كتب صحافي التحقيقات، سبنسر إس هسو، ومراسل الأمن القومي في صحيفة «واشنطن بوست»، جون هدسون، تقريرًا نشرته الصحيفة الأمريكية عن رفض القضية التي رفعها محمد سلطان، الناشط الأمريكي من أصل مصري في مجال حقوق الإنسان، ضد حازم الببلاوي، رئيس وزراء مصر إبان الانقلاب، والتي يتَّهمه فيها بتعذيبه ومحاولة اغتياله. واستندت وزارة العدل الأمريكية في رفضها للقضية إلى شهادة وزارة الخارجية التي منحت الرجل الحصانة. ويمثل رفض القضية إحباطًا كبيرًا لمحمد سلطان ولكثير من ناشطي حقوق الإنسان في مصر والعالم.

يقول الكاتبان في مستهل تقريرِهما إن إدارة بايدن أعادت تأكيد أن رئيس الوزراء المصري السابق وممثل صندوق النقد الدولي، حازم الببلاوي، يتمتع بحصانة دبلوماسية ضد دعوى قضائية اتحادية رفعها العام الماضي مواطن أمريكي يسعى إلى تحميله المسؤولية عن التعذيب.

حقوق إنسان

منذ شهرين
«المونيتور»: كيف ستتعامل إدارة بايدن مع قضية تعذيب محمد سلطان؟

وقدَّمت وزارة العدل إعلانًا رسميًّا في وقت متأخر من يوم الخميس الماضي وحثَّت محكمة فيدرالية في واشنطن على رفض القضية، التي رفعها محمد سلطان، البالغ من العمر 33 عامًا، في يونيو (حزيران) الماضي. وفي الدعوى القضائية، قال سلطان، وهو مدافع عن حقوق الإنسان في واشنطن، أنه تعرَّض لإطلاق النار والضرب والتعذيب أثناء سجنه لمدة 21 شهرًا في القاهرة في المدة من 2013 إلى 2015 بأوامر من الببلاوي نفسه.

الوضع الدبلوماسي تحدده الخارجية

وأشار التقرير إلى ما كتبه محامو القسم المدني بوزارة العدل، بعد الحصول على تمديد من الموعد النهائي للمحكمة في يناير (كانون الثاني) للسماح لفريق أنتوني بلينكين، وزير خارجية بايدن، لمراجعة تعامل سلفه مع القضية: «بمجرد أن تحدد وزارة الخارجية الوضع الدبلوماسي لشخص ما، يجب ألا تنظر المحاكم فيما وراء شهادة وزارة الخارجية لإجراء تحليلها الخاص».

وقالت الحكومة الأمريكية إنها لم تتخذ موقفًا بشأن جدارة مزاعم سلطان، ولا بشأن إمكانية مقاضاة الببلاوي مجددًا منذ انسحابه المفاجئ من صندوق النقد الدولي ومغادرة الولايات المتحدة في نهاية أكتوبر (تشرين الأول).

Embed from Getty Images

وقال رئيس لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ باتريك ج. ليهي (نائب ديمقراطي من ولاية فيرمونت) إنه من «المخيب للآمال» أن نجد الببلاوي محصَّنًا ضد الإجراءات القانونية الأمريكية في قضية اتُّهم فيها بالسماح بتعذيب مواطن أمريكي.

الحكومة المصرية منظمة إجرامية

وقال ليهي في بيان عبر البريد الإلكتروني: «كان بإمكان الحكومة المصرية رفع الحصانة، لكنها اختارت بدلًا من ذلك أن يفلت السيد الببلاوي من العقاب، وعلاوةً على ذلك، اعتقلوا أقارب السيد سلطان في مصر لمحاولة إجباره على التخلي عن دعواه القضائية. وهذا ما يتوقعه المرء من منظمة إجرامية، وليس حكومة تتلقى مليارات الدولارات من المساعدات الأمريكية».

ولم ترد السفارة المصرية في واشنطن ومحامو الببلاوي على طلب للتعليق.

واستشهد محامو الببلاوي بشهادة الحصانة الأمريكية في تحركهم في يوليو (تموز) الماضي لرفض القضية. وقالوا إنهم تلقوا إشعارًا ومذكرة دبلوماسية من وزارة الخارجية، وأن الحكومة المصرية، عبر سفارتها، قالت: «يتمتع السيد الببلاوي بحصانة من الدعوى، ليس بحكم وضعه الدبلوماسي الحالي فحسب، ولكنه أيضًا يتمتع بحصانة شخصية بسبب منصبه الرسمي بوصفه رئيسًا لوزراء مصر أثناء الأحداث المذكورة».

وعد بايدن!

يأتي «بيان الاهتمام» الأمريكي بقضية سلطان في الوقت الذي انتقد فيه بعض المشرِّعين الديمقراطيين أيضًا موافقة وزارة الخارجية في فبراير (شباط) على بيع ما قيمته 197 مليون دولار من الصواريخ والمعدات ذات الصلة إلى مصر، باعتبار أن ذلك يتعارض مع وعد الرئيس بايدن بالتركيز على نحو أكبر على حقوق الإنسان في السياسة الخارجية أكثر من سلفه.

Embed from Getty Images

وخلال الحملة الرئاسية لعام 2020، غرَّد بايدن عن قضية سلطان، قائلًا إن تعذيب الناشطين المصريين و«تهديد عائلاتهم أمر غير مقبول». وقال بايدن أيضًا إنه: «لن يكون هناك المزيد من الشيكات على بياض للديكتاتور المفضل لترامب»، في إشارة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وهذا اللقب منحه له الرئيس دونالد ترامب ذات مرة.

ويشير القرار المتعلق بالببلاوي أيضًا إلى ما تفكر فيه وزارة الخارجية بشأن طلب منفصل من المملكة العربية السعودية لإعلان أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان محصَّن ضد دعوى قضائية فيدرالية منفصلة. وتتَّهمه الدعوى بمحاولة اغتيال ضابط مخابرات كبير سابق يعيش الآن في المنفى بكندا؛ إذ يمكن أن يكشف الضابط، سعد الجبري، أسرارًا تؤثر بالسلب في صعود الأمير إلى السلطة.

حصانة للأمير محمد بن سلمان

يمكن أن تؤدي توصية وزارة الخارجية أيضًا إلى رفض اتِّهام الأمير في قضايا أخرى مرفوعة في الولايات المتحدة، بما في ذلك القضايا التي تتَّهمه باصدار التعليمات بقتل الصحافي المعارض، جمال خاشقجي، وتقطيع أوصاله في عام 2018، واستهداف عملية اختراق وتسريب لتشويه سمعة مذيعة قناة الجزيرة الإخبارية، غادة عويس، انتقامًا بسبب تقاريرها الانتقادية عن ولي عهد السعودية وولي عهد الإمارات العربية المتحدة.

Embed from Getty Images

يقول ناشطو حقوق الإنسان والمشرِّعون، إن مصر استهدفت أسرة سلطان مرارًا لإسكات انتقاداته للسيسي وابتزاز الحكومة الأمريكية من خلال التهديد بإضعاف شراكة مصر الإستراتيجية مع واشنطن في الشرق الأوسط.

خيبة الأمل

وانتقد سلطان السلطات الأمريكية يوم الجمعة بسبب «الانصياع للضغط الدبلوماسي والذرائع القانونية» وقال إن القرار يقدم رسالة للضحايا «بسياسة العودة إلى العمل كالمعتاد مع الطغاة».

وقال سلطان: «هذه المحاولة لحماية الجلاد من المساءلة في المحاكم الأمريكية هي شيك على بياض لديكتاتور مصر، وتتعارض تمامًا مع التزامات إدارة بايدن المعلنة». ووصف القرار بأنه خطأ في التفسير القانوني والسياسة والحكم الأخلاقي من شأنه أن يشجِّع الأنظمة الاستبدادية على استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان في الخارج وتعريض أسرته وأسر الآخرين في بلدانهم الأصلية للخطر.

حقوق إنسان

منذ 3 أسابيع
المعذَّبون في الأرض.. 6 دول عربية تشهد حالات تعذيب مروِّعة

وأضاف: «دعا السيد بلينكين عائلات الرهائن إلى طلب مساعدته شخصيًّا إذا كانت وزارة الخارجية لا تلبي طلباتهم على نحو صحيح. وبهذه الروح أُعْرِب عن خيبة أملي العميقة من قضية الأمس». وقد حصل محامو سلطان على موافقة المحكمة للرد رسميًّا بحلول 19 أبريل (نيسان).

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة أوضحت مرارًا وتكرارًا قلقها البالغ بشأن الاعتقالات والاحتجاز التعسفي في مصر، وأن بلينكين ذكر أن قضايا حقوق الإنسان ستكون مركزية في العلاقة الأمريكية المصرية.

وقال المتحدث: «لم تتخذ الوزارة أي موقف بشأن جدارة الدعوى الأساسية. وأكَّدت وزارة الخارجية على الحصانة التي يتمتع بها السيد الببلاوي بناءً على موقِعه وقت رفع الدعوى».

فضح انتهاكات النظام المصري

ولفت التقرير إلى أنه عادةً ما تكون الحكومات والقادة الأجانب محصَّنين ضد الإجراءات المدنية في المحاكم الأمريكية. غير أن سلطان رفع الدعوى القضائية بموجب قانون حماية ضحايا التعذيب الأمريكي، وهو قانون صادر في عام 1991 يسمح بتقديم دعاوى ضد أولئك الذين يُزعم أنهم مسؤولون عن التعذيب أو المعاملة غير الآدمية التي تحدث في أي مكان في العالم إذا كان المتَّهمون في الولايات المتحدة ولم يعودوا رؤساء دول أو حكومات.

وكان الببلاوي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء من يوليو 2013 إلى مارس (آذار) 2014، قد عُيِّن في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي في عام 2014 ويعيش في ضواحي شمال فيرجينيا على بعد أميال فقط من المكان الذي كان يعيش فيه سلطان عند رفع الدعوى.

وزعم سلطان، وهو مصري أمريكي نشأ في الغرب الأوسط، أنه «استُهدِف» بالاغتيال والانتهاكات «الوحشية» خلال 643 يومًا بصفته سجينًا سياسيًّا في القاهرة «لأنه تجرأ وفضح أمام العالم القمع الوحشي والمذابح التي ارتكبتها الحكومة العسكرية المصرية بحق المتظاهرين السلميين».

ومنذ اعتقاله في أغسطس (آب) 2013، بحسب التقرير، وفي بداية مذابح نظام السيسي في القاهرة وقمع المعارضين الإسلاميين والليبراليين، أصبح سلطان منتقدًا بارزًا للحكومة العسكرية المصرية ومدافعًا عن السجناء، بما في ذلك عديد من المواطنين الأمريكيين.

ملاحقة أقارب سلطان في مصر

وأفاد التقرير أنه بعد أيام من رفع الدعوى القضائية، اقتادت قوات الأمن خمسة من أقارب سلطان في مصر بالقوة من منازلهم وسجنتْهُم إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وخضع والد سلطان المسجون للاستجواب قبل أن يختفي عن الأنظار تمامًا ولا يُعرَف في أي مكان يُسْجَن، على حد قول محاميه.

Embed from Getty Images

وأشار المشرِّعون الأسبوع الماضي إلى أن إدارة بايدن أخطرت الكونجرس رسميًّا بالبيع المحتمل للصواريخ في 16 فبراير (شباط)، في الوقت الذي ظهرت فيه أنباء عن مداهمة الحكومة المصرية منازل ستة من أقارب سلطان وسَجْن ثلاثة من أبناء عمومته مجددًا؛ أُطلِق سراحهم فيما بعد.

وأشارت تقارير وسائل إعلام مستقلة منسوبة إلى مسؤولين حكوميين مصريين إلى أن الصراع الداخلي بشأن ما يجب فعله، هل يجب التودد إلى إدارة بايدن أم سحق آمال المعارضين السياسيين، قد يكون سببًا جزئيًّا في هذا الشكل من تعامل الحكومة مع أقارب سلطان. وندد بلينكين علنًا ​​بمثل هذه الاعتقالات.

كما ندد تقرير حقوق الإنسان السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية، والذي صدر الأسبوع الماضي، بحكومة القاهرة لارتكابها «عمليات قتل غير قانونية أو تعسفية، والاختفاء القسري والتعذيب، وحالات من المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهِينة من جانب الحكومة المصرية… وظروف السجن القاسية والمُهدِّدة للحياة والاعتقال التعسفي»، وغيره من أشكال الظلم.

قانون الببلاوي ما زال سببًا في الاعتقالات

ومع ذلك، تقول جماعات حقوق الإنسان إن حكومة السيسي بموجب قانون صادقَ عليه الببلاوي اعتقلت عشرات الآلاف لأسباب سياسية – من بينهم مواطنون أمريكيون مثل مصطفى قاسم، 54 عامًا، الذي توفي في السجن في يناير 2020.

كما استُهدِفت في مصر أقارب المعارضين السياسيين، وناشطي حقوق الإنسان، والناشطين المؤيدين للديمقراطية، والصحافيين المقيمين في الخارج، حيث اعتقلتهم أو منعتهم من السفر أو استجوَبتهم، وفقًا لما ذكره ناشطون.

سياسة

منذ 3 سنوات
«ربِّي عيالك».. التنكيل بالأبناء وسيلة النظام المصري لـ«لي ذراع» معارضيه

وأفادت أوراق وزارة العدل أن شهادة وزارة الخارجية في 7 يوليو، التي مُنحت بناء على طلب مصر، المتعلقة بحصانة الببلاوي والسارية اعتبارًا من 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، عندما تولى منصبه في صندوق النقد الدولي، تُعد حاسمة ومتسقة مع سلطة الرئيس الدستورية وسياسة الوزارة واتفاقات الأمم المتحدة، وإن كانت لا تعتمد على الأخيرة.

وفي الختام، أشار التقرير إلى ما قالته الوزارة إنه بالنظر إلى الالتزامات الدبلوماسية المُلزِمة والتوقُّعات الخارجية الطويلة الأمد للولايات المتحدة بوصفها مضيفة لمنظمة الأمم المتحدة والكيانات ذات الصلة، فإن «تجاهل» شهادة وزارة الخارجية «للوضع الدبلوماسي للببلاوي أو أي ممثل أجنبي آخر من شأنه أن يلحق ضررًا خطيرًا بالمصالح السياسية الخارجية للولايات المتحدة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد