نشر موقع «ذا كوليكتور» تقرير أعدَّته نيكول هانسن، الحاصلة على الدكتوراة والماجستير في علم المصريات من جامعة شيكاجو، سلَّطت فيه الضوء على أكثر الأطعمة شيوعًا في مصر القديمة، ومن الذي كان يطهيها، وكيفية تناول الطعام في مصر القديمة.

استهلت الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أن الطعام في مصر القديمة كان جزءًا مهمًّا من الثقافة والمجتمع، سواء في الحياة الدنيا أو في الآخرة. وقد نُقِش على جدران المعابد المصرية كميات وفيرة من الأطعمة المُقدَّمة قرابين للآلهة، وزُينت القبور بصور لموائد القرابين التي تمتلئ أوعيتها وأوانيها بشتى أنواع الأطعمة الحقيقية.

مائدة توت عنخ آمون

تقول الكاتبة إن مقبرة توت عنخ آمون اشتُهرت بأنها حافلة بالتحف الذهبية البديعة، لكن ما لم يكن معروفًا عنها هو كمية المواد الغذائية التي كانت تعج بها المأدبة الغزيرة التي أخذها توت معه إلى الآخرة، واحتوت هذه المائدة على عدة مواد غذائية، مثل قمح أيمر والثوم والحمص والعدس والكمون والبطيخ والحلبة والكزبرة والتين والتمر والدوم والرمان وتوت العرعر واللوز. وكان بعض هذه المواد من الأطعمة التقليدية الشائعة في مصر القديمة، لكن بعضها الآخر، مثل اللوز، ربما كان من الواردات الأجنبية.

تاريخ

منذ سنة واحدة
مترجم: ما السر وراء هوس قدماء المصريين بالقطط؟

ولم تكن الدلائل الأثرية، مثل بقايا الأطعمة الموجودة في مقابر المصريين القدماء، هي مصادرنا الوحيدة التي يُمكن من خلالها الوصول إلى وصف كامل للنظام الغذائي وطرق طهي الطعام عند المصريين القدماء. وأدَّت أعمال الفن المصري القديم (رسوم ونحت وعمارة) دورًا مهمًّا جدًّا، وأسهمت النصوص المكتوبة بدرجة أقل في ذلك، بينما كانت الأنشطة الترفيهية التجريبية للأطعمة والمشروبات القديمة ذات أهمية متزايدة في فهمنا للنظام الغذائي في مصر القديمة.

المصريون القدماء: الخبز والبيرة

توضح الكاتبة أن الخبز كان العنصر الأساسي الأول في النظام الغذائي المصري. واستطعنا، من خلال البقايا الأثرية والفن المصري القديم والنصوص، أن نعرف أن رغيف الخبز كان من الممكن أن يُصنع بعدة أشكال غريبة، مثل المسلات والأوز والماشية والغزلان والبشر والزهور والمزهريات والفواكه والأشكال الهندسية. وربما كانت بعض هذه الأرغفة تُخبز لكي تُعرض في المعابد والقبور بوصفها قرابين.

Embed from Getty Images

صناعة البيرة في مصر القديمة

وتضيف الكاتبة: اشتهر المصريون القدماء أيضًا بحبهم للبيرة، لذلك كانت العنصر الأساسي الثاني في نظامهم الغذائي. وشرب المصريون القدماء، رجالًا ونساءً وأطفالًا، البيرة، إلا أن معلمي المدارس كانوا يُحذرون الكُتَّاب الشباب الصغار أثناء تعليمهم من الآثار المسكرة للكحول كما ورد في إحدى البرديات:

 «لا تنغمس في شرب البيرة، لئلا تتفوه بكلام شيطاني ولا تدرك ما الذي تقوله. وإذا هويت أرضًا وتأذَّى جسدك، فلن يمد أحد يده إليك؛ وسيردد رفاقك في الشراب قائلين: «تتسكع مع السكير»، حينما يأتي أحدهم ليبحث عنك ويتحدث معك، ويحب أحدهم أن يراك ملقًى على الأرض، كما لو كنت طفلًا صغيرًا».

وشرب المصريون القدماء النبيذ كذلك، لكن ربما كان يحتسيه الطبقات العليا في المجتمع فحسب. وقد عُثر على عدة وصفات للنبيذ في كتاب طبخ من القرن العاشر الميلادي في بغداد تصف النبيذ المصري المصنوع باستخدام الأساليب نفسها الموثقة في البقايا الأثرية في العصور القديمة.

اللحوم أحد الأطعمة في مصر القديمة

تُنوه الكاتبة إلى أن مصر اعتمدت على الماشية منذ العصور القديمة، واحتل لحم البقر مرتبة متقدمة بين باقي أنواع اللحوم، وربما تمتعت الطبقات العليا وحدها بتناول لحوم البقر في مصر القديمة على أساس منتظم. بينما كان باقي الشعب يتناولها في المهرجانات والاحتفالات الدينية عندما كانت المعابد تُعيد توزيع القرابين المقدَّمة إلى الآلهة على الفقراء. وكان المصريون القدماء يأكلون اللحوم طازجة بعد طبخها أو تقطيعها إلى شرائح رفيعة وتجفيفها في الهواء أو مملَّحه.

وتضيف الكاتبة أن القدماء المصريون تناولوا أيضًا لحوم الأغنام والماعز لكن بكميات أقل. وعادةً ما يُشاع بالخطأ أن المصريين لم يأكلوا لحم الخنزير، استنادًا إلى كلمة المؤرخ اليوناني هيرودوت أن الخنازير نادرًا ما تظهر في الفن المصري القديم. لكن – وفقًا الكاتبة -الدلائل الأثرية تشير إلى عدم صحة ذلك، ووجدت عظام الخنازير بالقرب من أدوات جزارة في المستعمرات التي كان يقطنها المصريون، كما اكتشفت أيضًا مومياء تحتوي بطنها على دودة شريطية، والتي لم يكن من الممكن وجودها إلا من أكل لحم الخنزير. وتتضمن اللحوم الأكثر غرابة التي كان يأكلها المصريون لحم الغزلان والضباع وحتى الفئران.

الدواجن وغيرها للشعب

تُشير الكاتبة إلى أن عامة الناس من المصريين القدماء كان يتاح لهم تربية عدد متنوع ومتعدد جدًّا من الطيور. ولم يكن الدجاج معروفًا في مصر قبل عصر الدولة الحديثة، لكن المصريين أكلوا أنواعًا أخرى كثيرة من الطيور، مثل الكركيات والحجل والسمان والأوز والبط وجلينول أرجواني وطائر النكات والفلامينجو والبجع والحمام واليمام.

Embed from Getty Images

وتلمح الكاتبة إلى أنه بغض النظر عما إذا كانت هذه الطيور قد نشأت في حظيرة الدواجن أو اصطادها المصريون، كانت تقتل عن طريق نزع رقابها قبل نتفها. وبعد ذلك، يمكن حفظها من خلال تعبئتها في عبوات ملح، أو طهيها على نار الفحم، أو سلقها.

وكانت الأسماك الغذاء البروتيني الأكثر سهولة في مصر القديمة. وعلى الرغم من أنه كان من الممكن تناول الأسماك طازجة، فإنها غالبًا ما تكون مجففة بالهواء أو ربما حتى مملحة لحفظها. وكان هناك منتج ثانوي خاص للأسماك كان يتلذذ المصريون بأكله مملحًا وهو بيض السمك، والذي لا يزال تعرفه ثقافات البحر الأبيض المتوسط حاليًا، بما في ذلك مصر ويُعد محفزًا للشهوة الجنسية.

وانتشرت في مصر القديمة أيضًا منتجات الألبان، وكان الحليب هو الأهم بينها، سواء كان حليب البقر أو حليب الماعز، بينما استخدم حليب الحمير في الوصفات الطبية. واكتشف علماء الآثار بعض البقايا التي جرى تحديدها بأنها جُبن في عدة مقابر وعثر أيضًا على مصافي الجبن في المواقع المحلية لصنع الجبن القريش التي تتطابق مع تلك الموجودة في مصر الحديثة. ولم يكن هناك سُكر في مصر القديمة، فكان العسل هو المستخدم للتحلية.

وأضافت الكاتبة أن الخضراوات والفواكه والفاصوليا كانت من الأطعمة التي تؤكل في مصر القديمة. وصحيحٌ أننا لا نعرف كيف قاموا بطهيها، لكن مع استثناء طهي الفاصوليا، نجد أن الناس يأكلون الخضراوات والفواكه نيئة في صعيد مصر حاليًّا، وربما كان هذا هو الحال في العصور القديمة أيضًا.

الطهاة في مصر القديمة

تؤكد الكاتبة أن الرجال والنساء على حد سواء كانوا يشاركون في عملية طهي الطعام، على الرغم من أن الفن المصري القديم أبرز أن أغلب الطهي كان يقوم به الرجال سواء في المعابد أو في الحقول. بينما في المنزل، كانت المرأة هي التي تطبخ الطعام للعائلة، وذلك وفقًا لأحد النصوص التي تعلم الشاب كيف يعامل والدته باحترام:

«قدِّم آيات الثناء على الطعام الذي قدمته لك والدتك، وادعمها لأنها تساندك؛ لقد حملت فيك حملًا ثقيلًا، لكنها لم تتخل عنك. وعندما وُلدت.. ظلت متعلقة بك، وتُرضعك من ثديها طيلة ثلاث سنوات، وعندما كبرت وكانت فضلاتك تثير الاشمئزاز، لم تكن تشعر بذلك، وعندما أرسلتك إلى المدرس، كانت تعتني بك يوميًّا، وتوفر لك الخبز والبيرة في المنزل».

Embed from Getty Images

وتستدرك الكاتبة قائلةً: ومع ذلك، كان الزوج هو الذي كلفته النصوص القديمة بتوفير الطعام في مصر القديمة، أو على الأقل توفير الوسائل لزوجته لطهيه. وفي الواقع، لم يكن هذا هو الحال دائمًا؛ إذ كتبت إحدى النساء رسالة إلى أختها تطلب منها تعليمها إعداد الخبز، قائلة إن زوجها كان يتجادل معها بسبب كمية الشعير المطلوبة للخبز، وكانت رسالة زوجها:

«سأطلقك، فأنا أرى حاليًّا أن والدتك لا تفعل لكِ شيئًا، وعلى الرغم من أن لديك إخوة وأخوات، فإنهم لا يهتمون بكِ. الآن اسمعي، ما الذي فعلتيه لي منذ أن عشت معي هنا، بينما يقوم جميع الناس بتجهيز الخبز والبيرة والسمك يوميًّا لأفراد أسرهم».

كيفية تناول الطعام في مصر القديمة

وتلقي الكاتبة الضوء على الكيفية التي كان المصريون القدماء يتناولون بها الطعام، موضحةً أن الزوج والزوجة، اللذين تربطهما علاقة جيدة بعضهما ببعض، كانا يجلسان على الكراسي أمام مائدة القرابين الحافلة بجميع أنواع الأطعمة الشهية، وهي واحدة من أكثر الأشكال شيوعًا في الفن المصري القديم. إلا أن هذه تُعد مجرد عروض تمثيلية للوجبة المثالية التي يأمل الفرد في الاستمتاع بها في الآخرة ولا تعكس بالضرورة واقع حياة المصريين القدماء. وفي الحقول، كان الفلاح المصري يجلس على الأرض، ساندًا ظهره إلى بنية من ورق البردي. وكانت وجبته بسيطة عبارة عن حفنة من البصل ورغيف خبز وربما بعض الدواجن المشوية.

تاريخ

منذ 8 شهور
قادش.. أشهر معارك مصر القديمة التي انتهت بأول معاهدة سلام في التاريخ

وأظهر الفن المصري القديم أنه في بعض الأحيان، كان الرجال يتناولون الطعام بمعزل عن النساء والأطفال. وكان لكل فرد مائدة طعام صغيرة خاصة به. وكان الرجال والنساء يجلسون على الأرض لتناول الطعام، وفي بعض الأحيان، كان الرجال يجلسون على المقاعد.

وتختم الكاتبة تقريرها بالتنويه إلى أن الطعام في مصر القديمة يُجسد فضل المجتمع الزراعي في مصر. وفي الوقت الذي يستورد فيه المصريون حاليًا كميات كبيرة من غذائهم، فما زال الخبز هو العنصر الأساسي المفضل لدى المصريين، إذ تشير كلمة «خبز» في اللغة العربية المصرية إلى كلمة «عيش» التي تعني «حياة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد