقي وعناصر عسكرية غربية متواضعة للغاية. وبذلك، حافظت بكين على مصالحها في الموارد، ومنعت الإطاحة بالنظام، وعززت دورًا أهم في أمن شرق أفريقيا من خلال نشر قوات حفظ سلام لها في دارفور.

وجلبت وساطة الصين النظام السوداني إلى طاولة المفاوضات، واستخدمت بكين علاقاتها مع الدولة السودانية، ودورها كوسيط رئيسي مع المجتمع الدولي كجزرة لتحفيز موافقة السودان على مهمة حفظ السلام واستخدمت العصا عندما ابتعد السودان عن مسار رغبة الصين، وهو نهج يشير يون سون إلى أن الصين استخدمته مع وساطتها للسلام في ميانمار في عام 2015 فيما لم يتكرر هذا النهج في ليبيا.

ليبيا

في عام 2011، امتنعت الصين عن التصويت على قرار مجلس الأمن الذي سمح بالتدخل العسكري للإطاحة بالقذافي من السلطة. وعرّض العنف اللاحق أكثر من 35 ألف مواطن صيني و75 شركة و50 مشروعًا كبيرًا للخطر. وردًّا على ذلك، نفذت الصين أكبر عمليات إجلاء غير قتالية في الخارج في غضون 12 يومًا – وهي أكبر عملية إجلاء خارجية لجيش التحرير الشعبي.

وأصبحت هذه التجربة حافزًا مهمًا للتحديث العسكري الصيني بسبب الفجوة في قدرات جيش التحرير الشعبي التي كشفتها التجربة. وفي العقد التالي، قامت بكين بتحديث جيش التحرير الشعبي لتأمين مصالحها الخارجية من خلال عمليات أمنية غير تقليدية مثل عمليات الانتشار لمكافحة القرصنة في خليج عدن وتوسيع المشاركة في عمليات حفظ السلام.

واكتسبت بكين خبرة إضافية ووسعت من قدراتها للاستجابة للتهديدات المحتملة لمصالحها الخارجية. وفي 2015، قامت البحرية الصينية بإجلاء ما يقرب من 600 مواطن صيني و225 من الرعايا الأجانب من عدن، اليمن إلى جيبوتي. وبعد عامين، افتتحت الصين أول قاعدة عسكرية أجنبية لها في جيبوتي.

عربي

منذ 3 شهور
هل تستطيع الوساطات الدولية والمحلية منع العودة إلى «النزاع المسلح» في ليبيا؟

وقدمت حالة ليبيا أيضًا أمثلة في منحنى تعلم السياسة الخارجية للصين. أولًا، كان امتناع الصين عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 1973 مخالفًا لموقفها بشأن عدم التدخل، وكان هذا التغيير مدفوعًا إلى حد كبير بإجماع الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي الذين أيدوا القرار. وامتنعت الصين عن التصويت اعترافًا بالمصالح الأفريقية والعربية، ونتيجة لذلك، اتهم نقاد محليون الصين بـ«المساومة على مبادئها» وأثاروا تساؤلات حول ما إذا كانت الدولة قد خانت مبدأ عدم التدخل.

ومكّن قرار الصين على نحو غير مباشر التدخل، الذي عرّض آلاف العمال الصينيين للحرب الأهلية الليبية. وستشكل هذه التجربة في نهاية المطاف نهج الصين تجاه الصراع السوري، حيث كانت تفتقر إلى المصالح المادية أو الاقتصادية المهمة، لكنها مارست دبلوماسية دولية ومتعددة الأطراف وثنائية مهمة لتشكيل مسار الصراع.

سوريا

تلفت الدراسة إلى أنه في السنوات الأولى من الحرب الأهلية السورية، سعت الصين إلى تصحيح مسار مشاركتها السابقة في ليبيا. وبينما لم يكن لدى الصين مصالح مادية أو اقتصادية مهمة في سوريا، وضعت صدمة التدخل الليبي للسياسة الخارجية الصينية منع تغيير النظام في قلب نهجها تجاه سوريا، مع منع حدوث أزمة إنسانية كأولوية ثانوية.

وفي السنوات الأولى من الحرب الأهلية السورية، كانت الوساطة الصينية رفيعة المستوى إلى حد كبير، وركزت على استخدام حق النقض ضد قرارات مجلس الأمن الدولي التي تهدف إلى إدانة أو فرض عقوبات على الأسد لاستهدافه المدنيين أو تلك التي قد تكون ذريعة غربية لتغيير النظام. والتزمت الصين بموقفها المناهض للنظام، لكنها ستمارس ضغوطًا أكبر على الأسد من خلال آليات الأمم المتحدة لكبح عنفه ضد المدنيين بعد سلسلة من الهجمات الكيماوية المميتة.

Embed from Getty Images

وفي فبراير 2014، صوتت الصين لصالح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2139، الذي طالب النظام السوري برفع الحصار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وإيصال المساعدات إلى البلد بأكمله، فيما تحدى الأسد مطالب مجلس الأمن. وردًا على ذلك، في يوليو (تموز) 2014، وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع على القرار 2165 وسمح للأمم المتحدة بتسليم المساعدات عبر الحدود إلى سوريا من الدول المجاورة دون الحاجة إلى موافقة سوريا أو إذنها. وشكلت هذه الخطوة سابقة قوية على قدرة مجلس الأمن الدولي على التدخل، دون قوة عسكرية، في الأزمات الإنسانية.

ويعد قرار الصين بدعم القرار 2165 مثالاً على تدخلها في الشؤون السورية، كما يتجلى في عدة عوامل رئيسية: أولاً، جرى تقويض جهود الصين لتحسين الوضع الإنساني في سوريا بسبب استخدام الأسد للقوة ضد المدنيين. ثانيًا، أدى تحدي النظام لمطالب مجلس الأمن الدولي بوقف العنف إلى زيادة الدعوات الدولية للتدخل العسكري وتغيير النظام. وقد أدى ذلك إلى الضغط على الصين لكبح جماح عنف الأسد مع منع الإطاحة به في نفس الوقت، ومكّن القرار 2165 الصين من تحقيق كليهما.

ومن خلال الموافقة على آلية تقديم المساعدات عبر الحدود، رسخت الصين أمن النظام على المدى الطويل. وخفف القرار الضغط الغربي على الصين، ومكّن بكين من تحويل تركيزها من منع تغيير النظام إلى بناء قدرة النظام على حكم سوريا بأكملها في نهاية المطاف. ولأن القرار يتطلب تجديدًا سنويًا، فقد سعت الصين إلى إعادة السيطرة تدريجيًا على الحدود إلى الحكومة السورية مع تضاؤل ​​ديناميكيات الصراع. 

وفي السنوات الأخيرة، استخدمت الصين علاقاتها الإقليمية مع الدول العربية لتسهيل التعاون بين الدول العربية بشأن سوريا وتشجيعه وتسهيل عملية التطبيع معها. ويرجع إغلاق نافذة تغيير النظام في سوريا، في جانب منه إلى جهود الصين، وتعمل جامعة الدول العربية والعديد من الدول على زيادة انخراطها مع سوريا. وفي يناير (كانون الثاني) 2022، انضمت سوريا رسميًا إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية بعد ما يقرب من خمس سنوات من المفاوضات.

خاتمة

الصين لاعب جديد في الوساطة في الصراع في الشرق الأوسط، ولكن الفارق الرئيسي في نهجها تجاه الصراع هو مدى تأكيد بكين على مبدئها الأساسي المتمثل في عدم التدخل، بينما تعيد في الوقت نفسه تعريف «المشاركة» المقبولة دون تجاوز الخط الأحمر للتدخل.

Embed from Getty Images

لقد مكّن هذا النهج بكين من استخدام أشكال انتقائية من «المشاركة الإبداعية» لتحقيق أهدافها الخاصة، وإعادة تنظيم سلوك الدول المتنازعة عندما تنحرف عن المسار المرغوب، كما لوحظ في سوريا والسودان، غير أن المشاركة الإبداعية للصين هي مفهوم متغير، وحددت جهود الصين في ليبيا وساطتها الأكثر قوة وشمولية في سوريا. وفي غضون ذلك، أصبحت حتى أسوأ العواقب التي واجهتها بكين – الإجلاء الجماعي للمواطنين في ليبيا – علامة فارقة مهمة في منحنى التعلم في الصين وحددت مسار تحديثها العسكري ومشاركتها طويلة الأمد في الشرق الأوسط.

ومع اكتساب الصين مزيدًا من الثقة في قدراتها في مجال الوساطة، قد تجد حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن نهج بكين أكثر تأكيدًا للذات في متابعة مصالحها عبر مجموعة من أدوات التأثير. ومع محاولة الولايات المتحدة التحول إلى آسيا، ستبحث العديد من الدول في المنطقة عن دول أخرى لملء فراغ الوساطة الذي ستتركه الولايات المتحدة خلفها، بحسب ما يختم الكاتب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد