تلقي الكاتبة والمعالجة المختصة كاريل ماكبرايد الضوء على الدراسات التي تربط أسلوب التربية الذي يتلقاه الطفل في صغره مع التصويت السياسي، وآرائه السياسية، وتشرح في مقالتها المنشورة ضمن موقع «سيكولوجي توداي» ما يعني ذلك بالنسبة للاستقطاب السياسي وعالمنا المعاصر.   

أثر التربية في الانجذاب للاستبداد 

تضع الكاتبة احتمال ارتباط اختياراتنا بالمرشحين السياسيين، مع الطريقة التي ننظر بها إلى معاملة الأطفال. 

تنوِّه الكاتبة قبل كل شيء بأنها لا تدعي أنها محللة سياسية، ولا هي تدلي ببيان سياسي في مقالتها، لكنها تود الإشارة إلى بعض الأبحاث المهمة التي تربط بين أساليب الأبوة (التربية) والآراء السياسية التي تؤثر في تصويت الناس. 

تقول الكاتبة إن الوالد السلطوي (أو الاستبدادي) هو الشخص الذي يريد أن يفوز ويكون على حقٍّ، ويريد الأشياء بطريقته الخاصة حصرًا، ولا يهتم بتشجيع أطفاله على أن يكون له صوته الخاص أو لأن يتطور على نحوٍ ذاتيٍّ مستقل. 

يرتبط هذا الأسلوب عادةً بالأهل الذين يفضِّلون بأن يحكموا «بيدٍ من حديد» أو بالتلاعب والشعور بالذنب والعار والإذلال، وبالحالتين يصل الطفل إلى النتيجة نفسها: نقص أو إعاقة في النمو العاطفي. 

بالمقابل، يهتم الأهل الأصحاء بمشاعر أطفالهم، ويشجعون التفكير النقدي وطرح الأسئلة، كما يتركز هدفهم على أن ينمو أطفالهم ليصبحوا بالغين مستقلين ومعتمدين على أنفسهم. 

Embed from Getty Images

وتعتقد الكاتبة أن البالغين المستقلين ممن يعرفون كيف يعتمدون على أنفسهم ويفكرون باستقلالية يقل احتمال انجذابهم للتسلُّط والاستبدادية على العموم. 

أما عن ارتباط مدارس التربية وأنواع الآباء بالسياسة والثقافة السياسية التي يزيد الاستقطاب بها اليوم، فالأمر يبدأ من المقابلة مع الكاتب جوناثان ويلر، التي كانت تتابعها الكاتبة في برنامج فريد زكريا على شبكة «سي إن إن». 

تُعرِّف الكاتبة عن ويلر بأنه بروفيسور جامعة ولاية كارولينا الشمالية في تشابل هيل يُدرِّس «المناهج في الدراسات العالمية»، وهو أيضًا المؤلف المشارك لكتاب «السلطويَّة والاستقطاب في السياسة الأمريكية»، وكانت الكاتبة قد أجرت مقابلة معه أيضًا بنفسها وأشادت بدراساته المنشورة. 

التربية بين الجمهوريين والديمقراطيين

وتنقل الكاتبة عن مقابلتها مع ويلر بأنه حدَّثها عن تطور دراسة السلطوية عبر العقود، وكيف أن تعريف علماء الاجتماع للسلطوية تطوَّر بمرور الوقت ليطرح أسئلة حول الأبوة والأمومة: «ما يجعل هذه الأسئلة مثيرة للاهتمام أنها لا تتعلق بالتربية فعلًا، بقدر ما تتعلق بفهم الناس المثالي للنظام الاجتماعي أو التسلسل الهرمي الاجتماعي. السؤال عن الرعاية الأبوية هو أقرب وسيلة لجعل الناس يفكرون بهذا الأمر».    

تعتمد دراسات ويلر على أربعة أسئلة عن التربية والرعاية الأبوية، وهي أسئلة سبق استخدامها في هذا النوع من الدراسات. 

أوضح ويلر أن الدراسات في عام 1992 لم تظهر اختلافًا واضحًا في أجوبة الجمهوريين والديمقراطيين عن نوع الرعاية الأبوية، ولكن في الجيل الأخير أصبحت وجهات النظر العالمية المختلفة أكثر تباينًا، ما يدلُّ على أن وجهات النظر الأقل ميلًا للسلطويَّة باتت تُرى أكثر ارتباطًا بالديمقراطيين، بينما ترتبط وجهات النظر الأكثر سلطوية بالجمهوريين أكثر. ويعتقد ويلر أن ذلك ساهم في زيادة الاستقطاب في السياسة الأمريكية اليوم. 

تتسم وجهات النظر الأكثر تسلطية بتسامحٍ أقل مع الاختلافات، مثل حقوق المثليين والأقليات وأي شيءٍ يمكن لأصحابها أن يعدوه «مختلفًا» عن رؤيتهم للأمريكيين «الحقيقيين». 

Embed from Getty Images

يميل السلطويون نحو الرسائل البسيطة والواضحة جدًّا، ويريدون أيضًا فرض حلول بسيطة وواضحة للمشكلات المعقدة. إذن، يميل السلطويون نحو التفكير بالأبيض والأسود – وفقًا لوصف المقالة- أكثر من الطرق المعقدة لمعالجة المشكلات، والتعمق وطرح الأسئلة ومحاولة الوصول لفهمٍ أفضل. 

من المرجح أن يستخدم الآباء السلطويون لغةً معينة، مثل أن يقولوا «افعل ما أقوله، وليس ما أفعله»، أو «لا تسائلني! أنا الوالد هنا». بالكاد يمتلك الأطفال في هذه العائلات، أو تحت ظل هذا النوع من الآباء، أيَّ صوت أو رأي في عوالمهم العائليَّة. ويُشجِّع الأطفال في هذه البيئات على الحفاظ على «صورة» الأسرة المثالية، ويستخدم الوالدان رسائل صارمة ومتشددة للغاية بهدف تحقيق ذلك. 

وبالرغم من أن ويلر تحدث في المقابلة عن عدم توفر بيانات واضحة تدل على الارتباط مع أنماط الأبوة، ولكنه قال بوجود «علاقة قوية جدًّا بين كيفية إجابة الأفراد عن الأسئلة الأبوية التالية ونظرتهم السياسية إلى العالم». 

الأسئلة الفارقة

تورد الكاتبة الأسئلة الأربعة التي تستخدمها الدراسة، وهي أسئلة مثيرة للاهتمام والتفكير بحدِّ ذاتها. 

تتضمن الأسئلة نوعًا من الصفات يتوقَّع للقارئ أن يريد تفضيلها جميعًا بصورةٍ طبيعية، لكن المشاركين بالدراسة يوضعون على المحكِّ بطلبِ أن يختاروا السمات الأكثر أهمية بالنسبة لهم. مثلًا، يُطرح على الآباء والأمهات السؤال التالي: «أيهما في رأيك أكثر أهمية بالنسبة للطفل؟

  • احترام الكبار أم الاستقلالية؟ 
  • الطاعة أم الاعتماد على الذات؟ 
  • الأخلاق الحميدة أم الفضول؟ 
  • حسن التصرف أم مراعاة الآخرين؟». 

ووفقًا للمقالة، رأت الدراسة أن الإجابات السلطوية مرتبطة بتفضيل قيم: احترام الكبار، الطاعة، الأخلاق الحميدة، حسن التصرف.

تربية

منذ شهرين
مترجم: 4 قواعد ذهبية لتربية طفلك ليكون رائد أعمال

إذا لم يُشجَّع الأطفال على امتلاك صوتهم الخاص، سيكبرون غالبًا ليصبحوا بالغين تشلُّهم قلة ثقتهم بالنفس. وعندما يُدفع الأطفال للـ«توافق مع قالب الأسرة» وعدم تشجيعهم على تطوير إحساسهم بأنفسهم، هل يزداد احتمال أن ينجذبوا إلى وجهات النظر السلطويَّة الأخرى؟ 

في الختام، تقترح دراسة السلطويَّة والاستقطاب في السياسة الأمريكية التي قدمها ويلر وهيثرنجتون أن السلطويَّة مرتبطة بكيفية تصويت الناس وفهم وضع العالم السياسي الذي نعيشه اليوم. 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد