نشر موقع «The Verge» تقريرًا لمراسلته المختصة بالشؤون العلمية جوستين كالما يُبيِّن فيه كيف أن الآثار الاستعمارية لا تزال تمتد إلى علوم الأرض، متسببة بحالةٍ من احتكار المعرفة والتسبب بالانحيازات العلمية ووقوع الجور على السكان المحليين للبلدان التي رضخت للاستعمارات الغربية في تاريخها.

احتكار للمعرفة

لا يزال أثر الاستعمار (الكولونيالية) متداخلًا في علوم الأرض إلى حدٍّ يمتد فيه أثره القبيح حتى يومنا هذا، رغم جهود العلماء الحثيثة لإصلاح الضرر الذي تسببت به حقبة الاستعمار في تلك الميادين العلمية، التي تقول الكاتبة إنها خضعت في الغالب لتوجهات الرجال البيض من الدول الغنية على مرِّ السنين.

تستشهد الكاتبة بدراسةٍ نُشرت شهر فبراير (شباط) من العام الجاري في دورية «نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن»، خلصت الدراسة إلى أن 97% من البيانات الأحفورية في قاعدة البيانات العالمية الرئيسة تأتي من مؤلفين مقيمين في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، ما يعني أن العلماء من الدول الغربية ما زالوا المحتكرين الرئيسيين للنتاج المعرفي في مجال الأحافير على الصعيد العالمي. 

تاريخ

منذ سنة واحدة
«فورين بوليسي»: كيف تغيَّرت مفاهيم العلوم السياسية في آخر 50 عامًا؟

يشير مؤلفو الدراسة إلى الطريقة التي يتعامل بها الباحثون الغربيون عادةً مع البيانات الأحفورية من البلدان الأخرى، فبمجرد قيامهم ببحوثهم أو استكشافاتهم هناك يعودون إلى مؤسساتهم الأصلية، ويتعذر بعدها إتاحة النتائج التي توصلوا إليها للسكان المحليين لتلك البلدان التي جرت فيها البحوث، غالبًا ما تكون هذه البلدان هي نفسها الأماكن التي زرع فيها المستعمرون أعلامهم سابقًا دون أي اعتبار للسكان الأصليين للبلد؛ يتسبب هذا السلوك بخلق حواجز أمام الخبراء المحليين ممن لهم القدرة على الإسهامِ بطرقٍ غنية تساعد على تطوير فهمنا للعالم بالمجمل.

والحال يتلخص في مقولة عالمة الحفريات البيولوجية نسيبة رجا شوب – وهي المؤلفة الرئيسة للدراسة – والتي تعد أن «ما يحدث عمليًّا هو حرمان الكثير من الناس من المعرفة التي كان يفترض أن يمتلكوها في المقام الأول».

تحيزات أساسية

تنوِّه الكاتبة إلى أن المشكلة لا تنحصر في مجال الحفريات البيولوجية، إذ إن احتكار المعرفة ضمن المؤسسات النخبوية في شمال الكرة الأرضية يظهر في مختلف ميادين علوم الأرض، ويعوِّق الدراسات المعنيَّة بالقوى المشكلة للطبيعة المحيطة بنا. 

تقول راجا شوب – التي تدرس تطور الشعاب المرجانية – إن انعدام الإنصاف فيما يخص المسؤولين عن إجراء البحوث ومن لديهم إمكانية الوصول إلى البيانات يهدد أيضًا بظهور التحيزات في البحوث الجديدة التي يُفترض أن تساعدنا في فهم شكل عالمنا المستقبلي.

Embed from Getty Images

تشرح الكاتبة عمل رجا شوب، إذ تعتمد الباحثة على سجل الأحافير لفهم زمن انقراض الشعاب المرجانية، وكيفية انقراضها وكذلك ما الذي نجا منها، ويستند بحثها على قاعدة البيانات العالمية نفسها التي وجدت أنها تتألف بأكملها تقريبًا من أعمال نشرها مؤلفون من أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية؛ تعبِّر رجا شوب عن قلقها من احتمالية وجود التحيزات في سجل الأحافير بناءً على كيفية جمع الباحثين الغربيين للبيانات، وهو ما قد يؤثر تبعًا لذلك في نتائج بحثها. 

تبيِّن رجا شوب مثلًا أن هنالك تمثيلًا أكبر لمناطق معينة في أبحاث علم الأحافير، وهو ما قد يؤدي لخلق تحيزات في أخذ العينات، فوفقًا لدراستها الجديدة يبدو أن ميانمار والدومينيكان والمغرب من ضمن «الوجهات البحثية» الأكثر شعبية في هذا المجال.

ليس التحيز في بيانات الشعاب المرجانية أمرًا عابرًا؛ إذ تعد التحيزات في البيانات التي تعمل عليها رجا شوب مثيرةً للقلق بشكلٍ خاصٍّ؛ لأنها تشكل أساس التنبؤات العلمية بشأن ما قد يحدث للشعاب المرجانية في المستقبل مع التغير المناخي. 

تُعدُّ النظرة المستقبلية للشعاب المرجانية أمرًا في غاية الأهمية؛ لأن العلماء يتسابقون لإنقاذها من الانقراض الكلي من الكوكب، فمن المتوقع أن يموت 99% من الشعاب المرجانية في المستقبل إذا ما استمرت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من جرَّاء حرق الوقود الأحفوري المستمر دون رادعٍ حتى الآن.

كيف يؤثر ذلك في العلوم المختلفة؟

لا يؤثر التحيز الغربي السائد في علوم الأرض في تشويه معرفتنا العامة تجاه مختلف أنحاء الأرض فحسب، بل إن الأمر يتعدَّى ذلك إلى مستوياتٍ أخطر؛ فحسب ما تنقله الكاتبة عن ألين جيلاردي – عالم الحفريات البيولوجية في الجامعة الفيدرالية في «ريو غراندي دو نورتي»، وأحد المؤلفين المشاركين في الدراسة – قد يؤدي ذلك التحيز إلى «تأخير أو حتى إعاقة الابتكارات والاكتشافات العظيمة في المجال العلمي للنقص في البيانات الشاملة جغرافيًّا والعوز في تعدد الأفكار والمعرفة المحلية الجيدة».

Embed from Getty Images

يشرح جيلاردي الأمر أكثر ضمن بريد إلكتروني أرسله للموقع: «يمكن أن يؤدي عدم توازن القوة هذا إلى إبعاد العديد من العقول العبقرية عن العلم أيضًا، لأنهم لم يولدوا في (مركز القوة العلمية) أو لأن الإنجليزية ليست لغتهم الأم».

وقد تظهر مشكلات أخرى من كثرة عمل الباحثين الغربيين في دول أجنبية عنهم؛ تذكر رجا شوب العنبر (الكهرمان) مثالًا خاصًّا على ذلك، وهو الراتنج الشجري المتحجر الذي يمكن له أن يغلِّف حشرة أو سحلية أو حتى ذيل ديناصور؛ تورد رجا شوب وفريقها في بحثهم كيف انعدم ذكر أي باحث بورمي محلي في ورقة بحثية مختصة بالحفريات التي عُثر عليها في كهرمان ميانمار، وفي الوقت نفسه يُعد شراء كهرمان ميانمار لأبحاث الحفريات البيولوجية المتركزة في الخارج أمرًا مرتبطًا بانتهاكات حقوق الإنسان إلى درجة يضغط فيها بعض علماء الحفريات البيولوجية لمقاطعتها تمامًا.

تجربة باحث محلي

يبدو الأثر الاستعماري نفسه في حالة الأستاذ المساعد في جامعة ولاية كارولينا الشمالية مادوسودان كاتي، الذي يقول إن هذا الأمر تداخلَ في حياته المهنية وخبراته في علم البيئة لأصوله الهنديَّة.

لشرح ذلك تعود الكاتبة إلى سيرة حياة كاتي: بدأ كاتي في دراسة نوعٍ من طيور الهوازج في الهند عندما كان طالب دكتوراة في التسعينيات، لكنه لم يعثر على كمٍّ كافٍ من البيانات المعنيَّة، وتحديدًا فيما يخص هجرة الطيور عبر شبه القارة الهندية؛ كان كاتي مسجلًا في جامعة أمريكية آنذاك، وتصادف وجود أستاذ بريطاني استطاع مساعدته في الوصول إلى متحفٍ بريطاني يضمُّ مجموعةً أكبر وأشمل بكثير، في هذا الصدد يعلِّق كاتي قائلًا إن الكثير من الباحثين غير الغربيين لا يحالفهم هذا الحظ ببساطة.

ساهم كاتي في تأليف بحثٍ نُشر في مايو (أيار) يتحدث عن إنهاء الاستعمار البيئي، وقد تضمن خريطة توضح أن البلدان في أفريقيا وأمريكا الجنوبية التي كانت تستعمرها القوى الأوروبية سُميت معظم أنواع الطيور فيها بألقابٍ أوروبية. 

تشير الكاتبة إلى وجود حركةٍ كاملة لإلغاء أسماء الطيور العنصرية؛ إذا نجحت هذه الحركة ستُوضع ألقاب جديدة لما يصل إلى 150 طائرًا جرت تسميتهم سابقًا على أسماء أشخاصٍ استفادوا من فترة العبودية، يوجد ناشطون كذلك يضغطون ليدفعوا المتاحف إلى إعادة الأحافير والآثار والعينات المجموعة من الجزء الجنوبي من العالم دون موافقة السكان المحليين على مدى فتراتٍ وأجيال كثيرة. 

Embed from Getty Images

يضيف كاتي أن المنتزهات الوطنية وغيرها من «المناطق المحمية» هي مثال عامٌّ آخر على الطريقة التي تسربت بها العقلية الاستعمارية إلى جهود حماية البيئة في العصر الحديث؛ تقوم هذه المناطق على فكرة حماية الأراضي من مدِّ النمو الحضري لها، لكن ذلك يحدث عادةً بعد أن يُطرد سكانها الأصليون الذين عاشوا لأجيالٍ هناك دون أن يدمروا البيئة أو المشهد الطبيعي المراد حفظه.

وينقل التقرير عن كاتي رأيه: «لقد ضيَّقنا تفكيرنا حول النُّظم البيئية من خلال التفكير بالناس والطبيعة على أنهما فئتان منفصلتان، وأعتقد أن هذه نتيجة حصرية للنظرة الاستعمارية الأوروبية»؛ تشدِّد ورقة كاتي البحثية على مبدأ تكريم المعرفة والخبرة المحليتين، في سبيل تضميد الجروح القديمة ومنع تكرار ما حصل في التاريخ من إساءات، كما توجد أبحاث آخذة في الازدياد بشأن النُّظم البيئية التي تزدهر تحت وصاية السكان الأصليين ورعايتهم. 

اقتراحات الباحثين للحلول

تقول الكاتبة إن هنالك طرقًا عملية لإزاحة وتخفيف المظالم المتجذرة في مجالات علوم الأرض، ومنها ما ورد في الأوراق البحثية المنشورة مؤخرًا لرجا شوب وغيلاردي وكاتي، يعتقد هؤلاء المختصون بأن الإقرار بذلك التاريخ الخسيس هو بداية الطريق، ومن ثم اتخاذ خطوات كافية للحرص على إتاحة مجموعة المعارف المتركزة في المتاحف والمؤسسات الأكاديمية في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية أمام شريحة أوسع من الأشخاص المعنيين.

قد تشمل إتاحة المعارف خطوة إعادة العناصر الموجودة في المتاحف إلى المجتمعات التي أُخذت منها أصلًا، وهي حركة بدأت بالانتشار في أماكن متعددة مثل مدينة نيويورك؛ استهدف الناشطون المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي مثلًا، مطالبين المسؤولين عنه بضرورة إعادة الرفات البشرية والأشياء المقدسة والأغراض المهمة المسروقة من السكان الأصليين.

منطقة الشرق

منذ سنة واحدة
هل استقل «العالم الثالث» حقًّا عن الاستعمار؟

يشير كاتي إلى خطوةٍ مهمةٍ أخرى، وتتمثل في إنهاء التعريف الاستعماري السائد الذي يُحدد من يُعد «خبيرًا» ومن ينزع عنه هذا اللقب، ليصبح التعريف شاملًا بصورةٍ أفضل للسكان الأصليين وغيرهم من حفظة المعرفة المحليين؛ ويقول كاتي إن الأخيرين لديهم معرفة وثيقة بأوطانهم، وإن لم يترافق ذلك مع شهادة درجة دكتوراة قرب أسمائهم.

يريد العلماء أيضًا – بمن فيهم رجا شوب – أن تُتاح المزيد من المسارات الأكاديمية للأشخاص القادمين من المجتمعات الممثلة تمثيلًا ناقصًا مقارنةً بنظرائها، يمكن أن يتحقق ذلك عبر تخصيص تمويل أكبر للتعاون بين الباحثين الأجانب والمحليين، وفقًا لما كتبته رجا شوب وغيلادري في الورقة البحثية المعنيَّة، فكما تصيغ رجا شوب الأمر: «أسلوبنا الحالي ليس مستدامًا وقد يتسبب بانحياز علومنا، وينبغي علينا تعلم كيفية تطوير التعاون الأخلاقي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد