سلَّط جيه يوجين كلاي، أستاذ مشارك في قسم الدراسات الدينية بجامعة ولاية أريزونا، الضوء على صراع الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا، وكيف يعكس هذا الصراع التوترات الروسية الأوكرانية على مدار التاريخ، وذلك في تقرير نشره موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي.

في مطلع التقرير يُشير الكاتب إلى أنه بينما تحشد روسيا قواتها على الحدود الأوكرانية استعدادًا للغزو المحتمل ظهرت على السطح توترات جديدة بين الدولتين من خلال الصراع الذي تشهده الكنيسة الأرثوذكسية. وهناك كنيستان أرثوذوكسيتان مختلفتان تدعي كل واحدةٍ منهما أنها هي التي تمثل الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية الحقيقية الوحيدة للشعب الأوكراني. وتعرض كلتا الكنيستين رؤيتين متضاربتين تمامًا للعلاقة بين الشعبين الأوكراني والروسي.

كنيستان أرثوذوكسيتان

يقول الكاتب إن التاريخ الديني لروسيا وأوكرانيا أصابني بالدهشة منذ زيارتي الأولى للعاصمة الأوكرانية كييف في عام 1984 في إطار تبادل علمي. ومن خلال بحثي الحالي حاولتُ استكشاف تاريخ الدين المسيحي ودوره الخاص في المجتمعات والسياسات الأوروآسيوية. ومنذ غزو روسيا لأوكرانيا وضمها شبه جزيرة القرم في عام 2014، شهدت العلاقات بين الدولتين توترًا استثنائيًّا. وانعكست هذه التوترات في النهجَين المختلفين المتَّبعين للكنيستين في التعامل مع روسيا.

ويُوضح التقرير أن الكنيسة الأقدم والأعرق هي الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (بطريركية موسكو). وأفادت إحصاءات الحكومة الأوكرانية أن هذه الكنيسة كان لديها رعايا في عام 2018 يتجاوز عددهم 12 ألف شخص. وتُعد هذه الكنيسة فرعًا تابعًا للكنيسة الأرثوذكسية الروسية وتخضع للسلطة الروحية للأسقف كيريل الأول بطريرك موسكو. وكان البطريرك كيريل وسلفه البطريرك ألكسي الثاني يُؤكدان مرارًا وتكرارًا على الروابط القوية التي تربط بين شعبي أوكرانيا وروسيا.

وعلى النقيض من ذلك تحتفل الكنيسة الثانية الأحدث من حيث التأسيس، وهي الكنيسة الأرثوذكسية لأوكرانيا، باستقلالها عن العاصمة موسكو. وكانت الكنيسة الجديدة قد تأسست بمباركة من البطريرك المسكوني برثلماوس الأول رئيس أساقفة القسطنطينية، بعد اجتماع المجلس الرسمي المقدس في كييف في ديسمبر (كانون الأول) 2018، وانتُخب المتروبوليت إبيفاني رئيسًا لها. وفي يناير (كانون الثاني) 2019 اعترف البطريرك بارثولماوس الأول رسميًّا بالكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا بصفتها عضوًا منفصلًا ومستقلًا، وعلى قدم المساواة مع الكنائس الأرثوذكسية العالمية.

التحرر من السلطة الدينية الخارجية

أبرز التقرير أن الكنيسة الأرثوذكسية لأوكرانيا، التي تتمتع بالحكم الذاتي بالكامل، كانت تتويجًا لعقود من الجهود التي بذلها المتدينون الأوكرانيون الذين أرادوا أن تكون كنيستهم الوطنية الخاصة متحررة من أية سلطة دينية خارجية. وبوصفها تعبيرًا عن الاستقلال الروحي لأوكرانيا شكَّلت هذه الكنيسة الأرثوذكسية الجديدة ذات الحكم الذاتي في أوكرانيا تحديًا لموسكو. ويُطلق على الكنيسة الأرثوذكسية لأوكرانيا في المصطلحات الأرثوذكسية أنها كنيسة ذات سلطة دينية مستقلة حرة.

Embed from Getty Images

وعلى عكس الكنيسة الكاثوليكية، التي لديها قائد روحي واحد يتمثل في البابا، تنقسم الكنيسة الأرثوذكسية في جميع أنحاء العالم إلى 14 كنيسة معترف بها عالميًّا ومستقلة وحرة أو ذاتية. ولكل كنيسة مستقلة من تلك الكنائس رئيس الخاص بها. وتعتنق كل كنيسة مستقلة المعتقدات نفسها التي تؤمن بها الكنائس الشقيقة. وتُعد معظم الكنائس المستقلة كنائس وطنية، مثل الكنائس الأرثوذكسية الروسية والرومانية واليونانية. وفي الوقت الحالي تُطالب الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (بطريركية موسكو) بمكانتها بين الكنائس المستقلة الأخرى.

وتضم الكنيسة الأرثوذكسية لأوكرانيا أكثر من 7 آلاف من الرعايا في 44 أبرشية. وتتعامل هذه الكنيسة مع الروس والأوكرانيين على أنهم شعبان مختلفان، يستحق كل منهما أن تكون له كنيسته المستقلة.

الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة لأوكرانيا

يُنوه التقرير إلى أن القضية الرئيسة التي تفصل بين الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا وبين الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (بطريركية موسكو) هي علاقتهما بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وعلى الرغم من أن الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (بطريركية موسكو) تتمتع باستقلالية كبيرة في شؤونها الداخلية، لكنها في نهاية الأمر تُعد تابعة للأسقف كيريل الأول بطريرك موسكو، الذي يُؤكد رسميًّا أنه قائدها الروحي. وتؤكد هذه الكنيسة على الوحدة التي تربط بين المتدينين الأرثوذكس من الروس والأوكرانيين.

وفي المقابل تُعلن الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا استقلالها عن أية هيئة دينية أخرى. ومن وجهة نظر أنصارها يسمح لهم هذا الاستقلال بإنشاء تجسيد أوكراني خاص للمسيحية.

تراث مسيحي أرثوذكسي مشترك

يلفت التقرير إلى أن المسيحية الأرثوذكسية في كل من روسيا وأوكرانيا تعد هي التقاليد الدينية السائدة. وبحسب مسح أجراه مركز «بيو» للدراسات والأبحاث في عام 2015، عرَّف 71٪ من الروس و78٪ من الأوكرانيين أنفسهم على أنهم من الأرثوذكس. ولم تزل الهوية الدينية عاملًا ثقافيًّا مهمًا في كلتا الدولتين. ويعود تحول روسيا وأوكرانيا إلى المسيحية الأرثوذكسية إلى عام 988 بعد الميلاد في عهد الأمير الأكبر لكييف، وهو الأمير الوثني الذي عمَّده المبشرون من القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، وكان يُعرف عند الروس باسم فلاديمير، ويُعرف باسم فولوديمير عند الأوكرانيين. وبعد ذلك أصبحت كييف أهم مركز ديني لقبائل السلاف الشرقيين.

Embed from Getty Images

وبعد تعرُّض كييف للدمار على أيدي المغول في عام 1240، تردَّت أحوال المدينة حتى في ظل ازدهار موسكو، جارتها الشمالية، وتنامي قوتها. وبحلول عام 1686 ميلادية احتلت روسيا شرق أوكرانيا وكييف، وفي ذلك العام نقل بطريرك القسطنطينية رسميًّا سلطته الروحية على أوكرانيا إلى بطريرك موسكو. وفي القرن العشرين طالبت حركة قومية متنامية باستقلال أوكرانيا لكل من الكنيسة والدولة. وعلى الرغم من حصول أوكرانيا على استقلالها في عام 1991 ميلادية ظلت الكنيسة الأرثوذكسية الوطنية الوحيدة المعترف بها عالميًّا خاضعة لموسكو.

وكان بعض المسيحيين الأرثوذكس الأوكرانيين قد حاولوا إنشاء كنيسة مستقلة في أعوام 1921 و1942 و1992، إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل إلى حد كبير، ولم يعترف المجتمع الأرثوذكسي العالمي بتلك الكنائس التي أنشأوها.

كنيسة أرثوذكسية أوكرانية مستقلة

وألمح التقرير إلى أنه في أبريل (نيسان) 2018 حاول بيترو بوروشينكو، رئيس أوكرانيا آنذاك، من جديد إنشاء كنيسة أرثوذكسية أوكرانية مستقلة. وزعمت ثلاث كنائس مختلفة على أقل تقدير أنها الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية الحقيقية. وكان بوروشنكو يسعى للتوحيد بين هذه الهيئات الكنسية المتنافسة. وكانت الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (بطريركية موسكو) أكبر كنيسة، وحظيت باعتراف المجتمع الأرثوذكسي العالمي، لكنها كانت آنذاك خاضعة لسلطة بطريرك موسكو الروحية، وهو الوضع الذي لا يقبله العديد من الأوكرانيين.

ومن ناحية أخرى فشلت كنيستان أخريان، وهما الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة في أوكرانية، والكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (بطريركية كييف)، في الحصول على اعتراف من الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.

دعم الكنيسة الأوكرانية

يُؤكد التقرير أن البطريرك المسكوني برثلماوس الأول دعم مشروع بوروشنكو. وبصفته رئيس أساقفة القسطنطينية، العاصمة القديمة للإمبراطورية البيزنطية، يتمتع برثلماوس بمرتبة الشرف الأولى بين جميع رؤساء الكنائس الأرثوذكسية. وعلى الرغم من أن المسيحية الأرثوذكسية الشرقية ليس لديها أسلوب واضح لإنشاء كنيسة مستقلة جديدة، زعم برثلماوس أن لديه سلطة منح إنشاء الكنيسة. ونظرًا لأن أوكرانيا اعتنقت المسيحية أساسًا بعد تلقيها من البيزنطيين، كانت القسطنطينية هي الكنيسة الأم لكييف.

Embed from Getty Images

وفي ديسمبر 2018 حلَّ مجلس التوحيد رسميًّا الفروع الأخرى للأرثوذكسية في أوكرانيا، وأنشأ الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا. وفي يناير 2019 وقَّع برثلماوس مرسومًا رسميًّا، أو وثيقة توموس، يعلن فيه أن الكنيسة الجديدة كنيسة مستقلة.

التأييد والإنكار

يشير التقرير إلى أن الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا حصلت حتى الآن على الاعتراف من أربع كنائس أرثوذكسية مستقلة أخرى؛ إذ رحبت كنائس القسطنطينية، والإسكندرية، واليونان، وقبرص، بالكنيسة الجديدة. بينما رفضت ثلاث كنائس مستقلة أخرى رفضًا واضحًا الكنيسة الجديدة. حتى أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أعلنت قطع الشراكة الكنسية مع بطريركية القسطنطينية بسبب دورها في إنشاء الكنيسة الجديدة.

وفي هذا الصدد قال ناديزدا كيزينكو، مؤرخ بارز في المسيحية الأرثوذكسية: إن «برثلماوس مزَّق الوحدة الأرثوذكسية لإنشاء كنيسة ذات شرعية مشكوك فيها». وعلى العكس من ذلك رحَّب سيريل هوفورون، اللاهوتي المعروف، بالكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا على اعتبار أنها «مظهرًا إيجابيًّا على التضامن مع الشعب الأوكراني الذي عانى من العدوان الروسي».

رؤيتان للتاريخ

وأفاد التقرير أنه في الوقت الحاضر يعكس تجسيد الأرثوذكسية بين الكنيستين المتنافستين في أوكرانيا رؤيتين تاريخيتين مختلفتين للعلاقة بين الروس والأوكرانيين. ومن وجهة نظر بطريركية موسكو يُعد الروس والأوكرانيون شعبًا واحدًا، لذا ينبغي أن توحدهم كنيسة واحدة. وهي العبارة التي ذكرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقاله المنُشور مؤخرًا. ووصف الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا بأنها اعتداء على «الوحدة الروحية» للشعبين الروسي والأوكراني.

أما الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا فلديها وجهة نظر مختلفة تمامًا؛ إذ رفض رئيسها المتروبوليت إبيفاني، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية، بشدة «التقاليد الإمبراطورية الروسية»، مؤكدًا أن الأوكرانيين بحاجة إلى كنيسة مستقلة لأن شعبها مستقل ولديه ثقافة مختلفة وفريدة.

وفي ختام تقريره يؤكد الكاتب أن مستقبل الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا غير واضح. وصحيحٌ أنها تتمتع بدعم عدد من الكنائس الشقيقة، لكنها في الوقت نفسه تواجه معارضة شرسة من موسكو، ولم تزل تمثل في الوقت الحالي مصدرًا للجدل والتوترات بين روسيا وأوكرانيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد