نشر موقع «كوارتز» مقالًا لمراسلته في هونج كونج ماري هوي عن الإجراءات التي تتخذها الحكومة المركزية الصينية لفرض مزيد من السيطرة على هونج كونج مستغلة انشغال العالم بتفشي جائحة كورونا لتحقيق ذلك الهدف.

وتقول هوي: «إن شوارع هونج كونج كانت هادئة إلى حد كبير خلال الأشهر القليلة الماضية مقارنةً بما كانت عليه الأمور خلال العام الماضي؛ فلم تعد هناك تظاهرات احتجاجية حاشدة، إذ مكّث الناس في بيوتهم للحد من تفشي وباء (كوفيد-19)».

وتتابع «ولكن وبعيدًا عن أنظار العالم، ظهرت تغيرات جذرية بسرعة لافتة داخل المدينة. فبعد 10 أيام فقط من رفع السلطات حالة الإغلاق التي استمرت لأسابيع بمدينة ووهان، مركز تفشي الوباء، وجهت الصين ناظرها إلى هونج كونج، وزادت من حجم الضغوط، بينما كان بقية العالم منشغلًا بالجائحة».

بكين تتدخل بالقوة في شؤون هونج كونج

كانت شرارة البداية التي أطلقتها بكين في 17 أبريل (نيسان) الماضي؛ عندما أنهى مكتب الاتصال الصيني في هونج كونج العمل بنظام السوابق القضائية، والمعمول به طيلة أكثر من عقدين (تنص المادة 84 بدستور هونج كونج على أن تفصل المحاكم في القضايا وفقًا للقوانين السارية ويمكنها أن تشير إلى السوابق القضائية الصادرة عن الولايات القضائية الأخرى التي تطبق القانون العام)، معلنًا أن له مطلق الصلاحية للتدخل في شؤون هونج كونج؛ ما ترك علماء القانون وخبراء الدستور في حالة ذعر.

في اليوم التالي اعتُقِل 15 من كبار قادة الحركة الديمقراطية في هونج كونج؛ نظرًا لمشاركتهم في احتجاجات العام الماضي. وبعد عدة أيام، أصدر مكتب شؤون ماكاو وهونج كونج بالحكومة المركزية عددًا من البيانات عبر خلالها عن دعمه لمكتب الاتصال، بينما وجه في الوقت نفسه إدانة للسياسيين والمعارضين.

في غضون خمسة أيام، أعيدت صياغة قواعد الاشتباك بين بكين وهونج كونج – التي يفترض أنها مدينة تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية في شؤونها – بالكامل. وفي حين بدا أن هونج كونج احتوت حالات الانتقال المحلي لعدوى (كوفيد-19)، كان المحتجون يتلهفون مجددًا للتعبير عن قائمة طويلة من المظالم.

Embed from Getty Images

الشرطة تتعامل بعنف مع التجمعات الصغيرة

بالفعل تجمعت حشود صغيرة في شتى أنحاء المدينة داخل مراكز التسوق للغناء وترديد الشعارات، بيد أن الشرطة سارعت إلى تفريقهم برذاذ الفلفل والهراوات، واتهمت المتظاهرين بخرق قواعد التباعد الاجتماعي، بينما كان مرتادو الحانات والمتظاهرون الموالون للحكومة يفعلون ما يحلو لهم دون أي عائق.

بالنسبة للكثيرين، كانت ازدواجية المعايير واضحة؛ إذ كانت الشرطة تستغل قواعد الصحة العامة لقمع المتظاهرين المناهضين للحكومة. وتقول المراسلة ماري هوي إن وحشية الشرطة كانت أحد أكبر مظالم المتظاهرين التي لا تزال دون حل حتى الآن؛ إذ لم يُتهم أي ضابط بالاستخدام المتكرر للقوة المفرطة خلال الاحتجاجات.

وخلال الشهر الجاري، أطلقت الشرطة رذاذ الفلفل من مسافة قريبة على صحفيين، وأجبرتهم على الركوع والجلوس في وضع القرفصاء، بموازاة توجيه الإساءات لهم، كما أسقطت أرضًا نائبًا برلمانيًا معارضًا، واحتجزت طالبًا يعمل مراسلًا، يبلغ من العمر 12 عامًا، واتهمه أحد الضباط بأنه مثير شغب خارج عن القانون.

تصاعد الغضب العام تجاه الشرطة وسط سلسلة من الفضائح التي تورط فيها ضباط مؤخرًا، ومن بينها فضائح متعلقة ببناء غير قانوني في مقرات إقامة قادة كبار في جهاز الشرطة، وفضائح أخرى متعلقة بحيازة المخدرات.

الترهيب وسيلة للحيلولة دون عودة الاحتجاجات 

ينقل المقال عن أستاذ العلوم السياسية المساعد في جامعة لينجنان بهونج كونج، سامسون يوين، قوله: «أصبحت الشرطة أكثر تشددًا الآن؛ لأنها تريد القضاء على أية بادرة على وجود احتجاجات قبل أن تتعاظم.. تقضي سياسة القمع العنيف بترويع الجميع ليبقوا بعيدين عن الشوارع؛ ما يعني أن الثمن سيكون باهظًا للغاية إذا تظاهرت».

علوم الثورة

منذ 11 شهر
«نيويورك تايمز»: كيف كانت أزمة الهوية سببًا في احتجاجات هونج كونج؟

بدأت الاحتجاجات في هونج كونج العام الماضي بمسيرات ضخمة ضد مشروع قانون تسليم المجرمين المثير للجدل، استقطبت أكثر من مليون مشارك، وحتى يسبق المحتجون الشرطة بخطوة؛ تبنوا إستراتيجية «كن كالماء» خلال مشاركتهم في تظاهرات غير قانونية في شتى أنحاء المدينة.

وأعقب ذلك حصار خانق في الجامعات المحلية، بالرغم من أن الكثيرين كانوا يرون ذلك بأنه خطأ تكتيكي مكلف. والآن يقول المحتجون إنه مع نضوج الحركة الاحتجاجية، ونتيجة اعتداءات الشرطة التي تحدث دون رادع؛ ستغدو أشكال المقاومة أكثر تنوعًا.

يرى الناشط الحقوقي جونسون يونج من هونج كونج أن زخم الاحتجاجات لم ينتهِ، بيدَ أنه ينتقل إلى إجراءات مختلفة. ويضيف أنه بصرف النظر عن المسيرات الضخمة، يملك المحتجون الآن ترسانة أعمق من الوسائل يمكنهم الاعتماد عليها.

وسائل جديدة لمقاومة سلطة بكين

من بين هذه الوسائل «الدائرة الاقتصادية الصفراء»، والتي تشير إلى مقاطعة المحتجين للشركات المرتبطة بالحكومة المركزية. ويلفت يونج إلى إنشاء العشرات من النقابات العمالية الجديدة منذ نهاية العام الماضي، التي تضم الآن قرابة 200 ألف عضو؛ الأمر الذي يخلق مجالًا يمكن خلاله احتضان المقاومة وتشجيعها.

في فبراير (شباط) الماضي، على سبيل المثال، كان يُنظر إلى إضراب نقابة العاملين في المجال الطبي على أنه نجح في الضغط على الحكومة من أجل سن ضوابط حدودية أكثر صرامة مع انتشار الوباء في البر الرئيس للصين، بيد أن الحكومة المركزية تنفي أنها استسلمت لمثل هذا الضغط. وربما تستفيد الحركة النقابية من قوتها الاقتصادية المكتشفة حديثًا لاستنهاض الهمم من أجل الحصول على حقوق أكبر.

كما أن مواطني هونج كونج تعلموا دمج الاحتجاجات في نسق حياتهم اليومية. إذ لم تعد الاحتجاجات قاصرة على مظاهرات ضخمة في الشوارع، بل غدت أسلوبًا طبيعيًا جديدًا من المقاومة الحية. وأصبحت هناك علامات مميزة الآن على المقاومة، مثل: الشركات يجب التعامل معها، ووسائل إعلام التي ينبغي التفاعل معها، وحتى تصميمات الألوان والإيماءات عبر حسابات وسائل التواصل الاجتماعي.

يقول يوين: «إن احتجاجات العام الماضي حوّلت المعارضة إلى نشاط سري للغاية». ويضيف: «إنها جزء لا يتجزأ من حياتك اليومية، كما أنها تتسم بالقدرة على التكيف بشكل مدهش، لا سيما بين الشباب الصغار».

Embed from Getty Images

قوانين جديدة لفرض مزيد من السيطرة

خوفًا من عودة معارك الشوارع الضارية التي اندلعت العام الماضي، تقول ماري هوي: «إن بكين تدفع حكومة هونج كونج لتمرير سلسلة من القوانين التي ستعزز من سلطة الحكومة المركزية، ومن بينها مشروع قانون يُجَرِّم عدم احترام النشيد الوطني الصيني. ومن المقرر إجراء مناقشة ثانية حول ذلك التشريع نهاية الشهر الجاري».

ثمة قانون آخر متعلق بالأمن القومي يقول النقاد إنه قد يُجَرِّم جانبًا كبيرًا من الأنشطة المناهضة للحكومة. ومع اقتراب الانتخابات التشريعية في سبتمبر (أيلول) المقبل، يخشى الكثيرون من أن تجد الحكومة وسائل لإقصاء مرشحي المعارضة. وفي واقع الأمر، فإن الرسائل المتواصلة من جانب بكين، والتي تستهدف أحد النواب الحاليين، تشير إلى أن لديهم فعليًا أسماء يضعونها في الحسبان.

وبالرغم من أن مكتب اتصال بكين في هونج كونج اعتاد البقاء بعيدًا عن الأنظار داخل مقره الواقع على أطراف الحي التجاري الرئيسي في المدينة، فإنه يعلق الآن علنًا على كل قضية محلية داخل هونج كونج.

دولي

منذ سنة واحدة
احتجاجات هونج كونج ليست الأولى.. تاريخ التمرد ووقائع الثورة في الإقليم الصيني

فخلال الأسبوع الماضي، وصف مكتب الاتصال المحتجين في هونج كونج بأنهم «فيروس سياسي»، وهو توصيف مزعج يماثل استخدام بكين لمصطلح «فيروس أيديولوجي» في الإشارة إلى إقليم شينجيانج. كما انتقد الحزب الشيوعي انتهاك المحتجين في هونج كونج لمبادئ السوق الحرة من خلال مقاطعة الشركات الصينية.

تتعرض المدارس لضغوط أيضًا؛ إذ يخشى المعلمون الانتقام جزاء دعمهم للاحتجاجات، وحذرت الرئيسة التنفيذية لهونج كونج، كاري لام، من «تسميم» الطلاب بـ«معلومات مغلوطة ومتحيزة»، مشيرة إلى أن المناهج التعليمية المدنية معرضة «للاختراق» بأفكار «معادية».

في ختام المقال تقول الناشطة وونج جي يوت من هونج كونج، إنها كانت تمر بجوار موقع احتجاجات الأسبوع الماضي مصادفة عندما أوقفها رجال الشرطة، وتحرشوا بها جنسيًا. وأدركت في تلك اللحظة أن المقاومة من الممكن أن تستغرق وقتًا في أي مكان وزمان.

وتضيف: «ربما تكون في طريق مسيرك، ولا يُعجب رجال الشرطة بمظهرك، أو يفقدون صوابهم ويعتقلونك.. وهذا الأمر في حد ذاته أصبح جزءًا من المقاومة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد