أجرت صحيفة «واشنطن بوست» تحقيقًا حول تصاعد الإصابة بفيروس كورونا المُستجد في بلدان حققت في البداية انتصارًا ملحوظًا على تفشي المرض، لكن هذه النتيجة سرعان ما تبدلت وبدأت الأعداد تتزايد إلى الحد الذي فاق نظيرتها في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ما دفع محررو الصحيفة لاستقصاء الأمر والبحث عن أسبابه.

إنجاز لم يكتمل

يقول محررو التحقيق إن كلًا من إسرائيل، وإسبانيا، وفرنسا، حاربت فيروس كورونا المُستجد في الأشهر الأولى من الجائحة من خلال إجراءات صارمة نالت إشادة دولية. لكن البلدان الثلاثة تشترك الآن في نتيجة مؤلمة؛ إذ تجاوزت معدلات الإصابة بها نظيرتها في الولايات المتحدة، على الرغم من أن الأمريكيين لم يسيطروا على الفيروس مطلقًا.

ويقول الخبراء والمسؤولون إن تجربة هذه الدول الثلاث توضح صعوبة كبح جماح الفيروس طويلًا، وكيف أن إعادة فتح البلاد بسرعة كبيرة، بالإضافة إلى عثرات أخرى، يمكن أن تقوِّض السياسات الوطنية الناجحة. أما البلدان ذات النهج الأكثر فوضوية، مثل الولايات المتحدة، فالتحدي يصبح أكبر.

Embed from Getty Images

يقول هانز كلوج، كبير مسؤولي منظمة الصحة العالمية في أوروبا، للصحفيين يوم الخميس الماضي: «نحن في وضع يزداد سوءًا». وأضاف: «إن الأعداد المتزايدة في القارة يجب أن تكون بمثابة دعوة لنا جميعًا للتيقظ، ولنكن أكثر يقظة بشأن انتقال المرض». وفي غضون ذلك، دخلت إسرائيل يوم الجمعة الماضي في فترة إغلاق جديد لمدة ثلاثة أسابيع، وهي ضربة مريرة خاصة أنها تتزامن مع بداية الأيام اليهودية المقدسة.

وإذا أخذنا في الاعتبار عدد السكان، نجد أن عددًا قليلًا من البلدان لديها معدلات إصابة بفيروس كورونا أعلى مقارنةً بالولايات المتحدة. لكن إسرائيل وإسبانيا وفرنسا – جميعها في وضع مماثل للولايات المتحدة، من حيث إنها ديمقراطيات ذات أنظمة طبية متقدمة وميزانيات ضخمة للصحة – تميزت بإحرازها تقدمًا كبيرًا في مواجهة الخطر الصحي قبل أن تشهد تراجعًا في المكاسب التي حققتها.

وأشار محررو التقرير إلى أن إسرائيل استخدمت برنامجًا صارمًا لتعقب المخالطين والحجر الصحي للإبقاء على معدلات الوفيات لديها أقل من عديد من نظيراتها. لقد أجبرت إسبانيا، التي اجتاحها الموت لدرجة أنها اضطرت إلى تحويل حلبة للتزلج على الجليد في مدريد إلى مشرحة، المواطنين على البقاء داخل منازلهم لمدة ستة أسابيع مع استثناءات قليلة. واحتاج السكان الفرنسيون إلى شهادات موقَّعة بأنهم يقومون بمهمات ضرورية خلال الساعة التي سمحت لهم فيها السلطات بالخروج من منازلهم كل يوم.

وبحلول أوائل يونيو (حزيران)، بعد شهور من الإغلاق، تمكَّنت كل دولة من خفض حالات الإصابة إلى قرابة حالة واحدة لكل 100 ألف شخص كل يوم. وكانت الحالات في الولايات المتحدة ترتفع وبلغت 6.4 إصابة بين كل 100 ألف مقيم.

أوروبا تعتقد أنها تجاوزت ذروة الموجة الأولى من فيروس كورونا

يقول مايكل بيرنبوم، مدير مكتب بروكسل لصحيفة «واشنطن بوست» إن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قال في خطاب وطني ألقاه يوم 20 يونيو، قبل ساعات من رفع حكومته لحالة الطوارئ: «تعرضنا لضربة شديدة للغاية، لكننا قاومنا. ونجحنا في تسوية المنحنى، واحتوينا انتشار الفيروس، وقمنا بذلك معًا». وأضاف: «سنكون يقظين». وتابع: «لكن يجب أن نفخر أيضًا بما حققناه».

صحة

منذ شهرين
مترجم: لماذا تبدو موجة فيروس كورونا الثانية في أوروبا أقل فتكًا من سابقتها؟

وفي اليوم نفسه الذي كان يحتفي فيه سانشيز بنجاح إسبانيا، كانت هناك رسالة مختلفة تمامًا من رئيس الولايات المتحدة. كانت حالات الإصابة بفيروس كورونا المُستجد في الولايات المتحدة 11 ضعفًا مقارنةً بتلك الموجودة في إسبانيا، قياسًا بعدد السكان، وكان الرئيس ترامب ينظم مسيرة لحملة انتخابية داخلية في مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما، على الرغم من اعتراضات مسؤولي الصحة العامة. ووصف ترامب اختبارات الإصابة بالفيروس بأنها «سيف ذو حدين»؛ لأن إجراءها يؤدي إلى اكتشاف المزيد من الحالات.

وبلغت الحالات في الولايات المتحدة ذروتها بعد شهر وظلت مرتفعة منذ ذلك الحين.

لكن الحالات كانت على وَشْك استئناف ارتفاعها في إسبانيا وفرنسا وبدأت بالفعل في الزيادة في إسرائيل. ولقد انتهت مدة الراحة التي شهدتها البلاد – عندما خُفِّفت إجراءات الإغلاق دون التسبب في ارتفاع ملحوظ في حالات الإصابة.

إسرائيل تشهد ارتفاعًا في انتشار كورونا من جديد.. لماذا؟

تقول روث إجلاش، مراسلة «واشنطن بوست» في تل أبيب: إن إسرائيل تشهد الآن أحد أسوأ معدلات الإصابة في العالم بالنظر إلى عدد سكانها: فعلى مدار الأسبوع الماضي، أعلنت إصابة 47 حالة في المتوسط ​​يوميًّا لكل 100 ألف من السكان. وفي إسبانيا، بلغ متوسط الإصابة 22 حالة في اليوم لكل 100 ألف شخص، أما فرنسا، التي بلغ متوسط عدد الإصابات بها 13 حالة، فقد سجلت أيضًا أرقامًا قياسية يومية.

وسجَّلت الولايات المتحدة في المتوسط ​​خلال الأسبوع الماضي 12 حالة إصابة في اليوم لكل 100 ألف شخص.

وتشير روث إجلاش إلى أن تلك المقارنات لا تُعد مثالية، لأن توافر اختبار الإصابة بالفيروس يختلف من بلد إلى آخر، وربما يكون بعضها مُقوِّضًا للقياس. فمعدل الوفيات في الولايات المتحدة لا يزال هو الأسوأ بين الدول الأربع: معدل الوفيات في الولايات المتحدة، قياسًا بعدد السكان، يزيد بمقدار 1.5 مرة عنه في إسرائيل، ويمثل ضعف معدل الوفيات في إسبانيا، ويمثل خمسة أضعاف مثيله في فرنسا.

Embed from Getty Images

وفي هذا الصدد، قالت كاثرين سمولوود، كبيرة مسؤولي الطوارئ في برنامج الطوارئ الصحية بمنظمة الصحة العالمية: «لا تزال الولايات المتحدة تتعامل مع الذروة الرئيسة الأولى للفيروس، وستشهد المزيد من التحديات المماثلة التي يواجهها عدد من الدول الأوروبية الآن».

وأشارت كاثرين إلى أنه نظرًا لأن أنظمة الصحة العامة أصبحت أكثر استعدادًا مما كانت عليه في فصل الربيع، فإن عودة ظهور الفيروس لا تنبئ بالضرورة عن المستوى نفسه من المعاناة الإنسانية التي كانت في وقت سابق من هذا العام، كما أنها لا تتطلب بالضرورة عمليات إغلاق شاملة في جميع أنحاء البلاد من أجل السيطرة عليها.

تصاعد الإصابة لكن الوفيات أقل

يقول بعض الخبراء الإسبان إن جمود إغلاقهم ربما أدَّى إلى اندفاعهم لإعادة فتح البلاد.

ويقول رافائيل كانتون، رئيس قسم علم الأحياء الدقيقة في مستشفى جامعة رامون واي كاجال في مدريد: «كان الإغلاق في إسبانيا رائعًا. وربما كانت الدولة الأفضل في هذا الصدد». وأضاف: «لقد كان أمرًا خطيرًا للغاية». وتابع: «ولكن ربما بسبب هذه الأشهر من الإغلاق الصارم للغاية، عندما فتحنا البلاد، كان معدل الإصابة لسوء الحظ سريعًا للغاية».

لقد تعرَّضت مستشفى جامعة رامون واي كاجال لهجوم من الحالات المصابة التي هبطت عليها في بداية الجائحة. وبحلول نهاية شهر مارس (أذار)، كان هناك ألف مريض مصاب بفيروس كورونا في العنابر؛ بزيادة 100 شخص فوق طاقتها العادية. وقال كانتون، بعد أربعة أشهر، شعرتْ المستشفى وكأنها عالم مختلف – عالم شبه عادي. وأضاف: «ومع ذلك، وخلال أوقات من شهر يوليو (تموز)، لم يكن لدينا أي مرضى هنا بسبب فيروس كورونا».

لكنه عندما رأى أول مجموعة من مرضى فيروس كورونا الجدد يأتون مرة أخرى في بداية أغسطس (آب)، قال إنه تملكه إحساس بالغرق. يقول كانتون: «قلتُ، حسنًا، هذا ليس وضعًا جيدًا». وأوضح أن هناك الآن 200 مريض بفيروس كورونا في المستشفى مرة أخرى. ويقول الخبراء: «إن معظم الحالات الجديدة في إسبانيا خفيفة وتتركز بين الشباب، على الرغم من ارتفاع أعداد المرضى في المستشفيات، وكذلك الوفيات».

من المسئول عن ارتفاع نسب الإصابة بالفيروس مرة أخرى؟

يُلقي مسؤولو الصحة العامة باللوم في زيادة حالات الإصابة على مجموعة من العوامل التي تخدم انتشار الفيروس. فموسم العطلة نشر الفيروس في جميع أنحاء البلاد، ولم شمل العائلات مرةً أخرى، وأحيانًا تخطوا حدود حجم التجمعات.

Embed from Getty Images

وانغمس المراهقون في جلسات شراب حتى وقت متأخر من الليل، متجاهلين أيضًا قواعد التجمعات العامة. وحصلتْ الحكومات الإقليمية على تفويض بشأن تبني ما تراه من سياسات تتعلق بالجائحة، مما أدى إلى اتباع قواعد واستراتيجيات متباينة على نحو حاد. وفشل اختبار الإصابة وتعقب المخالطين في مواكبة الارتفاع في الحالات.

والآن من المقرر إعادة فرض عمليات الإغلاق الصارمة على الأجزاء التي تضررت بشدة من مدينة مدريد في نهاية هذا الأسبوع. يقول أنتوني تريلا، عميد كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة برشلونة: «لا نعرف في الوقت الحالي ما إذا كنا في قمة الموجة أم نواجه أسابيعَ أخرى من الزيادات».

إسرائيل تستعد مجددًا للإغلاق لأسباب مختلفة

وبحسب روث إجلاش، ذروة المرض في إسرائيل لا تلوح في الأفق. وبعد الزيادة الحادة التي حدثتْ في شهر يونيو، استقرت أعداد العدوى عند مستوى مرتفع، ثم ارتفعت بسرعة مرةً أخرى هذا الشهر. وتتجه إسرائيل إلى إغلاق ثانٍ مع ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا.

يقول كبار مسؤولي الصحة الإسرائيليين إنهم أصبحوا ضحايا نجاحهم الأولي إلى حد ما. وقال وزير الصحة يولي إدلشتاين في مقابلة: «في البداية، بدا الأمر وكأنه هجوم من المجهول. وتلقينا تحذيرات من أن الملايين سيموتون. ولكن بعد ذلك رأى الناس أن الأمر لم يكن فظيعًا على هذا النحو – ومن الواضح أن الناس كانوا يعانون ويموتون – لكن الأمر لم يكن بهذا السوء، لذلك ظهرت على الفور أصوات تقول إنها ليست مشكلة كبيرة».

وأضاف إدلشتاين أن السياسيين واجهوا تحديًّا في إقناع المواطنين باتباع القواعد للحد من انتشار الفيروس. وقال: «من الواضح، في دولة مثل إسرائيل، كما هو الحال في الديمقراطيات الأخرى، أن الحكومة لا تستطيع فرض قيود كثيرة على حريات الناس لأوقات طويلة من الزمن». وأضاف: «يجب أن يناقش البرلمان هذه القرارات ويوافق عليها، ولذلك الأمر ليس سهلًا دائمًا».

الإجراءات الإسرائيلية مسيسة وليست علمية بحتة

من ناحية أخرى، قال خبراء آخرون إن الشعور بأن التصرف الإسرائيلي تجاه تفشي الفيروس كان مسيَّسًا وليس علميًّا صارمًا قد دفع بعض الناس إلى تجاهل الإرشادات. وكانت هناك تطبيقات غير متكافئة على ما يبدو لسياسات الجائحة – ففي الوقت الذي كانت مراكز التسوق بطيئة في إعادة فتح أبوابها، كانت شركة إيكيا أسرع في الفتح – مما أثار الاتهامات بالمحاباة السياسية. ووجَّه النقاد سهام النقد ضد الاستثناءات الممنوحة لجاليات معينة لتمكينها من أداء العبادة الجماعية أو تنظيم المظاهرات الجماهيرية.

Embed from Getty Images

يقول حجاي ليفين، رئيس الجمعية الإسرائيلية لأطباء الصحة العامة وعضو فريق العمل الوطني الذي تشكَّل للتعامل مع الأزمة: «لأسباب سياسية، لم يُطبَّق القانون في بعض الأماكن». وأضاف: «رأينا حفلات زفاف جماعية بمشاركة مسؤولين رفيعي المستوى، وأحداث أخرى، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان ثقة الجمهور». وقال إنه قَلِق من أنه دون التزام علني واسع النطاق، فإن أي مكاسب من الإغلاق العام الجديد ستكون قصيرة الأجل.

هل ينقذ الإغلاق العام في فرنسا ما يمكن إنقاذه؟

أشار جيمس مكولي، مراسل الصحيفة في باريس، إلى أن الإغلاق العام الصارم الذي فُرِض في فصل الربيع في فرنسا، أدَّى أيضًا إلى مردود مبكر في الصيف. فالحدود أُغلِقت، وكذلك أغلقت جميع الشركات غير الضرورية أبوابها. وتولَّت الشرطة فحص الأشخاص في الشارع للتأكد من أن لديهم سببًا يُتيح لهم الخروج.

وبعد ارتفاع الحالات في شهري مارس وأبريل (نيسان)، واكتظاظ غرف الطوارئ وأجنحة العناية المركزة بالمرضى المصابين، بدا أن فيروس كورونا على وَشْك الاختفاء من فرنسا تمامًا بحلول منتصف مايو (أيار)، عندما رفعت الحكومة قيود الإغلاق.

وكانت إعادة الفتح في فرنسا أكثر تدريجيًّا مما كانت عليه في إسبانيا أو إسرائيل. ولكن جاء بعد ذلك الصيف الطويل الحار. وحلَّت الإجازات المدرسية، ما يعني أنه لم يعد يتعين على الأطفال البقاء داخل منازلهم لممارسة التعلم الافتراضي عن بعد، كما أن تخفيف قيود السفر مكَّن العائلات من السفر داخل فرنسا وعبر أوروبا لقضاء عطلة الصيف.

وبدأت الإصابات تتزايد ببطء في أواخر شهر يوليو. وفي الأسابيع الأخيرة، كانت الإصابات تتفوق على الأرقام التي شهدتها البلاد في شهري مارس وأبريل، على الرغم من أن الخبراء يقولون إن القيود الخاصة بإجراء الاختبار قلَّلت عدد الإصابات المبكرة في عديد من البلدان. ويحذر الخبراء من أن حصيلة الموجة الثانية من المرجح أن تتفاقم مع انتقالها من الشباب إلى الأشخاص الأكبر سنًّا.

صحة

منذ شهر
مترجم: كيف سيتعامل الجهاز المناعي مع عودة الإصابة بفيروس كورونا؟

ومن جانبه، قال أوليفييه شوارتز، عالم الفيروسات في معهد باستير في باريس: «رغم أن الاحتياطات الصحية ما زالت قائمة، لكن الشباب يتأثرون أكثر فأكثر. وبالتدريج، سيكون هناك المزيد والمزيد من كبار السن المتأثرين». وأشار إلى أنه في بعض المناطق، لا سيما في مدينة مرسيليا، تكاد وحدات العناية المركزة أن تصل لمرحلة التشبع.

وأثارت عودة فيروس كورونا من جديد قلق الحكومة الفرنسية، على الرغم من أنها أحجمت في الوقت الحالي عن فرض إجراءات إغلاق عام جديدة مهمة – وفي الواقع يبدو أنها تحاول دعم المجتمع للتعايش جنبًا إلى جنب مع الفيروس في المستقبل المنظور.

ومن ناحية أخرى، سيعود الطلاب في فرنسا إلى المدارس، حتى مع ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا. فالمدارس مفتوحة والحضور إلزامي، وعدد من المطاعم مزدحمة. والحكومة تشجِّع الناس على العودة إلى العمل.

يقول رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستكس: «إن الفيروس سيظل هنا لعدة أشهر أخرى». وأضاف: «علينا أن ننجح في التعايش معه دون أن نسمح لأنفسنا بالعودة إلى حالة الإغلاق العام».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد