نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي مقالًا كتبه تيرينس جواي، أستاذ التجارة الدولية ومدير «مركز دراسات التجارة العالمية» في بنسلفانيا، استعرض خلاله كيف اهتز سوق الأسلحة العالمي من جرَّاء الحرب في أوكرانيا، مرجحًا أن تكون الصين والولايات المتحدة أكبر الفائزين من تعثر روسيا في أوكرانيا.

دولي

منذ 4 شهور
هل يجب أن يخاف العالم من زيادة ميزانيات دفاع ألمانيا واليابان؟

في مستهل مقاله، يُؤكد الكاتب أن الحرب الروسية في أوكرانيا قلبت صناعة الأسلحة العالمية رأسًا على عقب. وفي حين أن الولايات المتحدة وحلفاءها يضخون مبالغ طائلة من الأموال لتسليح أوكرانيا، مع تضاعف خسائر روسيا من الدبابات والقوات، بدأت عدد من الدول في إعادة التفكير في ميزانيات الدفاع واحتياجاتها من المعدات والعلاقات العسكرية. وأخذت بعض الدول، التي كانت تُعرف تاريخيًّا بمستوياتها المنخفضة من الإنفاق الدفاعي، مثل اليابان وألمانيا، في مضاعفة حجم تسليحها، بينما تزايدت شكوك الدول، التي كانت تشتري معظم أسلحتها من روسيا، بشأن إمكانية الاعتماد على تلك الأسلحة الروسية في المستقبل وإمكانية تسلُّمِها.

ويقول الكاتب إن الأبحاث، التي أجراها في هذا المجال، تشير إلى أنه بغض النظر عن أن هذه الحرب ستضع أوزارها في نهاية المطاف، فإن التداعيات، التي تواجهها صناعة الدفاع العالمية والدول التي تهيمن شركاتها على قطاع التسليح، ستكون فادحة. ويسرد الكاتب في هذا المقال أربع نتائج ناجمة عن ذلك.

1- روسيا هي الخاسر الأكبر

يُنوِّه الكاتب إلى أن مبيعات روسيا، بصفةٍ عامةٍ، لأسلحتها كان يُروَّج لها على أنها «أرخص وأسهل في الصيانة من البدائل الغربية»، وهذا هو السبب في أن روسيا استحوذت على 19% من صادرات الأسلحة العالمية في الفترة من عام 2017 حتى عام 2021، محتلة المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، التي تستحوذ على 39% من سوق التسليح، ومع ذلك، قد لا يكون عامل الترويج هذا فعالًا بعد الآن لعديدٍ من الدول، التي رأت ما تكبدته المعدات الروسية من خسائر وإخفاقات في أوكرانيا.

Embed from Getty Images

وحتى هذا التاريخ، تُقدِّر الولايات المتحدة خسائر روسيا في الحرب الأوكرانية بحوالي ألف دبابة وأكثر من 50 طائرة مروحية و36 قاذفة قنابل مقاتلة و350 قطعة مدفعية، بحسب موقع «بيزنس إنسايدر»، وقُتل في الحرب الأوكرانية الآلاف من الجنود الروس، والتي تتراوح التقديرات بشأن أعدادهم بين 15 و30 ألف جندي، وما زالت روسيا غير قادرة على السيطرة على المجال الجوي الأوكراني، وأصبح الوضع مأساويًّا لدرجة أن هناك تقارير تُفيد أن القادة الروس يحاولون الحفاظ على المعدات من خلال منع القوات من استخدامها في عملية إجلاء الجنود الجرحى أو في دعم الوحدات التي قطعت شوطًا طويلًا جدًّا في الحرب.

ويتابع الكاتب موضحًا أن الأسلحة الهجومية الروسية ثَبُت كذلك أنها مخيبة للآمال؛ إذ قد تصل معدلات فشل الصاروخ، أي نسبة الفشل في إطلاقه أو تعطله في منتصف الرحلة أو فشله في إصابة الهدف، إلى ما يتراوح ما بين 50 إلى 60% بسبب عيوب التصنيع أو بسبب قِدم المعدات وتدني جودتها، وأثارت هذه المشكلات، إلى جانب التقدم البطيء للجيش الروسي في تحقيق أيٍّ من أهداف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المعلنة، شكوكًا حقيقية بين عملاء روسيا التقليديين فيما يتعلق بصادرات الأسلحة، وتبيع روسيا حوالي 90% من أسلحتها إلى 10 دول فحسب، ومنها الهند ومصر والصين.

والأكثر من ذلك، تصطدم قدرة روسيا على تعويض خسائر المعدات تلك بالعقوبات الاقتصادية، التي تحظر تزويد روسيا بالمكونات الأجنبية الأساسية مثل لوحات الدوائر الكهربائية، ومن المؤكد أن روسيا ستكون بحاجةٍ إلى استبدال أجهزتها العسكرية قبل أن تُصدِّر أي شيء إلى خارج البلاد، وهذا يعني أنه حتى إذا أرادت بعض الدول الاستمرار في شراء الدبابات والطائرات المقاتلة الروسية، فسيكون عليها الانتظار في طابور المستوردين أو اللجوء إلى دولة أخرى لتلبية احتياجاتها الدفاعية.

2- خسارة روسيا تُعد مكسبًا للصين

يلفت الكاتب إلى أن الدولة التي يُرجَّح أن تُحقق مكاسب أكبر من استبدالها بروسيا بوصفها مورِّدًا رئيسًا للأسلحة ستكون الصين، وفي السنوات الأخيرة، استحوذت بكين على 4.6% من تجارة الأسلحة العالمية، مما جعلها تحتل المرتبة الرابعة بعد فرنسا التي تستحوذ على 11%، وفي الوقت نفسه، توجد سبع شركات صينية من أكبر 20 شركة في المجال الدفاعي العالمي من حيث حجم إيرادات مبيعات الدفاع، مما يُشير إلى تطلعات الصين الكبيرة في هذا القطاع، وفي الوقت الحالي، تشتري الحكومة الصينية معظم أسلحتها ومركباتها من صانعي الأسلحة المحليين، لكن الصين لديها القدرة على تصدير مزيد من المنتجات العسكرية إلى الخارج.

Embed from Getty Images

على سبيل المثال، تُعد الصين بالفعل أكبر مُنتِج للسفن في العالم؛ لذلك، يُعد تصدير مزيد من السفن الحربية إحدى الخطوات القادمة بطبيعة الحال، وتعمل الدولة على توسيع دورها المتخصص في تكنولوجيا الطائرات المُسيَّرة وتحاول الاستفادة من تحديث قواتها الجوية بطائرات مصنَّعة محليًّا لزيادة الصادرات.

ويُشير الكاتب إلى أن هناك ثلاث دول ضمن أكبر أربعين دولة مستوردة للأسلحة في العالم، وهي باكستان وبنجلاديش وميانمار، تشتري في الوقت الحالي غالبية أسلحتها من الصين،ط ويُمكن أن يتغير ذلك إذا استغلت الصين الضعف الروسي لتجعل نفسها شريكًا موثوقًا به في مجال الأمن القومي والمجالات الاقتصادية والسياسية، وهي سمة أساسية لمبادرة الحزام والطريق الخاصة بها.

ويؤكد الكاتب أن الصين لا يُمكِنها أن تحل محل الأسلحة الأمريكية والأوروبية التي تُعد «نوعًا فاخرًا» بسبب جودتها العالية وسعرها، لكن يُمكنها أن تملأ المكانة السوقية التي سيطر عليها صانعو الأسلحة الروس، ومن ثم زيادة حصة بكين بوصفها مصدرًا رئيسًا للأسلحة، بالإضافة إلى أنها ستجني فوائد سياسية واقتصادية مصاحبة لذلك، ويتمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الصين في إثبات أن أسلحتها تعمل بصورة جيدة في القتال المباشر.

3- الشركات الأمريكية المصنِّعة للأسلحة رابحة جدًّا

يوضح الكاتب أن الشركات الأمريكية المُصنِّعة للأسلحة تهيمن على صناعة الأسلحة العالمية، ومن المحتمل أن تضمن حرب أوكرانيا بقاء هذا الأمر على هذا النحو لبعض الوقت، وتعد أكبر خمس شركات لتصنيع الأسلحة في العالم كلها أمريكية: «لوكهيد مارتن» و«رايثيون» و«بوينج» و«نورثروب جرومان» و«جنرال دايناميكس»، بل إن أكبر 100 شركة مصنِّعة للأسلحة عالميًّا نصفها يقع في الولايات المتحدة، وهناك عشرون شركة مصنِّعة في أوروبا، من بينها شركتان فحسب من روسيا، على الرغم من أن روسيا ثاني أكبر مصدِّر للأسلحة في العالم.

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
من إسرائيل للسعودية.. 3 أسلحة جديدة ستقلب الموازين العسكرية في الشرق الأوسط

ويبدو أن الكميات الهائلة من الأسلحة التي تُنقَل من الولايات المتحدة إلى أوكرانيا ستجعل صانعي الأسلحة الأمريكيين منشغلين لبعض الوقت مستقبلًا؛ فعلى سبيل المثال، نقلت الولايات المتحدة حوالي ثلث مخزونها من صواريخ جافلين المضادة للدبابات إلى أوكرانيا، وسيستغرق مشروع «رايثون-لوكهيد مارتن» المشترك من ثلاث إلى أربع سنوات لكي تحل محلها، وتتضمن حزمة المساعدات التي تُقدر بنحو 40 مليار دولار التي وقَّعها الرئيس جو بايدن مؤخرًا 8.7 مليارات دولار لتجديد مخزونات الأسلحة الأمريكية.

ويُعد ارتفاع أسعار أسهم الشركات دليلًا على أن المستثمرين يعتقدون أن الأيام المربحة قادمة، وارتفع سعر سهم شركة «لوكهيد مارتن» بأكثر من 12% منذ بدء الحرب الروسية في أوكرانيا، مع تحقيق معظم المكاسب في أعقاب اندلاع تلك الحرب مباشرةً، وقفزت أسهم شركة «نورثروب جرومان» بنسبة 20%، وفي الوقت نفسه، تراجعت سوق الأسهم الأوسع وفقًا لمؤشر مؤشر «إس آند بي 500» بنحو 4%.

4- اتجاه مزيد من الدول إلى تصنيع الأسلحة بنفسها

يُبرز الكاتب أن الجانب الآخر لذلك هو أن بعض الدول، التي اعتمدت على دول أخرى لتلبية احتياجاتها الدفاعية، قد تسعى إلى أن تصبح أكثر اكتفاءً ذاتيًّا، وتدرك الهند، التي اعتمدت على روسيا في حوالي نصف وارداتها من الأسلحة خلال السنوات الأخيرة، أن روسيا ستحتاج إلى معظم أو كل طاقتها الإنتاجية لاستبدال الدبابات والصواريخ والطائرات وغيرها من الأسلحة المستخدمة أو المفقودة في أوكرانيا، ما يعني أنه لا يتبقى سوى قليل لتصديره.

وهذا يعني أن الهند ستحتاج إما إلى الحصول على قطع غيار للمركبات والأسلحة من عملاء أسلحة روسيين سابقين آخرين مثل بلغاريا وجورجيا وبولندا، أو ستضطر إلى إنشاء صناعة دفاعية خاصة بها، وفي أبريل (نيسان)، أعلنت الهند أنها ستُكثِّف إنتاج الطائرات المروحية ومحركات الدبابات والصواريخ وأنظمة الإنذار المبكر المحمولة جوًّا لتعويض أي انخفاض محتمل في الصادرات الروسية.

Embed from Getty Images

ويضيف الكاتب أن المخاوف بشأن إمكانية الاعتماد على الصناعة الروسية تتزايد، وفي مايو (آيار)، ألغت الهند صفقة طائرات مروحية مع روسيا بقيمة 520 مليون دولار، وفي الوقت الذي أفادت فيه تقارير أن الضغط الأمريكي كان له دور مهم في إلغاء الصفقة، يبدو أن ما فعلته الهند جزء من إستراتيجيةط الحكومة على مدى السنوات القليلة الماضية لتأسيس قاعدتها الصناعية الدفاعية المحلية.

وعلى المنوال ذاته، عملت البرازيل وتركيا ودول الأسواق الناشئة الأخرى على تطوير صناعاتها الدفاعية على مدار العقدين الماضيين لتقليل اعتمادها على واردات الأسلحة، وستسفر حرب أوكرانيا عن تسريع هذه العملية، ومن المحتمل أن بوتين لم يتوقَّع أن تؤدي جهوده الرامية إلى ضم أوكرانيا إلى اهتزاز سوق الأسلحة العالمية كثيرًا، أو أن يتسبب في تراجع قطاع الأسلحة في بلاده، ولكن هذه مجرد طريقة أخرى أدَّت فيها حربه على أوكرانيا إلى حدوث زلزال جيوسياسي، بحسب ما يختم الكاتب مقاله.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد