نشر «معهد الشرق الأوسط» مقالًا لـ كريم الجندي، مستشار في مجال الاستدامة الحضرية والمناخ، حاول من خلاله أن يبرز كيف أصبحت مصر مركزًا للطاقة في منطقة شرق البحر المتوسط. 

في بداية مقاله، يشير الكاتب إلى أن الاتحاد الأوروبي وقَّع في 17 يونيو (حزيران) مذكرة تفاهم مع مصر وإسرائيل تتيح لإسرائيل توسيع صادراتها من الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر مصر. واتفق الاتحاد الأوروبي مع مصر على زيادة التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين، وكفاءة استهلاك الطاقة وتنمية مُوصِّلات الكهرباء عبر البحر الأبيض المتوسط. ووصفت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، الاتفاقية بأنها خطوة مهمة للمضي قدمًا «لكي تصبح مصر مركزًا إقليميًّا للطاقة».

محور أساسي للغاز الطبيعي

يوضح الكاتب أن التغيير في ثروات الطاقة في مصر بدأ في عام 2015، عندما اكتشفت شركة النفط الإيطالية «إيني» حقل «ظُهْر» للغاز الطبيعي في المنطقة الاقتصادية المصرية الخالصة. ويُعد «ظُهْر» أكبر حقل للغاز في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وتُقدَّر احتياطاته بحوالي 850 مليار متر مكعب من الغاز، وهو ما يعادل 15 عامًا من الاستهلاك المحلي في مصر بمعدل الاستهلاك لعام 2020.

وكان هذا التطور بمثابة تغيير لقواعد اللعبة للبلدان الإقليمية، التي اكتشفت الغاز في مناطقها الاقتصادية الخالصة. ومع عدم امتلاكها بنية تحتية لتصدير الغاز، بدأت إسرائيل وقبرص في التفكير في استخدام مرافق الإسالة التابعة للسواحل المصرية وبنيتها التحتية لخطوط الأنابيب لنقل إنتاجها من الغاز المسال إلى الخارج. وأنشأت مصر بنية أساسية لإسالة الغاز الطبيعي منذ عقدين تقريبًا تحسُّبًا لصادراتها الطويلة الأجل؛ لكن عندما انخفض الإنتاج، بقيت هذه المنشآت غير مستخدمة لسنوات.

Embed from Getty Images

وانتهزت القاهرة تلك الفرصة لتصبح مركزًا للغاز في المنطقة من خلال توقيع اتفاقية ثنائية في عام 2019 لاستيراد 85 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي على مدى 15 عامًا عبر خط أنابيب أنشئ عام 2008، وكان مخصصًا لتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل. وبدأ الغاز الإسرائيلي بالتدفق في عام 2020، حتى وصلت صادرات مصر من الغاز الطبيعي المسال إلى أعلى مستوياتها خلال 10 سنوات.

وتخطت مصر المنافسين الإقليميين من خلال استغلال خطوط الصدع الجيوسياسية. واستفادت من التوترات القائمة بين تركيا وبين إسرائيل وقبرص واليونان، وشاركت مع الدول الثلاثة في تأسيس «منتدى غاز شرق المتوسط»، والذي استهدف إنشاء سوق إقليمي للغاز وترشيد تكلفة البنية التحتية وتقديم أسعار تنافسية. ويشير الكاتب إلى أن مشروع «منتدى غاز شرق المتوسط» كان يهدف في البداية إلى بناء خط أنابيب شرق البحر الأبيض المتوسط ​​تحت الماء، لربط حقول الغاز الإسرائيلية والقبرصية بقبرص واليونان ومن ثم إلى باقي أوروبا. ولكن المشروع توقف في عام 2021، بسبب الجدوى التقنية والتجارية وسحب الدعم الأمريكي.

ويشير الكاتب إلى أن تغير خارطة الطاقة، الذي تجلى منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، أكد على أهمية الدور المصري. ومع سعي الاتحاد الأوروبي لتقليل اعتماده على الغاز الروسي، ظهر شرق البحر المتوسط باعتباره موردًا بديلًا، وكانت مصر في وضع أفضل لتوفير الصادرات القصيرة الأجل التي تحتاجها أوروبا، إذ توفر قدرة مصر على زيادة إمكانية تصدير الغاز الطبيعي المسال في محطتي إدكو ودمياط، بالإضافة إلى توسيع الواردات من إسرائيل، أسرع خيار لتوصيل الغاز إلى أوروبا، خاصةً أن معظم البنية الأساسية المطلوبة قائمة بالفعل.

وأضفت مذكرة التفاهم الثلاثية الأخيرة، إلى جانب أحدث خطة للطاقة للاتحاد الأوروبي، الطابع الرسمي على الآليات التي وضعتها الاتفاقيات السابقة لزيادة صادرات مصر من الغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي إلى 5 مليارات متر مكعب هذا العام. واتفقت مصر، في الوقت نفسه، مع لبنان على تزويده بالغاز عبر خط الأنابيب الذي يربط لبنان بالأردن وسوريا. وبذلك، يبدو أن مصر في طريقها لتصبح مركزًا للغاز في المنطقة على المدى القصير، فيما يستدرك الكاتب أن إسرائيل أيضًا لا تزال المنتج الرئيس للغاز عبر هذا المحور.

عقبات على الطريق

يلفت الكاتب إلى أن إنتاج حقل «ظُهْر» كان أقل من المتوقع، كما أن عمليات التنقيب البحرية الجديدة تتباطأ؛ وإذا لم تثبت عمليات التنقيب المخطط لها مؤخرًا أنها أنجح، فقد يستمر استهلاك الغاز البحري المصري في الداخل. ولذلك، ومع تجاوز المدى القصير، يبدو أن مصر مستعدة للاعتماد على إعادة تصدير الغاز المستورد من جيرانها الإقليميين، مما يتيح لها جني الأرباح من رسوم العبور والإسالة فحسب. واحتفظت مصر بالحق في استخدام واردات الغاز الإسرائيلية محليًّا إذا زاد طلبها.

Embed from Getty Images

ومن أجل تعظيم أرباحها، توصلت القاهرة إلى اتفاق مع قبرص لإنشاء خط أنابيب جديد يربط حقول الغاز القبرصية بمصر. واقترحت مصر أيضًا إنشاء خطوط أنابيب جديدة تربط حقل «ليفياثان» الإسرائيلي مباشرة بمصر بالإضافة إلى ربط مصر بجزيرة كريت اليونانية عبر حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة. ومع ذلك، تواجه مصر تحديات، على المدى المتوسط والبعيد، تتمثل في أن أجزاء من العالم تتحول للتخلي عن الوقود الأحفوري. ولذلك، حُدِّدت مدة الاتفاقية الثلاثية (أوروبا ومصر وإسرائيل) بمدة أقصاها خمس سنوات، بما يتماشى مع خطط الاتحاد الأوروبي لاستخدام غاز أقل بنسبة 30% بحلول عام 2030.

الأسس اللازمة للطاقات المستقبلية

يُنوّه الكاتب إلى أن مصر تمتلك عددًا من خيارات تصدير الطاقة، ولا تقتصر خططها على الغاز فحسب. فقد ضاعفت البلاد، على مدار السنوات الماضية، من قدرتها على توليد الكهرباء إلى 59 جيجاوات. وتسمح هذه السعة الاحتياطية الضخمة لمصر بالتوسع بسرعة في توليد الكهرباء، التي تعمل بالغاز، للتصدير. ويشمل المستوردون المحتملون للكهرباء، ليبيا والسودان والأردن عبر شبكات الربط الحالية؛ واليونان عبر الكابلات المخطط إنشاؤها، وقبرص عبر شبكات الربط الأوروبية الأفريقية قيد الإنشاء، بالإضافة إلى بناء شبكة توصيل بيني بين مصر والسعودية.

البيئة

منذ سنة واحدة
وقود المستقبل الآتي من أفريقيا.. هل يصبح الهيدروجين الأخضر طوقَ نجاةِ العالم؟

كما تمتلك مصر إمكانيات لتوسيع طاقتها المتجددة بما يتجاوز 6 جيجاوات من قدرة التوليد المتواضعة حاليًا. ويُمكن أن يتيح هذا التوسع إمكانية تصدير الكهرباء الخضراء إلى الأسواق الأوروبية عبر الكابلات المخطط إنشاؤها، كما سيُمكنها ذلك من إنتاج الهيدروجين الأخضر للتصدير.

ووقَّعت مصر بالفعل عددًا من الاتفاقيات مع مستثمرين أجانب لتطوير منشآت إنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء بالقرب من قناة السويس. ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل بعضها قبل نهاية العام الجاري عن طريق تحويل الكهرباء الخضراء من مصادر الطاقة المتجددة الحالية لتشغيلها عبر الشبكة الوطنية. ويُمكن استخدام الغاز الطبيعي المستورد لتعويض النقص؛ لكن هذا يعني أن مصادر الطاقة المتجددة ستمثل حصة أصغر من شبكة الكهرباء المصرية.

ويضيف الكاتب أنه بالإضافة إلى الهيدروجين الأخضر، تستكشف القاهرة أيضًا إمكانات الهيدروجين الأزرق، حيث يُحوَّل الغاز الطبيعي إلى هيدروجين ويُحقَن الكربون المحتجز في حقول النفط والغاز لتخزينه. وتدرس مصر حاليًا الطرق التي يمكنها من خلالها تنفيذ إستراتيجيات احتجاز الكربون وتخزينه. وكان موقع مصر الجغرافي عاملًا أساسيًّا أسهم في ظهورها مركزًا للطاقة، إذ تمر 12% من الشحنات المنقولة بحرًا عبر قناة السويس، مما يجعل مصر مركزًا مهمًا في أسواق الهيدروجين والأمونيا المتنامية.

سياسات المناخ

يؤكد الكاتب أن المركز المصري سيكون جاهزًا لتوفير كل ما يحتاجه سوق الطاقة خلال سنوات قليلة. ويمكن أن تعيد مصر تصدير الغاز الطبيعي الإسرائيلي أو الاحتفاظ به وتطوير إمكانية تحويله إلى هيدروجين أزرق. ويمكنها استخدام الغاز لتوليد الكهرباء للتصدير أو للتعويض عن الطاقة المتجددة التي تُحوَّل حاليًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر. ويمكنها أيضًا زيادة طاقتها المتجددة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية لدعم تصدير الكهرباء الخضراء والهيدروجين الأخضر، أو لزيادة كميات الغاز الطبيعي المتوفر للتصدير. 

ويشير الكاتب إلى أن مصر ليست مقيدة بالتزامات سياسات المناخ. ولم يتضمن إسهام مصر المحدد وطنيًّا، بموجب اتفاقية باريس لعام 2015 لتغير المناخ، أي أهداف قابلة للقياس الكمي لخفض الانبعاثات، وربما يرجع ذلك لأن مصر لا ترى نفسها مسؤولة عن التخفيف من تغيُّر المناخ. كما أنها من الدول القليلة التي لم تقدم إسهامات محددة وطنيًّا في عام 2021. 

ويوضح الكاتب أن عدم الالتزام هذا يعني أن مصر تتخطى حواجز بيئية كثيرة أمام متابعة الخيارات الأكثر فائدة لمصالحها الاقتصادية والسياسية. كما أن عدم وجود إستراتيجية مناخية طويلة الأجل أو خطة لإزالة الكربون يعني أن مصر ليس أمامها حدود لأعمالها. ونظريًّا، يمكن لمصر تصدير الهيدروجين الأخضر والكهرباء الخضراء في عام واحد، وتصدير الغاز الطبيعي في العام الذي يليه.

قمة «كوب 27» للمناخ

وأبرز الكاتب أن مصر تترأس، هذا العام، مؤتمر «كوب 27» في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ. ولذلك، تتعرض القاهرة لضغوط لإثبات التزامها بسلوكيات مناخية أكثر طموحًا. وأشارت القاهرة إلى أن سياساتها المناخية القائمة منذ أمد بعيد، التي تركز على تلقي الدعم الفني والمالي للتكيف مع المناخ والترويج للغاز الطبيعي، عرضة للتغيير مع الحوافز الملائمة. 

Embed from Getty Images

قال مسؤول مصري بارز «يمكن للقاهرة أن تعمل على التخفيف من آثار تغير المناخ إذا تلقت تمويلًا مضمونًا وكافيًا ومستدامًا». ولذلك، وفي حين أن ظهور مصر بوصفها مركزًا إقليميًّا للطاقة يجعلها شريكًا مترددًا في إزالة الكربون، تدرك الحكومة أيضًا أن التحول جارٍ على قدم وساق ومن ثم توازِن رهاناتها.

ويختم الكاتب بالإشارة إلى أنه من المتوقَّع أن تسلط مصر الضوء، في قمة كوب 27 للمناخ المقرر عقدها في شرم الشيخ في نوفمبر (تشرين الثاني)، على مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومبادرات كفاءة الطاقة ومشاريع الهيدروجين الخضراء، لتقديم أوراق اعتمادها الخضراء وجذْب الاستثمار الأجنبي إلى هذه القطاعات، وهو ما يوفر فرصة لدفع مصر نحو مصادر الطاقة المنخفضة الكربون.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد