نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مقالًا للكاتب الأمريكي كليفورد كراوس، المراسل الخاص بأعمال الطاقة الوطنية في مدينة هيوستن، تحدث فيه عن «زيادة كبيرة في إنتاج النفط بصرف النظر عن احتياج العالم إليه من عدمه».

فيضان من روافد غير معتادة.. كيف تستعد «أرامكو»؟

استهل الكاتب مقاله مُبشرًا بتدفق «فيضان من النفط الخام رغم تزايد المخاوف بشأن تغير المناخ وتباطؤ الطلب العالمي على النفط. وهذا الفيضان لن يتدفق عبر منتجي النفط المعتادين، ولكنه يأتي من البرازيل، وكندا، والنرويج، وغيانا؛ وهي بلدان غير معروفة بإنتاج النفط أو ذات إنتاج ضعيف في السنوات الأخيرة». 

وقد يكون هذا المخزون الجديد الذي يلوح في الأفق سببًا رئيسيًّا في دفع أرامكو، المنتج السعودي العملاق للنفط، للمضي قدمًا في تنفيذ خطط العرض الأولي للأسهم، والذي يمكن أن يكون أكبر عرض للأسهم في العالم على الإطلاق، بحسب التقرير.

وأوضح الكاتب أنه من المتوقع أن: «تضيف البلدان الأربعة مجتمعة ما يقرب من مليون برميل يوميًّا إلى السوق في عام 2020، وما يقرب من مليون برميل إضافي في عام 2021، بالإضافة إلى الإنتاج العالمي الحالي للنفط الخام البالغ 80 مليون برميل يوميًّا. ومن المؤكد أن هذا الارتفاع في الإنتاج، إلى جانب الجهود العالمية الرامية لخفض الانبعاثات، سيدفع في اتجاه انخفاض أسعار النفط. وقد يأتي انخفاض الأسعار بالضرر على شركة أرامكو والعديد من شركات إنتاج النفط الأخرى؛ مما يقلل من الأرباح ويُحجِّم عمليات التنقيب والحفر الجديدة، مع إعادة تشكيل سياسات الدول التي تعتمد في دخلها على النفط».

بعدما خسرت صدارة النفط أمام أمريكا.. كيف ستتأثر السعودية سياسيًّا واقتصاديًّا؟

على الجانب الآخر، أوضح الكاتب أنه: «من المرجح أن يقدم الارتفاع الجديد في الإنتاج تخفيضات اقتصادية للمستهلكين في مجال ضخ الغاز، وللدول المستوردة مثل الصين، والهند، واليابان. ولكن النفط الأرخص قد يربك الجهود المبذولة لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري، ويوقف اعتماد المستهلكين والصناعات على الوقود الأحفوري؛ لأن انخفاض أسعار البنزين قد يؤدي، على سبيل المثال، إلى إبطاء استخدام السيارات الكهربائية.

وأضاف الكاتب أن: «كندا والنرويج، والبرازيل، وغيانا، تتمتع جميعها باستقرار نسبي في وقتٍ تسود فيه الاضطرابات بالنسبة للمنتجين التقليديين، مثل فنزويلا، وليبيا، والتوترات بين المملكة العربية السعودية وإيران. وقد تقوِّض ثرواتهم النفطية الجهود التي تبذلها منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) وروسيا لدعم الأسعار، عن طريق تخفيض الإنتاج وتقديم مزيد من الدعم لصناع السياسة الأمريكيين وغيرهم من الغربيين، في حالة تجدد الهجمات على ناقلات النفط أو منشآت المعالجة في الخليج العربي».

قيادة الإنتاج الجديد

صافي التغير على أساس سنوي بملايين البراميل في اليوم الواحد

معدل النمو في إنتاج النفط الخام

تقدير الاحتمالات

غيانا

النرويج

البرازيل

كندا

صافي التغير بالنسبة للبلدان الأربعة

المصدر: شركة آي إتش إس ماركت، مزود معلومات عالمي مقرها العاصمة لندن. أعدَّه: كارل روسل

زيادة العرض تعني انخفاض الأسعار

وتابع الكاتب قائلًا: «قارن دانيال يرجين، خبير الطاقة والمؤرخ الاقتصادي، ومؤلف كتاب «الجائزة: السعي الملحمي للنفط والسلطة والمال»، بين تأثير الإنتاج الجديد وظهور طفرة النفط الصخري في تكساس وشمال داكوتا قبل عقد من الزمان. وقد صرح السيد يرجين قائلًا: «هذه الدول الأربع ستزيد من أمن الطاقة العالمي نظرًا إلى أنها في مَنَعة إلى حد كبير من الاضطرابات الجيوسياسية التقليدية». ولكنه توقع أيضًا أنه كما هو الحال مع الصخر الزيتي، فإن زيادة العرض الإضافية، إلى جانب الاقتصاد العالمي البطيء، يمكن أن تؤدي إلى انخفاض في الأسعار. وهناك بالفعل وفرة في السوق العالمية، حتى مع تقلص الصادرات الأمريكية من فنزويلا وإيران بشدة؛ بسبب العقوبات الأمريكية. وإذا عاد إنتاجهم، فإن هذه الوفرة ستزيد فقط».

وأكد الكاتب قائلًا: «لقد أدت سنوات كانت أسعار البنزين فيها معتدلة إلى زيادة الإقبال على السيارات الكبيرة والسيارات الرياضية بالفعل في الولايات المتحدة، ولا بد أن يؤثر احتمال زيادة النفط في السوق على أسعار المضخة خلال السنوات القليلة المقبلة. وتُعد التوقعات بشأن إمدادات النفط خروجًا حادًا عن أوائل حقبة الألفينات، عندما ارتفعت الأسعار مع توتر المنتجين لمواكبة الطلب المتزايد في الصين وتحذير بعض المحللين من أن النفط ينفد من العالم».

وتابع الكاتب قائلًا: «ثم جاء ظهور التكسير الهيدروليكي والحفر عبر الحقول الصخرية الضيِّقة، والتي حوَّلت الولايات المتحدة من مستورد مُعدَم إلى مُصدِّر قوي. كما أدت الزيادة في الإنتاج الأمريكي، إلى جانب الاقتصاد العالمي المتقلب، إلى انخفاض أسعار النفط بأكثر من 100 دولار للبرميل قبل فترة الركود 2007- 2009 إلى نحو 56 دولارًا للخام الأمريكي القياسي. وقد أجبرت تلك الأسعار المنخفضة منظمة أوبك وروسيا على خفض الإنتاج في السنوات الأخيرة، وفي هذا العام خفَّضت العديد من شركات النفط الأمريكية المتعثرة ماليًّا من استثماراتها في التنقيب والإنتاج لسداد ديونها، وحماية أرباحها».

عصر من نفطِ أقل سعرًا

سعر النفط

150 دولارًا أمريكيًّا للبرميل الواحد

خام غرب تكساس الوسيط، يُرسم أسبوعيًّا

المصدر: شركة فاكتست لنظم البحوث. أعدَّه: كارل روسل

وأوضح الكاتب أن: «خبراء الطاقة يقولون إن النفط الجديد سيزيد من وتيرة هذه الاتجاهات، حتى لو كان ذلك لبضع سنوات فقط، مع انخفاض الإنتاج في الحقول القديمة في أماكن أخرى. وقال راؤول لابلانك، نائب مدير شركة «آي إتش إس» ماركت، وهي شركة استشارية في مجال الطاقة، «قد يؤدي هذا إلى كارثة بالنسبة لكل دولة منتجة، وكل دولة في طريقها للإنتاج»، خاصة إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى الاتفاق النووي بطريقة ما.

ديناميكيات الإنتاج

وعلى غرار طفرة الصخر الزيتي، تُعد زيادة العرض القادمة تغيرًا مفاجئًا في ديناميكيات الإنتاج؛ إذ إن غويانا لا تنتج حاليًّا أي نفط على الإطلاق، والإنتاج النرويجي والبرازيلي كانا في انخفاض منذ فترة طويلة. وفي كندا، أدت المخاوف من تغير المناخ، ومقاومة خطوط الأنابيب الجديدة، وارتفاع تكاليف الإنتاج إلى تقليل الاستثمارات في حقول الرمال النفطية لمدة خمس سنوات متتالية.

ويأتي إنتاج المزيد من النفط في وقت يتزايد فيه اعتراف الحكومات والمستثمرين في الطاقة بأنه لا يمكن استغلال جميع المواد الهيدروكربونية الموجودة في الأرض، إذا أردنا مواجهة تغير المناخ. ولكن قرارات التنقيب، التي اتخذت قبل سنوات، تتسم بزخم يصعب إيقافه، وقال جون براون، الرئيس التنفيذي السابق لشركة بريتيش بتروليوم: «القرارات القديمة مستمرة». وأضاف: «تمضي الأمور في اتجاهات مختلفة؛ لأن القرارات تُتخذ في أوقات مختلفة».

وأردف الكاتب: «يأتي الإنتاج الإضافي في النرويج رغم تبني البلاد لاتفاق باريس للمناخ 2016، الذي ألزم الدول بخفض الانبعاثات الناجمة عن الغازات الدفيئة. وقد خفض صندوق الثروة السيادية استثماراته في بعض شركات النفط وتعهدت شركة النفط الوطنية «إكوينور» بزيادة استثماراتها في طاقة الرياح. وقد غيرت شركة «إكوينور» اسمها مؤخرًا إلى «ستات أويل هيدرو»، بعد الاندماج مع شركة هيدرو للنفط والغاز النرويجية، للتأكيد على تحولها الجزئي للعمل في مجال الطاقة المتجددة، ومع ذلك، تدافع الشركة عن الحقل الجديد في موقع الشركة على الويب، مؤكدةً أن «اتفاقية باريس واضحة تمامًا بأن الحاجة إلى النفط ستظل مستمرة».

بين الماضي والحاضر في الدول الأربع

وألمح الكاتب إلى أنه: «بعد 19 عامًا من التراجع، بدأ انتعاش النرويج منذ بضعة أسابيع؛ إذ بدأت شركة إكوينور في الإنتاج في حقل المياه العميقة في يوهان سفيردروب. وينتج الحقل 440 ألف برميل يوميًّا، مما يزيد من إنتاج البلاد من 1.3 مليون برميل يوميًّا إلى 1.6 مليون برميل في العام المقبل و1.8 مليون برميل في عام 2021.

وفي البرازيل، وبعد سنوات من الفضائح والتأخر، بدأت منصات الإنتاج الخارجية الجديدة في وضع أقدامها على الطريق الصحيح. وارتفع الإنتاج خلال العام الماضي بمقدار 300 ألف برميل يوميًّا، ومن المتوقع أن تضيف البلاد ما يصل إلى 460 ألف برميل يوميًّا بحلول نهاية عام 2021. وفي الأيام المقبلة، من المقرر أن تعقد البرازيل مزادًا رئيسيًّا يشارك فيه بعض من أكبر شركات النفط، والتي ستقدم عطاءاتها للحصول على حقوق الحفر في المناطق البحرية التي تحتوي على ما يصل إلى 15 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية.

Embed from Getty Images

وفي كندا، ينقل خط الأنابيب الذي يبلغ طوله ألف ميل النفط من حقول ألبرتا إلى ويسكونسن، وهو على وشك الانتهاء وفي انتظار التصريح النهائي. ويقول خبراء الطاقة إن ذلك قد يزيد الإنتاج الكندي بمقدار نصف مليون برميل يوميًّا، أو بنسبة حوالي 10%.

وسيكون التغيير الأكثر إثارة للدهشة في غويانا، وهي دولة صغيرة في أمريكا الجنوبية؛ حيث حققت إكسون موبيل، شركة أمريكية متعددة الجنسيات تُعد أضخم مؤسسة للتجارة الدولية في مجال النفط والغاز الطبيعي في العالم، سلسلة من الاكتشافات الرئيسية على مدى السنوات الأربع الماضية. وسيصل الإنتاج إلى 120 ألف برميل يوميًّا في أوائل العام المقبل ويرتفع إلى 750 ألف برميل على الأقل بحلول عام 2025، ومن المتوقع حدوث المزيد بعد ذلك.

ومن المحتمل أن يكون المستقبل في غويانا أكثر تعقيدًا من بين البلدان الأربعة؛ حيث إن سياساتها المنقسمة عرقيًّا مضطربة أحيانًا، وتطالب فنزويلا بجزء كبير من أراضيها. ولكن عمليات الحفر محمية إلى حد كبير بسبب وجود حقول النفط على بعد أميال من الشاطئ. وبالإضافة إلى ذلك، فنزويلا غارقة في أزمة سياسية واقتصادية ومن غير المرجح أن تتحدى شركة حكومية صينية لديها استثمارات نفطية في غويانا، إلى جانب شركتي إكسون موبيل وهيس. ويقول خبراء الطاقة إن الإنتاج الجديد من الدول الأربع سوف يلبي جميع معدلات الزيادة في الطلب العالمي المتوقع على مدى العامين المقبلين، وهو أقل بكثير من معدلات النمو في السنوات الأخيرة قبل تباطؤ التوسع الاقتصادي في الصين وأوروبا وأمريكا اللاتينية».

فائض هائل وضغوط شديدة

على الجانب الآخر، أوضح الكاتب: «في الوقت نفسه، من المتوقع أن تزيد خطوط الأنابيب الجديدة في تكساس من صادرات الولايات المتحدة إلى 3.3 مليون برميل يوميًّا في العام المقبل، ومن 2.8 مليون برميل حاليًا. ويضيف ذلك فائضًا هائلًا ما لم يكن هناك عودة للنمو الاقتصادي العالمي لتحفيز الطلب أو صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط، أو أي خلل آخر في العرض.

وقال ديفيد ل. جولدوين، كبير دبلوماسيي الطاقة بوزارة الخارجية في إدارة الرئيس السابق أوباما: «لدعم الأسعار، يتعين على أوبك تمديد تخفيضات الإنتاج، وربما تعميقها لفترة من الوقت». وأضاف: «يُعد رفع الأسعار إلى الحد الذي يمكن أن تطلق فيه أرامكو برنامجها الأول أولوية سعودية كبيرة».

كما تضع براميل النفط الجديدة في السوق العالمية ضغوطًا على الشركات المنتجة في الولايات المتحدة، إذ تصبح هوامش الربح لإنتاج الصخر الزيتي ضئيلة عند مستويات الأسعار الحالية، وتراجع أسعار الأسهم. وقال فيليب ك. فيرليجر، وهو خبير اقتصادي في مجال الطاقة، وعمل في الإدارات الديمقراطية والجمهورية: «إذا كنتُ في خضم أعمال النفط، فسوف أخاف حد الموت». وأضاف: «تواجه الصناعة نقصًا حادًّا في رأس المال».

كما أعرب المسؤولون التنفيذيون في قطاع النفط الأمريكي عن قلقهم من أن عمليات الحفر سوف تتلاشى في نورث داكوتا، وأوكلاهوما، ولويزيانا وكولورادو مع انخفاض أسعار النفط إلى 50 دولارًا للبرميل في السنوات القليلة المقبلة. ومن المتوقع أن تندمج الشركات الصغيرة، بينما تفلس شركات أخرى.

وقال سكوت د. شيفيلد، الرئيس التنفيذي لشركة بايونير ناتشورال ريسورسيز، ومقرها تكساس، إنه يتوقع أن يتراجع نمو إنتاج الولايات المتحدة من النفط من 1.2 مليون برميل يوميًّا هذا العام إلى 500 ألف برميل في العام المقبل، وربما 400 ألف برميل في عام 2021. والزيادات متواضعة مقارنةً بمتوسط ​​الزيادة البالغ مليون برميل يوميًّا من عام 2010 إلى عام 2018. لكن السيد شيفيلد قال إنه متفائل، ويعزى ذلك جزئيًّا إلى أن الإمدادات الجديدة القادمة إلى السوق يمكن تعويضها من خلال انخفاض الإنتاج في الحقول القديمة في المكسيك وأماكن أخرى بعد عام 2021. وقال: «لا يوجد المزيد من المشروعات الكبيرة الجديدة العملاقة باستثناء جويانا». وأضاف: «ليس علينا سوى التحلي بالصبر لبضع سنوات أخرى قادمة».

«كويت أفريقيا».. رحلة الجنة السمراء من قهر العوز إلى قهر النفط!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد